الأكثر مشاهدة

إعداد: سارة الأنصاري في نصف العتمة، كان يكفي أن يبدأ الصوت حتى تتسع العيون. راوٍ …

الحكايات الشعبية بين التأصيل الأدبي والتشكيل الروائي

منذ 4 ساعات

4

0

إعداد: سارة الأنصاري
في نصف العتمة، كان يكفي أن يبدأ الصوت حتى تتسع العيون.
راوٍ يعرف متى يعلو صوته ومتى يهمس، وحاجبان يصعدان وينزلان على إيقاع الحكاية، وشفتان تسبقان الكلمات حتى يغدو الكلام مرئيًا. تتسع العينان دهشةً وخوفًا، ثم يتبدل الوجه في لحظة كسحابة عابرة، ويعود إلى سكونه: حاجبان هادئان، وعينان بلا اتساع ولا انقباض، وملامح تميل إلى التأمل والجد.
هكذا تمضي بنا الحكايات الشعبية عبر الأزمنة، في طرقات عجيبة ومرحة، خرافية وواقعية، بتفاصيل لا حصر لها، منقولة شفاهةً أو مدوَّنة.
لم تكن الحكايات الشعبية في بدايتها بحاجة إلى ورق.
كان يكفيها مساحة صغيرة، وراوٍ يجيد العزف على ملامح الناظرين؛ صوت وحركة، ثم حركة وصوت. وكانت هذه العناصر كلها جزءًا من الحكاية، فلا ينفصل ما يُقال عن الطريقة التي يُقال بها، ولا الكلمة عن الوجه الذي يحملها.
حين كانت الحكاية تمشي على قدمين
للحكايات الشعبية السعودية عمرٌ لا ينتهي برحيل رواتها؛ فهي تتجدد ما دام في الناس من يصغي.
ما زال المستمع يحدّق بإنصات مهيب في نصف العتمة، بعيون يقظة وذاكرة تتسع كلما سمع حكاية شعبية أو قرأها. انتقلت الحكايات من أصوات الجدات إلى الأحفاد كما تنتقل رائحة الخبز الطازج في البيت، لا تحتاج إلى من يحملها.
والحكايات الشعبية لا تحتاج إلى توقيع مؤلف؛ فمؤلفها الحقيقي هو الجماعة والمكان. تُحفظ في الأذهان، وتتناقلها الجدات، وتنشرها الأيام عبر الزمن.
كان الطفل الذي ينام على صوت قصة عن غائب عاد، أو امرأة غلبت الخوف بحيلتها، أو رجل ضل طريقه في الصحراء، يحمل معه شيئًا أكبر من الحكاية: صورة المجتمع عن الخير والشر، والخوف والشجاعة، والحب والفقد، والبيت والغربة. ويملأ جعبته بالعبرة والحكمة.
لم تكن الحكايات الشعبية السعودية تسلية خالصة في يوم من الأيام؛ كانت ذاكرة حية تمشي على قدمين.
من أفواه الرواة إلى صفحات الكتب
بدأ تدوين الحكايات الشعبية السعودية مبكرًا، وهي في أصلها نتاج تراكم ثقافي وفكري لا ينقطع. وقد تتبعت منال بنت سالم القثامي هذا المسار، من فضاء المشافهة إلى المدوّنة المكتوبة، في كتابها «الحكاية الشعبية السعودية المكتوبة بالفصحى: دراسة في المتعاليات النصية»، الصادر عام 2021 عن النادي الأدبي الثقافي بالحدود الشمالية بالشراكة مع مؤسسة الانتشار العربي.
وجاء التدوين تارةً بالفصحى وتارةً بلغة الناس، كما في «التبات والنبات: حكايات شعبية من مدينة جدة» للأديبة لمياء باعشن، وفي «أيام العرب الأواخر: أساطير ومرويات شفهية في التاريخ والأدب من شمال الجزيرة العربية» لسعد الصويان، الذي دوّن الحكايات كما وردت على ألسنة رواتها بلهجات قبائلهم.
ولم يعد الانتقال من الصوت إلى الورق تغييرًا في الوسيط فحسب؛ كان انتقالًا في عمر الحكاية نفسها. فالذاكرة التي كانت مرتبطة براوٍ ومجلس ووقت محدد صارت قادرة على العبور إلى فضاء الكتابة، محتفظة بروحها وإن تبدّلت وسيلتها.
السؤال الذي تركه غياب الرواة
واليوم، انفضّت المجالس وخفتت أصوات الرواة، وصار العالم أسرع من أن يجلس فيه أحد طويلًا منصتًا إلى حكاية تمشي على مهل.
ومن هنا يولد سؤال:
أين تذهب الحكايات إذا رحل الذين كانوا يحفظونها؟
قد يكون أحد أجمل الأجوبة:
إلى الرواية.
فالرواية الحديثة، حين تستقبل الحكاية الشعبية، لا تمنحها مأوى أدبيًا فحسب، بل حياة أخرى في زمن آخر وعوالم أخرى.
وهذه الفكرة قريبة مما تقرره اليونسكو في مفهوم الصون؛ فهي تعدّ التقاليد وأشكال التعبير الشفهي، بما تشمله من حكايات وأساطير وأمثال وألغاز وقصائد وأغانٍ، أحد مجالات التراث الثقافي غير المادي، لدورها في نقل المعرفة والقيم الثقافية والاجتماعية والذاكرة الجمعية. وتنص اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي على أن هذا التراث، المتوارث جيلًا بعد جيل، تعيد الجماعات إبداعه باستمرار استجابةً لبيئتها وتفاعلها مع الطبيعة وتاريخها. وفي روح الاتفاقية، تدعو اليونسكو إلى أن يتناول الصون التقاليد الشفهية بوصفها عمليات حية لا منتجات جامدة، تكون المجتمعات فيها حرة في استكشاف تراثها.
الرواية… آلة زمن من نوع آخر
ومع أن السفر عبر الزمن فكرة تخيّلية، فإن للحكايات الشعبية قدرة على أن تمنحنا شيئًا من هذه التجربة فعلًا.
فهي وسيط للذاكرة؛ والكاتب الذي يستدعي حكاية شعبية داخل روايته ينقلنا من زمن المشافهة إلى زمن الكتابة، ومن ذاكرة الراوي الفرد إلى ذاكرة القارئ الجمعي.
قد تدخل الحكاية الرواية كاملة، وقد تأتي شذرة منها: امرأة عجوز تروي قصة في فصل، أو مَثَل شعبي يتردد على ألسنة الشخصيات، أو كائن أسطوري يسكن خوف القرية، أو أغنية قديمة تستيقظ في ذاكرة بطل، أو أسطورة محلية يُعاد تفسيرها من منظور إنسان يعيش في القرن الحادي والعشرين.
وقد رصدت الباحثة مريم إبراهيم غبّان هذا التفاعل في رسالتها «اللون في الرواية السعودية» (جامعة الملك عبدالعزيز)، التي طُبعت في كتاب على نفقة وزارة الثقافة والإعلام تزامنًا مع مؤتمر الأدباء السعوديين الثالث عام 2009. فرجاء عالم، كما تذكر، كثيرًا ما تلجأ إلى الموروث الشعبي ليصير صورة رامزة للواقع بهمومه السياسية والاجتماعية، وتخبّئ فيه رأيها وفكرها. ومثالها رواية «خاتم»، حيث تصف الروائية قلب بطلتها بأنه طير «مع الخطّار جناحه فضة وقلبه نار»، وتقرأ غبّان في العبارة تناصًا مع لغز شعبي.
وفي كل هذه الصور يحدث أمر واحد:
الموروث لا يُستعاد بوصفه ماضيًا فقط، وإنما يُعاد إنتاج معناه في الحاضر.
وهذه هي النقطة التي تجعل الرواية شريكًا حقيقيًا في حماية الذاكرة الثقافية.
حين تصبح الحكاية وثيقة ثقافية
الحكايات الشعبية تبدو بسيطة، لكنها تحمل طبقات مجتمع كامل.
فيها صورة المرأة والرجل، ومفهوم السلطة، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وتفسير المجتمع للخوف، وتصوراته عن العدالة، وطريقته في مواجهة المجهول، وحتى اللغة التي كان يتودد بها أو يهدد أو يحذر.
ولهذا فإن استدعاءها داخل الرواية الحديثة ليس مجرد استعانة بعنصر فلكلوري يمنح النص لونًا محليًا؛ إنها وثيقة ثقافية من نوع مختلف.
التاريخ الرسمي يخبرنا غالبًا بما حدث، أما الحكاية فتخبرنا عن شعور الإنسان تجاه ما حدث.
حين تقول الجدة مَثَلًا من أمثال الناس، لا تنقل جملة قصيرة فقط؛ إنها تستدعي تجربة أجيال اختصرت فهمها للحياة في بضع كلمات. وحين تروي قصة عن البحر أو الجبل أو الصحراء أو القرية، فإن تفاصيل المكان فيها قد تحمل من المعرفة بالملبس والمأكل والعادات والمخاوف والعلاقات الاجتماعية أكثر مما تحمله صفحات طويلة من الوصف المباشر.
وهنا تأتي الرواية لتلتقط ذلك كله، حتى ما كان يقوله الوجه في نصف العتمة ولا تقوله الكلمات.
خزائن متعددة لذاكرة واحدة
وفي المملكة يحتل هذا المسار أهمية خاصة؛ إذ تضع وزارة الثقافة القصص الشعبية والأمثال والقصائد والأهازيج ضمن مسارات التراث الثقافي غير المادي، وتعرّفها بوصفها تعابير شفهية تقليدية متوارثة بين الأجيال.
وهذه الرؤية تفتح أمام الرواية نافذة واسعة.
فبلاد تتعدد فيها البيئات واللهجات والعادات وتفاصيل الحياة اليومية تمتلك بطبيعتها خزائن متباينة من الحكايات: حكاية تولد قرب البحر ليست تمامًا كتلك التي تنشأ في الجبل، وما يخيف طفلًا في قرية قديمة قد يختلف عما كانت تتخيله جماعة تعيش على تخوم الصحراء.
وهذا ما يظهر في كتاب «الحكايات الشعبية السعودية: مجموعة حكايات شعبية مختارة من مناطق المملكة» للدكتورة هند بنت تركي السديري (مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، 2024)، الذي جمعت فيه ثلاثين حكاية، ست من كل منطقة من مناطق المملكة الخمس. وتقول في مقدمته إن القارئ قد يجد بين المجموعات تشابهًا أحيانًا واختلافًا أحيانًا أخرى، غير أن كل مجموعة «تنم عن بيئتها، وتشير إلى مكان نشأتها»، وتنعكس فيها الحالة الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية لكل منطقة.
وحين تنتقل هذه التفاصيل إلى الرواية، فهي لا تنتقل زينةً للنص، وإنما تحمل معها جزءًا من جغرافية المكان وذاكرته ومفرداته ورؤيته للعالم.
أن يبتكر الروائي دون أن يمحو الأصل
لكن الصون الحقيقي لا يعني أن نأخذ الحكاية من بيئتها ثم نجعلها أكثر غرابة كي تجذب القارئ، وإنما أن نفهم لماذا رُويت، ومن رواها، وفي أي سياق، ولأي غرض.
وتلفت اليونسكو كذلك إلى أن القصة تجمع بين إعادة الرواية والارتجال والإبداع، فتختلف باختلاف النوع والسياق والمؤدّي. وهذا ما يمنحها حيويتها، ويجعلها هشة في آن واحد، لأن بقاءها مرهون بسلسلة نقل لا تنقطع من جيل إلى جيل.
وتحذّر اليونسكو نفسها من أن وسائل الإعلام الحديثة، ومنها الكتب والصحف والإنترنت، قد تغيّر أشكال التعبير الشفهي تغييرًا كبيرًا أو تحلّ محلها؛ ولذلك ترى أن أهم ما في صونها أن يبقى لها دورها اليومي في المجتمع، وأن تبقى فرص انتقالها من الكبار إلى الصغار في البيوت والمدارس. والرواية هنا ليست بديلًا عن الجدة، بل جسر يعيد الناس إليها.
ولهذا يقف الروائي أمام مسؤولية ممتعة وصعبة في آن واحد:
أن يبتكر دون أن يمحو الأصل.
أن يعيد القراءة دون أن يصادر الذاكرة.
وأن يجعل الحكاية معاصرة، من غير أن يقطع الحبل الذي يصلها بأصحابها.
وحين يدخل القارئ بيتًا قديمًا مع شخصية روائية، ويسمع منها مَثَلًا كانت تقوله جدتها، ويشم رائحة طعام من زمن آخر، ويرى عالمًا تتجاور فيه الحقيقة والأسطورة، فإن التراث لا يصل إليه درسًا؛ يصل إليه تجربة.
وهذه المسافة بين المعرفة والتجربة هي إحدى القوى الكبرى للأدب.
هل كانت جدتي تعرف حكاية كهذه؟
ربما لهذا تبدو الرواية الحديثة مساحة مثالية لإعادة وصل الأجيال.
فالجيل الجديد لا يحتاج دائمًا إلى أن نقول له:
«احفظوا التراث».
قد يكون أكثر تأثيرًا أن نقدّم له رواية جيدة تجعله يسأل من تلقاء نفسه:
هل كانت جدتي تعرف حكاية كهذه؟
ومن هذا السؤال الصغير قد يبدأ مشروع كامل لاستعادة الذاكرة.
وقد تتقدم العلاقة بين المؤسسات الثقافية والكتابة الإبداعية خطوة أخرى. فكما تُجمع المادة التراثية ميدانيًا وتُوثَّق صوتيًا وبصريًا، يمكن أن تكون الرواية أحد المسارات التي تعيد هذه المادة إلى المجتمع. ويمكن تشجيع الكتّاب على العودة إلى الرواة وكبار السن، وتوثيق مصادر الحكايات، ودراسة اختلاف رواياتها بين المناطق، ثم إعادة إنتاجها إبداعيًا مع حفظ سياقها الأصلي.
عندئذ لا يصبح الروائي مجرد مستهلك للتراث، بل شريكًا في انتقاله.
وهذا قريب من روح اتفاقية اليونسكو التي تعرّف الصون بأنه تدابير تضمن استدامة التراث، من بينها التوثيق والبحث والحماية والنقل عبر التعليم النظامي وغير النظامي، وإحياء جوانبه المختلفة. فالمقصود ليس إبقاء الموروث خلف زجاج المتاحف، وإنما أن يبقى قادرًا على الانتقال والتشكل وإنتاج المعنى داخل حياة الناس.
«كان يا ما كان»… العبارة التي لم تمت
ربما رحلت كثير من الليالي التي كانت تبدأ بعبارة:
«كان يا ما كان…»
لكن العبارة نفسها لم تمت.
انتقلت فقط.
من فم الجدة إلى صفحات الكتب.
ومن المجالس إلى الروايات.
ومن ذاكرة القرية إلى مكتبة تصل إلى قارئ لم يسكن القرية قط.
وهكذا ربما يكون أجمل ما يمكن أن تفعله الرواية بالحكاية الشعبية ألا تحوّلها إلى أثر نتأمله من بعيد، وإنما أن تفتح لها بابًا لتدخل زمنًا جديدًا.
فالتراث الذي لا يتحرك قد يبقى محفوظًا، لكنه قد يكف عن الحياة.
أما الحكاية التي تجد من يرويها من جديد، فإنها تفعل ما فعلته منذ آلاف السنين:
تغيّر صوتها قليلًا، وتحتفظ بروحها، ثم تمضي إلى جيل آخر.
فالذاكرة لا تطلب منا أن نعيد الماضي؛
يكفي أن نمنحه لغة يستطيع بها أن يصل إلى المستقبل.
المصادر المرجعية
اعتمدت الخلفية المعرفية للموضوع على كتاب منال بنت سالم القثامي «الحكاية الشعبية السعودية المكتوبة بالفصحى: دراسة في المتعاليات النصية» (النادي الأدبي الثقافي بالحدود الشمالية ومؤسسة الانتشار العربي، 2021)، وكتاب هند بنت تركي السديري «الحكايات الشعبية السعودية: مجموعة حكايات شعبية مختارة من مناطق المملكة» (مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، 2024)، ورسالة مريم إبراهيم غبّان «اللون في الرواية السعودية» (جامعة الملك عبدالعزيز)، إلى جانب مصادر وزارة الثقافة السعودية ومنظمة اليونسكو المتعلقة بالتراث الثقافي غير المادي والتقاليد والتعابير الشفهية.
• منصة التراث الثقافي غير المادي – وزارة الثقافة السعودية
• التقاليد وأشكال التعبير الشفهي – اليونسكو
• اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي (2003)، المادة 2 – اليونسكو
• كتاب الحكاية الشعبية السعودية المكتوبة بالفصحى – المكتبة الرقمية السعودية
• مكتبة الملك عبدالعزيز العامة تصدر «الحكايات الشعبية السعودية» – الوطن
• في رسالتها «اللون في الرواية السعودية» غبّان تضع متناصّات الرواية السعودية مع التراث الشعبي – الرياض

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود