الأكثر مشاهدة

بقلم: د. مولاي الرشيد زكيرا*      لا أعلم لماذا، وأنا بصدد قراءة صفحات من ديوان …

وصايا الحكيم قبل الرحيل.. قراءة في اهتزاز الكامح قبل الأخير “لا أريد شيئًا: سيرة الموت والرحيل”

منذ ساعتين

5

0

بقلم: د. مولاي الرشيد زكيرا*

     لا أعلم لماذا، وأنا بصدد قراءة صفحات من ديوان المبدع الحسن الكامح: “لا أريد شيئًا.. سيرة الموت والرحيل“(1)، استحضرت عنوان رواية “البحث عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست… لعل في بعض تأويلات عنوان هذه الرواية خلاصة لما يحدث معنا قبل الرحيل… إذ كلما مر العمر احتجنا لما مضى منه… والكامح، وهو يسرد سيرة الموت والرحيل، يدفعنا بقصد أو دون قصد إلى التساؤل: “وبعد؟”.. بعد كل العمر.. بعد كل العيش.. بعد كل الرحلة.. وقبل أن يرفع الستار.. ماذا يبقى لنا؟ وهذا السؤال لا يرتبط بالضرورة بلحظات ما قبل الموت.. فأحيانًا يرتبط بلحظة حاسمة في أول العمر.. منتصفه.. أو بعد ذلك بقليل أو كثير… ماذا يريد الكامح أن يبقى منه، أو له قبل الرحيل؟

     “لا أريد شيئا“: العنوان الذي اختاره الكامح لاهتزازه الأخير هذا لا يمكن اعتباره عنوانًا اعتباطيًا، فقد عودنا على الانتقاء: “انتقاء اللفظ واللحظة كما العبارة”… هو لا يريد شيئًا. لربما يريد أشياء، فالشيء الواحد غير كاف لشاعر عشق الحياة وارتوى منها… أو لربما لا يريد شيئًا فعلًا، فقد اكتفى وما عاد يعنيه شيء من الحياة، وهو يسرد سيرة الموت وما قبل الرحيل.

    “لا يريد شيئًا“… لكنه، ومنذ أول السرد، يريد أشياء، ويوصي بأشياء بدل شيء واحد…

“لا أريد شيئًا…

ثمة وقت ضائع من حياتي…

مر كأنه لم يكن يومًا لي على جسر العمر…

هل لي أن أستعيده

كي أرتبه من جديد على هواي؟ “(2)

        إنها جدلية أن تريد ولا تريد “لا أريد شيئًا“، وأول الغيث أريد استعادة زمن مضى، زمن ضائع، أُعيدُ تشكيله كما أُريدُ لا كما أريدَ له… فالكامح، منذ الوهلة الأولى، يلعب معنا لعبة جميلة لعبناها منذ الصغر “أريد، لا أريد” “أحب، لا أحب“… ليكشف معنا أن العمر يمر ونحن نعيش صراع البحث عما نريد…

“لا شيء لي…

لا شيء يخطر في البال غير فراغ قاتل.”(3)

       لقد اكتشف الشاعر، أو لعله يريدنا أن نكتشف أننا، في الأول والأخير لا نملك شيئًا، وإن ملكنا كل شيء.. أن نكتشف فراغ الأيادي التي كانت ممتلئة بالماء… أن نكتشف المصير الذي ينتظرنا جميعًا.

” هيهات… هيهات…

لا طريق يعبرك الآن إلا طريق قبرك…

لا أوراق ستحملك الآن للبعاد غير نعشك”(4)

     هو القبر، إذن، ما ينتظرنا… وحين نقترب منه تنتفي منا الرغبة فلا نعود نريد شيئًا.

” ما زلت أصر أني لا أريد شيئًا…

غير قبلة على الجبين…

وقصيدة واحدة تكتبني…

منذ ولادتي إلى أن يتلاشى مداي”(5).

      لا يريد شيئًا لكن “غير” تعيدنا إلى البداية… ففي كلمة “غير” اجتمعت كل الدلالات لنكتشف حالة الإنسان الذي يظل، حتى في لحظات الوداع، يريد شيئًا. لقد أدرك الحكيم، وهو يحاور ذاته، حقيقة ذلك الصراع الأبدي والحيرة الأزلية بين ما نريد وما لا نريد.. إننا لا نستطيع، حتى ونحن نردد “لا نريد شيئا“، إلا أن نريد أشياء.

“هل عرفت الآن حقيقة…

ألا تريد شيئًا…

أم أنك ما زلت متشبثًا…

بأنك لا تريد شيئًا…

على بياض الحقيقة الأولى،

وهي لا تراها إلا الحشايا

وأنت في لحظتك الأخيرة…

متمسك أن تعانق حلمًا”( 6)

         إنها أيضً.ا لحظة المواجهة/ مواجهة الذات والخوف من المصير القريب:

” يا شاعرًا تبكيه العزلة القصوى…

كيف ستواجه موتك…

وهي خلف الباب تنتظر.. ما يُنتظر…

وأنت تحتضر…

أن تغير جلدك الآن…

مرة أخرى أمامها لا أمام المرايا”(7)

         هي مواجهة مع الوقت الباقي:

” أنا متعب جدًا…

كهذه الحروف التي رافقتني عمرًا…

على جسر الغياب…

نلهو حينًا مع نوارس المدى…

وحينا نسوق أحزاننا إلى شط اللقى نعاتب المنايا”(8)

وهي أيضًا اعتراف باستحالة العودة للوراء:

“لا وقت لنا كي نعيد ترتيب كل شيء…”(9).

فكم من الوقت يكفي لاستعادة العالم الماضي… لم يعد هناك وقت لإعادة النظر في ما مضى “لا وقت لنا أن نسوي هذا البيت من جديد”(10)

        مع ذلك يظل الحنين إلى المنبع، إلى الأصل:

” أنا متعب ولا أريد شيئًا…

سوى يد أمي لتمسح عني تعب العمر..

وتقبلني من جديد.“(11).

” لا أريد شيئًا غير أني لا أريد..

 أن أستغني قبل الرحيل عن أشيائي“(12)..

   لا نريد شيئًا، ومع ذلك نكتشف أننا ما زلنا غير قادرين على التخلص من أشيائنا البسيطة.. من حياتنا التي نحياها… ما زلنا غير قادرين على التخلص من الدنيا، التخلص من ماضينا:

” لا أريد أن أستغني…

عن مخطوطاتي…

ولا عن مسوداتي…

ولا عن تقاطعاتي…“(13).

فهل نملك القدرة فعلًا على الاستغناء؟

        إن القصيدة، ككثير من قصائد الشاعر وغيره، هي رحلة بحث عن الذات… فهل نملك القدرة على القول إننا فعلًا وجدنا ذواتنا:

” أبحث عني…

بين استعارات الكلمات..

أسوقه أمامي كي يمتد في المدى شعرًا تليدًا” (14).

        لقد أدرك الحكيم الصوفي، بعد جهد جهيد ومعاناة مع الذات حقيقة الحياة والأشياء، واكتشف عبث الدنيا ولا جدوى ما عشناه:

” لا أريد شيئًا…

فطول حياتي وأنا أركض…

ولم أصل… إلا إلى الشيخوخة…

أيها النساجون: أريد كفنًا واسعًا لأحلامي.“(15).

لذا كان لا بد من توجيه وصاياه للقادمين، الجاهلين، المنشغلين، المشغولين بالحياة والباحثين عن معنى الوجود:

” أنا هنا لأني لا أريد شيئًا…

لا قصرًا عاليًا يعج أعراسًا وأفراحًا..

تحمله الأجساد كتفًا كتفًا“(16).

        إنه إدراك لمعنى الحقيقة، فهي ليست تلك التي نراها بأعيننا، بل تلك التي ندركها بقلوبنا:

” الحقيقة لا ترتدي لباس الرؤية..

ولا تدخل بلاطات الخطاب،

ولا تمشي.. في أسواق

بل تسكن الروح وتخفق كالوريد“(17). هي دعوة للنبش في عمق الذات:

” أن تتأقلم في عزلتك القصوى…

منسلخًا من ملذات الحياة“(18)

وأن: “طريق الحق قاس وأن الحق عنيد عنيد“(19).

         إنها لحظة كشف حساب لواقع وإزالة ستائر الزيف التي غلفت الواقع:

“كل شيء في هذا الكون سيء:

الموسيقى… الحب…الأمكنة“(20).

فكل شيء فقد معناه الحقيقي، لذا يظل الحلم هو الابتعاد عن الواقع.

         إنها أيضًا لحظة إدراك لمعنى الحياة:

“هي الحياة رحلة بين الحروف…

تنسيك يأسك الطويل…

لترتاح قليلا في المعنى“(21).

“هي الحياة فرار بين مقامات البوح” (22).

لحظة الإحساس بالحاجة إلى آخر نشاركه الحياة… يسمع صوتنا الداخلي:

“أنا رغم طول العمر..

ورغم هذا المجد غير المنتظر…

لا أريد مزيدًا من الإبداعات…

 ولا مزيدًا من الاستحقاقات…

بل أريد أن يسمعني أحد…

وأنا أقرع كأسي في المساءات“. (23)

“أريد أن يكون.. هناك إنسان واحد على الأقل..

 أستطيع أن أكلمه كما أكلم نفسي“. (24)

         لقد أدرك حقيقة الحياة:

” أنا خُلِقت لأن أَخلُق“(25).

إنها دعوة للإبداع، لتجاوز الموجود وتفادي التكرار:

“فالأفضل أن تخطئ في طريقك أفضل…

أن تسير بشكل صحيح في طريق“.( 26).

            “لا أريد شيئا“.. هي أيضًا تعبير عن صعوبة الرحيل، صعوبة التخلي عما كان، عما نعرفه لمواجهة ما لم يكن بعد، ما لا نعرفه بعد:

“أنا لم أنس يومًا طينتي…

وإن ابتعدت عنها يومًا محترقًا..

أو غبت عني بين دروب التيه معتنقًا…

فكيف أمضي عنها متصرفًا؟“.(27).

هي رغبة في استعادة ما كان، ولو للحظة:

“هل لي بهنيهة أخرى كي أغوص في الذكرى…

لا أريد شيئًا…

بل صدرًا لأنام قليلًا…

أستعيد ذكراي في هذا المدى صُدفًا“(28)..

إنه حنين النهايات حينما تستعصي الذكريات ونكتشف أننا، في تعب الطريق، نسينا أن ننعم بصدر محب ننام عليه قليلًا… وكما نحتاج إلى الإنسان، نحتاج إلى المكان:

“هل لي أن أبقى…

أبقى قبالة البحر مع جنبي…

أسمع نبضه يحاكيني“(29).

           إن أصعب ما في لحظات ما قبل الوداع هو الحنين إلى الماضي.. قد لا نريد شيئًا جديدًا بقدر ما نريد استعادة أشيائنا القديمة:

“أشتاق في كل لحظة…

كلما داهمتني عزلة…

إلى أوراقي الأولى…“.(30)

“لذا أقول لا أريد شيئًا…

غير قبلة على الجبين…

تعيد لي طفولة القلب“(31)…

فهل هذا الاستحضار لما كان هو لهفة وشوق وتشبث بما نعرفه أو هو خوف مما لا نعرفه بعد د؟… نعرف فقط أننا مقبلون عليه.

           والحنين إلى الماضي هو حنين إلى النبع الأول، إلى الأم:

“عفوا…

لا أريد شيئًا… غير وسادة أمي…

وأنام جنبها في ارتياح“.(32)

           إذ تظل الأم حاضرة بقوة في ذاكرة الشاعر.. ولا يتوقف الحنين إليها.. وهل نملك غير ذلك؟ فهي الملاذ الذي انطلقنا منه، والملاذ الأخير الذي نود العودة إليه.

“إلا أن أمي لم تتعب مني يومًا…

وما يئست من ضعفي…

قاومت الوقت والسقم وقتًا مديدًا“(33)…

“ولأن أمي ماتت… قبل نهاية الطفولة…

ما زلت محتاجًا إلى حضنها” (34).

           ففي كل الحالات هناك دومًا حنين إلى ما مضى من العمر، العودة للبداية:

“لا أريد من كل هذا إلا أن أنام قليلًا…

أستريح من تعب الجري“.(35).

إنه يريد أن ينام، فالنوم كالموت راحة… إن عبارة “أريد أن أنام” تتكرر أكثر من مرة، ولعلها تعبير عن تعب الرحلة والحاجة إلى راحة، لكنه يشترط فيها القلة كأننا به يريد نومًا لا وفاة… فما زال يريد أشياء أخرى لم يعشها بعد حتى وإن أصر أكثر من مرة أيضًا أنه يريد أن ينام إلى الأبد.

“كل ما أريد فعله…

هو أن أذهب إلى الفراش،

أغلق عيني، وأنام إلى الأبد“(36)…

لكن هذا النوم/ الموت إلى الأبد تعقبه رغبة أخرى

“سوف أموت عدة مرات…

لكي أعيش في النهاية…

هذه الموتات التي تصنعني إنسانا“(37).

            إن صعوبة التخلي عما كان هو الذي يدفعنا إلى البحث عن وقت آخر، إلى الإحساس بأن الأوان لم يأت بعد وأنه ما زال في العمر بقية.

“قد أحتاج إلى وقت إضافي خارج ظلمة الوقت“(38)…

إنها الرغبة في الخلود، البقاء أحياء بعد الموت، لذا نلجأ إلى ترك ما يدل على مرورنا على هذه الأرض.. ولعل أكبر ما يملكه الشاعر ليضمن خلوده هي كلماته:

” نعم أنا محتاج…

إلى ضوء حرف يكتبني..

يومًا بعد يوم، ونبضًا بعد نبض..

وكلما اشتقت إلي في هذا المدى، شفقًا“.(39)

“ لكني…

 سأبقى أردد لا أريد شيئًا…

غير ضوء حرف…

ينيرني بعد الرحيل يومًا ألقا“.(40)

            ففي لحظة الانتظار، لا يملك الشاعر إلا الحنين إلى امرأة..

” لا أريد شيئًا…

أريد امرأة…

تعلمني كيف أستقيم على عرشي…

أريد أنثى..

أنسى الكون كله بين يديها..

وفي حضنها أسلم طوعًا لا كرهًا مفاتيح الدنى…

وأذوب بين نبضها عاشقًا وكفى“(41)…

“أريد امرأة “عبارة تتردد كثيرًا، هو الذي يصر على أنه لا يريد شيئًا… فقد اكتشف أنه لا يمكنه الاستغناء عمن تعلمه الاستقامة في بيئة تقوم على النفاق:

” ما إن أمر..

الكل منحن تأدبًا..

وإن انصرفت..

الكل يزدريني في مكانه خوفًا“(42)…

وإن أرادها فليس لكي يحيا، بل لكي ينسى. ولأنه يعرف أنها وحدها الأنثى (الحبيبة/ الأم) قادرة على أن تمنع عنه البكاء وتمنحه هوية… هي وحدها القادرة على ذلك… إنها حنين إلى الماضي إلى الطفل الذي كان قبل أن يلوثه الزمن والأحداث.

          “لا أريد شيئًا” هي أيضًا اعتراف بعدم اكتمال الحلم… بأن هناك أشياء لم تكتمل بعد… وأننا لم ننه كل ما بدأناه. فكيف نرحل وما زال في القلب حلم لم يكتمل؟

” أعرف أني ما زلت لم أبح..

بما يرفعني عاليًا بين جبال الشوق..

أعزف أغنية..

تذكرني بعمر مضى..

لم تبرح شفاه الجدود في كل عرس تحفًا“(43)..

 كيف نرحل، ونحن ما زلنا في بداية الطريق:

“لكني ما زلت في أول الطريق..

لا أختار نهايته إن لاح لي ضوء..

يذكرني أني راحل عن هذه الدنى..“.(44)

         إنه اعتراف بالحيرة أمام ما هو قادم:

“هل لي أن أكتب ما يكتبني..

في هذا الوقت المعلق..

بين المجهول وما سيأتي..

ذات صباح لا علم لي به..

سيمضي بي إلى أماكن لا اختيار لي فيها..

من قبل أو بعد بعيدًا أرقًا” (45)…

إنه الإحساس بعدم القدرة على المواجهة، لأننا لا نعرف حقيقة من يواجهنا.

          لقد أدرك أن كل شيء إلى زوال، وأنه لا بد من التخلص من ذلك اللباس (الجسد) الذي يكسونا لنهتم بالروح التي تسكننا وأن جوهر الحياة هو التحرر من قيود الجسد. لقد أقبل على الموت إقبال الصوفي المتجرد من الحياة:

“لا أريد شيئًا..

لذا تركت خلفي..

ما طاب من جنان الدنى..

اتجهت إلى خلوة الروح مستأنسًا..

بالزهد العالي بين ربوات وقت معترفًا..“(46)…

ففي لحظة الموت هاته نتذكر حقيقة الأشياء/ الأشخاص

“نحن في حرب دائم مع النفس..

لا نحتاج حيث نحن إلى وقت إضافي..

كي نصرفه بيننا كلامًا“(47).

لذا فالمواجهة يجب أن تكون كما تكون مع الصوفي:

“فكيف لا أن أصالح..

ما يحاربني في وقت انهيار..

لا أملك إلا أن أردد في أسى..

نشيد الصوفي الذي طلق الدنى..

وامتد في المدى..

يحارب المعاصي وقد ألمت به من قبل جسامًا” (48).

لذا علينا عدم الخوف من الموت، بل مواجهتها:

“هي الموت.. تقتات منا ومن أحلامنا،

جئت إلى هنا لحمًا وجلدًا..

وسأبرح الغرفة جثة عظامًا” (49).

          لكن قبل الموت لا بد من تصفية النفس.. لا بد من تحقيق صفاء الروح من ذنوب الدنيا:

“سأمضي في طريقي..

لا مأوى لي ولا مغنى..

أهيم في تزهد، لكني لست نبيًا في كتاب وصفا..

ولست عابدًا لرب لم يتجل..

بل أصفي روحي من ذنوب الدنى” (50).

فلحظة الموت هي مناسبة للتصالح مع الذات ومع الآخر، لكن يبقى السؤال عالقًا: هل نملك القدرة على مسامحة الآخر والذات قبله؟:

” أرأيت لو خيرتك بين أن تصالح..

أو ترتمي على سرير السقم، فهل تصالح؟

أعرف في قرارة نفسك أنك ستصالح..

لأنك تريد من الحياة ما تريد اعتصامًا.

 تريد بيتًا وأنثى“(51).

         إن لحظة الموت هي لحظة إحساس براحة بعد يوم/ عمر متعب:

“أنا متعب،

ولا أستطيع التفكير في أي شيء..

أريد فقط أن أضع وجهي في حضنك،

وأشعر بيديك على رأسي،

وأبقى هكذا للأبد“(52).

      إن لحظة الرحيل هي مناسبة لاستحضار ما مضى، دعوة لكشف حساب الماضي قبل أن نجمع حقائبنا:

“أعرف قبل أي وقت سيأتي..

أنني ضيعت نور الطريق..

حين استنجدت بالغريق“(53).

          “لا أريد شيئًا.” هي لحظة كشف لحساب الأيام الماضية وإدراك لحقيقة ما عشناه… نحن لا نملك إلا ما مضى من عمرنا، أما ما هو آت فلا سلطان لنا عليه:

“وأعرف أن ما أكتبه هو لي ما دمت حيًا،

لكن حين يرمى على الثرى..

ما لم أنشره على الحقول وعشاق الحرف..

سيبقى قاب قوسين أو أدنى..

من لهيب النيران والنسيان والشظايا“(54).

         لقد أدرك الكامح حقيقة الأشياء:

“كم هو صعب أن تقف الآن عليك..

تحاسب ذاتك في المنعرج الأخير،

لا ضوء ينير مسعاك،

لا صوت ينادي عليك من خلف الزوايا،

أنت معلق بين نقطتين لا ثالث لهما،

نقطة بعيدة في السماء منيرة..

ونقطة في الأرض بين الساق والساق تخشى المنايا“(55).

 لذلك فهو يوصي بعدم التذكر:

“لا تحاول أن تعيد شريط ما مضى..

كل ما مضى للنسيان الآن..

ركز على أبعد نقطة ضوء

وامض معتنقًا حسن النوايا“(56)

“لا تلتفت لا يمينًا ولا يسارا..

اسمع دقات قلبك ما تقول:

هيهات… هيهات أن تعرف ما البقايا” (57).

         ختامًا فإن القصائد مرثية لكل المبتعدين عن الظاهر والباحثين عن الباطن/ عن المخفي  وعن الاستثنائي:

“أنا المختلف الاستثنائي..

أنا المجنون والفوضوي..

بل أنا امتداد الألوان..

على البياض والنرجسي..

انسجوا عني من الحكايا كما تشاؤون..

إني لن أموت إلا كما أريد في عوالم النزوات” (58)…

هي أيضًا استحضار لكل الذين شكلوا وجدان الشاعر، لكل المبدعين الذين ارتوى من نبعهم وارتمى في أحضان كلماتهم… هي استحضار للقضايا التي شغلت الكامح إنسانًا ومبدعًا… هي لحظة استعادة لذاكرة ذاتية وجماعية… لصراعات عربية وإقليمية… لحظة استحضار لكل ما سبق الشاعر ورافقه في رحلته الإنسانية والإبداعية… وفي هذا الاستحضار نجد أنفسنا أمام تداخل (مقصود لا شك) بين صوت الشاعر الخاص وأصوات شعراء آخرين… حتى نجد أنفسنا عاجزين أحيانًا عن الفصل بين من يتحدث: الكامح أم غيره؟… مع ذلك ففي انتقاء أسماء دون أخرى ومقاطع دون غيرها ما يكشف عن شخصية الكامح وما يريده أن يبقى منه لمن يأتي بعده. فاختياراته تشي بما في نفسه، إذ لا يمكن قراءة مقتطفاته دون اعتبار للشاعر نفسه:

“قد أتيه بين دروب الحروف..

أختار منها الأنقى.. لكني أريد..

أن أترك خلفي ما أريد..

حتى ولو قلت.. لا أريد شيئًا“( 59).

         فأن نكتشف تفاهة الأشياء التي انشغلنا العمر كله بالاهتمام بها… تفاهة تلك القشور التي ارتديناها وارتدتنا.. أن نكتشف أن جمال الحياة يكمن في التخلص منها. نكتشف أننا لا شيء…

“أنت لا شيء ولا تريد شيئًا..

فلا تبك على ما ضاع بين الطرقات الخوالي..

واستقم فيك وانتظر يوم الزوال اكتمالًا“(60)

وما تبقى منا هو الحيرة والقلق حول ما كناه وما كنا نريد أن نكونه:

“ضاع مني الطريق.. ولا أدري..

 إلى أين تمضي بي خطاي..

أنام على تعب وأفيق على شمس الأعالي انفصالًا

لا أنا على جسر أستقيم..

لا أنا في سعير الرؤى..

أرى ما أريد..

ولا الوقت يهديني بياضًا ألفه حولي“(61).

*ناقد من المغرب

الهوامش:

1- لا أريد شيئًا: سيرة الموت والرحيل. مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال مراكش – الطبعة الأولى 2025م.

2- السابق. ص. 9

3- السابق. ص. 10

4- السابق. ص. 12

5- السابق. ص. 13

6- السابق. ص. 29

7- السابق. ص. 31

8- السابق. ص. 38

9- السابق. ص. 38

10- السابق. ص. 39

11- السابق. ص. 39

12- السابق. ص. 33

13- السابق. ص. 35

14- السابق. ص. 87

15- السابق. ص. 91

16- السابق. ص. 153

17- السابق. ص. 149

18- السابق. ص. 150

19- السابق. ص. 152

20- السابق. ص. 105

21- السابق. ص. 117

22- السابق. ص. 118

23- السابق. ص. 128

24- السابق. ص. 133

25- السابق. ص. 139

26- السابق. ص. 139

27- السابق. ص. 41

28- السابق. ص. 43

29- السابق. ص. 45

30- السابق. ص. 50

31- السابق. ص. 51

32- السابق. ص. 58

33- السابق. ص. 86

34- السابق. ص. 133

35- السابق. ص. 95

36- السابق. ص. 96

37- السابق. ص. 99

38- السابق. ص. 52

39- السابق. ص. 53

40- السابق. ص. 57

41- السابق. ص. 72/73

42- السابق. ص. 73

43- السابق. ص. 47

44- السابق. ص. 48

45- السابق. ص. 49

46- السابق. ص. 157

47- السابق. ص. 108

48- السابق. ص. 112

49- السابق. ص. 110

50- السابق. ص. 159

51- السابق. ص. 114

52- السابق. ص. 115

53- السابق. ص. 13

54- السابق. ص. 17

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود