4
0
8
0
3
0
4
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13805
0
13642
0
12457
0
12246
0
9778
0

عبدالعزيز قاسم *
هزمتُ الملاكم الجزائري بالصعود في مصعد.
وكان انتصاري كاملًا، إلى أن حان وقت النزول.
في ساربسبورغ النرويجية، كنت أمشي مع صديقي محفوظ وزوجته كاترين بين حجارة قديمة وأطلال كنيسة، أحاول أن أستخرج من المكان حكاياته. جئت إلى بلاد الفايكنغ وفي رأسي صورهم التي ورثتها من الكتب والأفلام، ثم وجدتني أمام حجارة لا تقول كل ما نريد سماعه. تقف، وتقرأ، وتسأل، وتظن أنك فهمت، ثم تعود إلى لوحة صغيرة فتصحّح لك ما تحمّست له قبل قليل. ولعلّ هذا بعض ما أحبه في الرحلة؛ تمنحك الدهشة، ثم تتركك تتولى تدبير أخطائك.
وكان من تدبير أخطائي ذلك اليوم أن رأيت برجًا.
برج أوالف، قائمًا في أرض المتحف، يغري بالصعود. وأنا من أولئك الذين إذا رأوا مكانًا مرتفعًا تخيّلوا الصورة قبل أن يفكروا في الطريق إليها. لا تكفيني المدينة من رصيفها؛ أريد أن أراها من فوق، كيف تتجاور بيوتها، وأين يمر نهرها، وما الذي تحجبه الأشجار عن المارّة. وللكاميرا، كما تعرفون، مطالب لا تراعي عمر صاحبها ولا لياقته.
نظرت إلى محفوظ وكاترين، وعرضت عليهما أن يبقيا تحت البرج ويشربا القهوة، وأصعد أنا وحدي. كان في العرض شيء من الإشفاق عليهما، وشيء أكثر من رغبتي في الاستئثار بالمغامرة. غير أن محفوظ لم يقبل. والرجل يمارس الملاكمة، ويمشي كل يوم ساعة بعد الغداء؛ فلا أملك عليه حجة رياضية مقنعة، مهما بالغت في استدعاء أمجادي القديمة. أما كاترين فكانت مستعدّة لصعود الدرج كلّه.
ثم وصلنا إلى الباب، فاختلفت موازين القوة.
الدرج مغلق، والطريق الوحيد إلى الأعلى مصعد. انسحبت كاترين؛ تستطيع أن تصعد بقدميها، لكنها لا تريد دخول ذلك الصندوق. وأعلن محفوظ، بوضوح رجل يعرف ما يخافه: «لا، لا، عندي فوبيا من المصاعد».
وجدتها فرصة لمناكفته. أين الملاكمة؟ وأين البطولة؟ فأفهمني أن الملاكمة شيء، وأن يحبس الإنسان نفسه داخل مصعد شيء آخر. ولم أكن يومها راغبًا في تفهّم هذه الفروق الدقيقة؛ لقد جاءتني بطولة لا تحتاج إلى عضلات، ومن غير المعقول أن أفرّط فيها.
دخلت.
كان المصعد متينًا، هادئًا، لا يقدّم لراكبه تلك الأصوات التي تدعوه إلى مراجعة وصيته. ضغطت الزر، وصعد بي، وانتهى الجانب الشاق من مغامرتي. وأقول الشاق على سبيل المحافظة على ما بقي من هيبة الرحّالة؛ فكل ما فعلته أن وقفت قليلًا داخل صندوق يعرف طريقه.
وفي الأعلى، نسيت المناكفة برهة.
سقوف حمراء، وشوارع تتخلل البيوت، وأشجار تدخل في كل لقطة، وحافلة حمراء تمر في الأسفل. وفي البعيد مداخن ومبانٍ صناعية؛ تفاصيل عمل وحياة، تجعل المدينة أقرب إليّ من صور المدن التي تُخليها الإعلانات من سكانها، وتحتفظ لنا بواجهاتها وحدها. أما غلوما فكان يمضي بين الخضرة والبيوت، وكنت أتبعه بعيني كلما اختفى ثم ظهر.
أحب الماء في المدن. أستطيع أن أطيل النظر إلى نهر، وأتأخر عن أصحابي، وأعود إلى تصويره من موضع سبق أن صوّرته منه. وربما كانت اللقطة الجديدة شبيهة بأختها، لكن القلب، وقتها، لا يقبل هذه الحجة. وعلى ذلك الارتفاع، بعد المشي بين المدافن وأطلال الكنيسة، سرّني أن أرى المدينة التي يواصل أهلها العيش حول تلك الذاكرة؛ الحجارة تحتفظ بموتاها، والبيوت تفتح أبوابها ليوم آخر.
ثم تذكّرت أن لي تحت البرج صاحبين ينبغي إبلاغهما بنتيجة المنافسة.
ناديت محفوظًا من الأعلى، وذكّرته بشجاعتي، ثم صحت: «والله إنّي بطل!».
ولم يكن في الأمر، لو أنصفنا، ما يستحق هذا الإعلان. لا جبل تسلّقته، ولا درج قطع أنفاسي، ولا خطر انتصرت عليه. مصعد محترم أدّى عمله، فنسبت الفضل إلى نفسي. وهذه حيلة يسهل اكتشافها في سير الآخرين، ويطيب لنا التغاضي عنها في سيرنا.
كنت قد أعلنت البطولة لمتابعيّ على السناب أيضًا، فصار التراجع أصعب. وما دامت المدينة جميلة، والصورة من فوق أجمل، ومحفوظ في الأسفل، فإن شروط الانتصار كلها متوافرة.
إلى أن عدت إلى المصعد.
دخلت واثقًا، وضغطت الصفر، على اعتبار أنه الطابق الأرضي. تحرّك المصعد، ثم توقف، ولم ينفتح الباب. ضغطت مرة أخرى، فلم يتغيّر شيء.
وهنا تذكّرت قازان.
سبق أن حُبست في مصعد هناك، وها هي الحكاية تلوّح لي من جديد، على بُعد بلاد ولغات. ما بيني وبين هذه الصناديق يحتاج إلى جلسة صلح؛ أدخلها مطمئنًا، فتختار الوقت المناسب لتعيد تعريفي بنفسي.
ناديت: «يا محفوظ! يا محفوظ!».
لم يسمعني. الرجل الذي سخرت من خوفه بقي في الخارج، وأنا الذي أعلنت الشجاعة بقيت في الداخل. ولم ينفعني، في تلك اللحظة، أنني صحفي، أو أنني رحّالة، أو أنني قدّمت قبل قليل عرضًا مقنعًا عن بطولتي. كانت كل هذه الصفات عاجزة عن فتح باب صغير، وكنت مستعدًّا للتنازل عنها مقابل الخروج.
ثم رأيت الرقم واحدًا في الأسفل، فضغطته. هبط المصعد، وانفتح الباب بهدوء، وخرجت.
لا عطل في المصعد، ولا عملية إنقاذ، ولا نرويجي استُدعي لفك أسر السائح السعودي. كل الحكاية أن الراكب اختار الزر الخطأ، ثم حمّل الصندوق مخاوفه القديمة.
ضحكت من فمي كلّه، وعدت إلى التباهي لأستر لحظة الرعب. وأحسب أن محفوظًا يعرف هذا الصنف من الانتصارات، ويترك لصاحبه فرصة الاحتفاظ بشيء منها؛ ففي الصحبة الجميلة فسحة لأن تسقط هيبتك قليلًا، ويبقى لك مكانك كاملًا.
أكتب الحكاية الآن، وأرى سقوف ساربسبورغ الحمراء، وغلوما بين الأشجار، وصاحبيّ تحت البرج. كان في ذلك اليوم ما يستحق أن يُحفظ، ولو لم أظفر فيه ببطولة واحدة.
ما زلت أحب صورتي أعلى البرج؛ أمّا محفوظ فيعرف من أين نزلت.
* إعلامي وكاتب صحفي