مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

إعداد_هدى الشهري إسماعيل بن القاسم بن سويد العنزي، من مشاهير الشعراء في العصر ال …

أبو العتاهية.. الشاعر الزاهد

منذ 12 ساعة

10

0

إعداد_هدى الشهري

إسماعيل بن القاسم بن سويد العنزي، من مشاهير الشعراء في العصر العباسي، كان يعمل في صناعة الفخار، خلد له التاريخ ذكرًا جميلًا وسجلًا خالدًا، وهو صاحب شاعرية رقيقة، وذهن لمّاح وذوق سليم وعقل ناضج، نشأ بالكوفة وسكن ببغداد، مال إلى العلم والأدب ونظم الشعر حتى نبغ فيه، حتى يحكى أنه قال يوماً “لو شئت أن أجعل كلامي كله شعرًا لقلت”.
‎وأبو العتاهية كنية غلبت عليه لما عرف به في شبابه من مجون، لكنه كف عن حياة اللهو والمجون، ومال إلى التنسك والزهد وانصرف عن ملذات الدنيا والحياة، وشُغل بخواطر الموت، ودعا الناس إلى التزوّد من دار الفناء إلى دار البقاء، ولأبي العتاهية أشعار كثيرة نذكر منها هذه الأبيات:
فيا عجبا من طول سهوي وغفلتي

وَما هُوَ آتٍ لا مَحالَةَ آتِ

‎حُتوفُ المَنايا قاصِداتٌ لِمَن تَرى
‎مُوافينَ بِالرَوحاتِ وَالغَدَواتِ

‎وَكَم مِن عَظيمٍ شَأنُهُ لَم تَكُن لَهُ
‎بِمُهجَتِهِ الأَيامُ مُنتَظِراتِ

‎رَأَيتُ ذَوي قُرباهُ تَحثي أَكُفُّهُم
‎عَلَيهِ تُرابَ الأَرضِ مُبتَدِراتِ

‎برع في نظم الشعر في تلك الحقبة من حياته واشتهر به لدى جمهور من الشباب المحبين للشعر حتى وصل إلى قصور بغداد وبالأخص قصر الخليفة المهدي الذي أُعجب بشعره، وقد عُرف عن «أبو العتاهية» التناقض في أسلوب حياته، حيث ذكر المؤرخون أنه كان يعيش بين حياة المجون والفساد، وبين حياة والورع والزهد والتقوى، وله عدد من القصائد التي تُحقر من ملذات الدنيا الفانية وتُرغب في التقرب إلى الله.
‎وكان الشاعر عظيم الموهبة غزير الإنتاج الشعري، حتى أنه كان ينظم في اليوم مئة وخمسين بيتًا من الشعر، كما عُرف بأسلوبه السهل الممتنع الذي جعل أشعاره تنتقل عبر الأجيال دون صعوبة في فهم مفرداتها ومعانيها، واستمر الشاعر في ملازمة الخلفاء المولعين بشعره، فلزم الخليفة «هارون الرشيد»، وحاول في عهده أن ينقطع عن الشعر لكن الرشيد أمره بالعودة إليه وحبسه حتى عاد، ولزم من بعده ابنه «الأمين» ثم «المأمون» إلى أن توفي.

‎اشتهر أبو العتاهية بفنيّن رئيسيين، هما: الغزل والزهد، أمّا شعره في بقية الأغراض؛ كالهجاء، والمدح، والوصف، والموعظة والحكمة، فقد كان استجابةً لمناسبة معينة أثارت عاطفته، فعبّر عن مشاعره في قصيدة، فيقول متغزلًا:

يا إِخوَتي إِنَّ الهَوى قاتِلي
فَيَسِّروا الأَكفانَ مِن عاجِلِ
وَلا تَلوموا في اتِّباعِ الهَوى
فَإِنَّني في شُغُلٍ شاغِلِ
عَيني عَلى عُتبَةَ مُنهَلَّةٌ
بِدَمعِها المُنسَكِبِ السائِلِ
يا مَن رَأى قَبلي قَتيلاً بَكى
مِن شِدَّةِ الوَجدِ عَلى القاتِل

كما كتب شعرًا في المدح، فمدح المهدي والهادي والرشيد مركزًا على صفات محدّدة، مثل: النسب، والمهابة، والقوة كما أشاد بالصلاح والتقوى والقوة العكسرية للرشيد، وكانت صفات الرشيد ملهمةً له لاستخدام الموسيقى الصاخبة، والكلمة القوية، من ذلك قوله:

أَجابَ اللَهُ داعيكِ

وَعادى مَن يُعاديكِ

كَأَنَّ الشَمسَ وَالبَدرَ

جَميعًا في تَراقيكِ

وَفي فيكِ جَنى النَحلُ

وَما أَحلاهُ مِن فيكِ

وَقَد شاعَ بِأَنَّ الخَز

زَ يُؤذيكِ وَيُدميكِ

وقد استند أبو الشاعر إلى معنيين عند نظمه لشعر الموعظة والحكمة، هما: تأكيد الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدل والتأكيد على ثوابت الأخلاق والدين، كما تحدث عن طبائع النفس البشرية؛ كحب المال والرئاسة، وحتمية زوال الحياة، إلى جانب الحث على التمسك بالأخلاق الفاضلة كالتوبة، والعلم، والبر، والتذكير بالموت والعقاب، والثواب.

وقد نظم أبو العتاهية في الزهد شعرًا مجودًا يفيض بالعاطفة والمعاني الصادقة، وكان تحوله من الغزل إلى الزهد مستغربًا لدى عدد من المحيطين به، كما كان شعره يُعبّر عن تحوّل حقيقي وصادق، وإرادة نابعة من تجارب خبرها في حياته أوصلته إلى معاني الحياة الزاهدة، وكان يسترسل في وصف مشاعره؛ لذلك فقد كانت له مطوّلات في شعر الزهد، إذ قال في إحدى قصائده:

لعمركَ ما الدنيا بدار بقاء

كفاك بدار الموت دار فناء

فلا تعشق الدنيا أخيّ فإنّما

ترى عاشق الدنيا بجهد بلاء

حلاوتها ممزوجة بمرارة

وراحتها ممزوجة بعنــــــاء

ولعل أول ما يلحظه القارئ لشعر أبي العتاهية هو البساطة والسهولة؛ إذ إن أبا العتاهية استعمل أسهل الألفاظ وأبسطها وعرض الأفكار بأبسط صياغة وبناء، حتى أن الأفكار التي تناولها تميزت بالبساطة والبعد عن التعقيد، وهذه السمات تبدو واضحة في كل الأغراض التي كتب فيها.

كما تتميز أشعاره بموسيقا داخلية ناتجة من نفس الشاعر، وذلك إلى جانب موسيقا الشعر الظاهرة التي تكمن في الأوزان، ولا شك في أن أبا العتاهية كان حساسًا للموسيقا حساسية عالية؛ لدرجة أنه كان يشعر بموسيقا النظم في نفسه عندما يتحدث فيبدو كلامه كالشعر، وإن هذه القدرة على الإحساس بالموسيقا هي من تضع أبا العتاهية في رتبة خاصة من الشعراء.

لم يمتلك أبو العتاهية مذهبًا فلسفيًّا، بل هي مجرد خواطر وآراء تميل نحو الفلسفة والحكمة، والتي ظهرت أكثر ما ظهرت في شعر الزهد والوعظ، خصوصًا عندما كان يتحدث عن حقائق الحياة والدين والموت، وقد وُجد عنصر الحكمة في شعره بشكلٍ عامٍّ ولم يقتصر الأمر على شعر الزهد، فنجد الحكمة في العتاب والهجاء والغزل، ومن ذلك قوله:

تَرجو النَجاةَ وَلَم تَسلُك مَسالِكَها

إِنَّ السَفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ

أَنّى لَكَ الصَحوُ مِن سُكرٍ وَأَنتَ مَتى

تَصِحُّ مِن سَكرَةٍ تَغشاكَ في نَكَسِ

وخير خاتمة لمقالي قصيدة الشاعر تلك التي كتبها في رثاءِ أمِّهِ، حيث يذكر فيها مآثرها وأخلاقها بعاطفةٍ جيّاشة، تنبع منها مشاعرُ الحُزن، حيث تنسابُ الألفاظ على لسانه سلسلةً، وتتدفّق المعاني كالماء بِديباجة منظومة، دون تكلّف أو غموض، فيقول:
عليكِ سلامُ الله يا أميَ التي
بكتكِ رجالٌ والنساءُ العواطفُ
رحلتِ وفي صدري أزيزُ مراجلٍ
وبركانُ أوجاعٍ من البيْنِ جارفُ
رحلتِ فَحَلَّ الحزنُ بالبيتِ غِرةً
وفَجَّعنا ريحٌ من الخطبِ قاصفُ

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود