مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

  حوارـ محمد بن يحيى عسيري  مشروعي هو العمل الثقافي المستنير. الثقافة في ال …

د/ حسن مدن: أكتب خارج السرب.. والمعلومات التقنية تتجاوز طاقتنا البشرية

منذ ساعتين

11

0

 

حوارـ محمد بن يحيى عسيري 

  • مشروعي هو العمل الثقافي المستنير.
  • الثقافة في البحرين تحتاج دعماً.
  • ما ينقصنا هو المعرفة ليس المعلومات.
  • “فقد الأمكنة” أتمنى ألا يحدث لي مجدداً.

حين يكتب، لا يعلو صوته، وهذا سره، ففي زمن الضجيج، تصبح الكتابة الهادئة فعلاً مناضلاً، ويصبح التأمل موقفاً. ليس كل كاتب يكتب، بعضهم يُنصت للعالم وهو يكتب نفسه. ود. حسن مدن من أولئك الذين جعلوا من الكلمة مرآة، لا سيفاً. د. حسن مدن المولود في ١٩٥٦ بالبحرين، اشتغل بالصحافة والفكر والشأن الثقافي وله عدة مؤلفات، منها خارج السرب وتـرميم الـذاكرة والكتابة بـحبر أسـود وغيرها وفـي هـذا الـحوار، لا نـستضيف ضيفاً، بـل نـستعيد صوتاً نحتاجه، صوت العقل والحكمة.

1/ أول كتبك عنونته بـ “خارج السرب” والمتأمل لحياتك يجد أنك عشتها كلها خارج السرب. هل كان الخروج عن السرب اختياراً بطوليًا أم قدراً؟

أولاً علينا الوقوف عند دلالة تعبير “خارج السرب” كما عنيتهُ في عنوان الكتاب، فالقصد هو مساءلة السائد من الفكر، لا عدم الامتثال الأعمى له، دون تحليل جوانبه المختلفة التي قد تحمل النقائض، ولا بد من القول إن ليس كل كلام “داخل” السرب خاطئًا، كذلك ليس كل ما هو خارج السرب صحيحاً بالضرورة، فقد تكشف التجربة بعد حين خطأه. الفكرة في إعمال التفكير الناقد وتمحيص الأمور لا التسليم بكل ما يقال أو ينقل.

عرف مشهدنا الثقافي العربي حالًا من المراجعة لدور المثقفين، لكنّ الكثير منها مأخوذٌ من سياقات فكريةٍ وثقافيةٍ غير سياقاتنا، انصبّت على تقريع المثقفي، إجمالاً، وإسقاط ما أحاط بدورهم من هالة، لكنّها بدلاً من أن تسعى إلى كشف زيف الزائف من المثقفين، نحت نحو الدعوة إلى تحييد المثقف وتجريده من أيّ دور.

ولعلّ في التطورات الدراماتيكية التي نعيشها ما يبلور الحاجة مجدداً لردّ الاعتبار للمثقف بوصفه ضميراً، ضميراً شقياً بالتحديد، وفق وصف جان بول سارتر، المثقف الذي لا يطمئن لما هو منجز، ويستمر في وضع المسلّمات موضع المساءلة والشكّ، ولا يقف عند حدود معرفته وتخصّصه العلمي، إنّما يذهب إلى ما ورائها، إنه ضمير لأنه مفعم بالمسؤولية والحس الإنساني العالي، وشقيّ لأنّه لا يركن لليقين، ويتميز بالعقل الناقد غير الأسير للوثوقيات والمسلّمات النهائية، ما يتطلب اسقلاليته عن البنى والولاءات  التقليدية، فضلاً عن جمعه بين التنظير والفعل الاجتماعي.

تاريخنا العربي الإسلامي مليء بالأمثلة على العلاقة المعقّدة بين المبدع والحاكم، كما تجلت مثلاً، في تجربة ابن خلدون في علاقته مع تيمورلنك التي تناولها الراحل سعد الله ونوس في مسرحيته “منمنمات تاريخية”، كما نجده في علاقة المتنبي بسيف الدولة أو بكافور الإخشيدي، إذ نقف على حال المثقف في تقلبات هذه العلاقة المعقدة مع السلطة.

 وحول الشق الثاني من السؤال عما إذا كان الخروج على السرب اختياراً أم قدراً، أقول إني لمست في نفسي منذ صغري ميلاً للتمرد، ربما تحت تأثير بعض ما قرأت، وبالتأكيد لم أنشد من ذلك اجتراح بطولات الأمر أبسط من ذلك بكثير، بصرف النظر عن الثمن الذي قد أكون دفعته في حياتي جراء هذا الاختيار.

2/ انتقدت دوماً طغيان الهويات الصغرى على الهوية الوطنية الجامعة، خصوصاً الهوية المذهبية والطائفية. 

برأيك هل ترى أن مجتمعات الخليج اليوم قد تجاوزت المأزق الطائفي؟

مجتمعات الخليج ليست استثناء من الحال العربية العامة، فهي عرضة للتأثر بكل ما يدور حولها من تحولات، السلبية منها والإيجابية، ولا يمكن أن نفصل منطقتنا الخليجية عن تأثيرات ما يدور في الفضاء العربي الأعم، بما في ذلك تأثيرات ما يشهده العالم العربي من انفجار ما ندعوه “الهويات الفرعية” بطريقة تنال من الهوية الوطنية الجامعة وتؤدي، في بعض الحالات، إلى تفتيتها، مع ما يجره ذلك على الأوطان والمجتمعات من كوارث لا تعدّ ولا تحصى، نحن شهود على الكثير منها في أكثر من بلد عربي.

علينا هنا التوضيح أننا لسنا ضد صون الهويات الفرعية وخصوصياتها الثقافية والدينية، لكن الغلبة في نهاية المطاف يجب أن تكون للهوية الوطنية الجامعة والمنطوية على التعدد والتنوع، بما يغني هذه الهوية.

فالتنوع ليس نقيض الوحدة بالضرورة، لكن المهم أن نحسن صوغ العلاقة بين ما هو فرعي وما هو وطني جامع، على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، دون إقصاء لأي هوية، أيضاً دون محاباة هوية بعينها على حساب بقية الهويات التي يتشكل منها المجتمع المعني.

3/ كنت تكتب لجيل قرأ ماركس ولينين، وفلسفات الإغريق والأدب الكلاسيكي العالمي. اليوم الجيل الجديد يتابع تويتر وسناب شات وتيكتوك..

كيف يمكن لكاتب مثلك أن يصل اليوم لشاب عربي في العشرينات من عمره؟

ليس كل أبناء وبنات جيلي قرأوا ماركس ولينين وفلسفات الإغريق، ولم أكن في كتاباتي أخاطب النخب المثقفة وحدها، إنما مجمل قاعدة القراء بميولهم المختلفة، سواء اتفقوا معي في الرؤية أو اختلفوا، لكني كنت حريصاً على أن أكتب بلغة واضحة بعيداً عن الفذلكة، ولا أعلم إلى أي مـدى وفقت فـي ذلك، لكن هـذا ما سعيت إليه، هـذا أولاً. ثانياً فإن كتاباتي موجهة للأجيال المختلفة بما فيها الأجيال الجديدة، وحكمًا من تلقي مقالاتي وكتبي المنشورة يمكنني القول إن كثيراً من قرائي هم من الشباب، حتى إني أهديت كتابي “الكتابة بحبر أسود” الذي صدرت طبعته الثالثة، قبل أيام، عن مجموعة “كلمات” بالشارقة بدولة الإمارات، إلى الشباب، ولم يخب ظني في ذلك حيث لاحظت اهتمام مجموعات القراءة، وجلّها من الشباب من الجنسين استقبلوا الكتاب أحسن استقبال واحتفوا به، وهذا يشمل، بنسب مختلفة، كتباً أخرى لي.

4/ في البحرين كان هناك مشروع ثقافي تقدمي قوي في الستينيات والسبعينيات (أسرة الأدباء والكتاب)، لماذا تراجع هذا الدور؟ ولماذا الثقافة في البحرين محلية جداً؟

لا يـمكن الــقـول إنّ الـثقافة والأدب الـتـقـدميين فـي الـبحـرين قـد اخـتـفـيـا، وإن كـانـت مكـانتـهمـا قـد تراجعت، فهناك وجوه إبداعية وفكرية شابة تسير على ذات الخطى، سواء كانوا أعضاء في أسرة الأدباء والكتاب أو خارجها، علماً بأنّ الأسرة لا تزال تواصل أنشطتها بجهود أعضائها سواء كانوا من الشبان أو من المخضرمين.

وبصورة عامة يمكن القول إن تجليات المشروع الثقافي التقدمي العربي الراهنة مختلفة عما كانت عليه قبل عقود، فترة المد اليساري والقومي، وتراجع خطاب تلك الفترة في البحرين هو أحد تجليات المشهد الثقافي العربي عامة، وهذا أمر يتعين التفكير فيه، كما لا يتعين أن نفقد الأمل في بروز قامات إبداعية وثقافية في المستقبل، فالبحرين ولادة بالمواهب.

أخيراً يتعين القول إن الثقافة في البحرين بحاجة للمزيد من الدعم والتشجيع والمؤازرة من قبل الجهات المعنية بالثقافة، خاصة الرسمية منها.

5/ السوشيال ميديا أعطت صوتاً للجميع، لـ “جحافل من الحمقى” كما يصفهم “امبرتو  إيكو”.. هل تراها قدمت خدمةً للثقافة والحرية أم أنها سطحت النقاش العام وضاعفت الغثاء؟

هناك مستجد مهم، قد ينافس التعليم ويعيقه أو يتكامل معه، تبعاً  للخطط التربوية المتبعة في المجتمع المعني، هو ما  نطلق عليه المعلوماتية، فما نعيشه اليوم ليس اتساع نطاق التعليم فقط، بل أيضاً وبقدر مشابه، اتساع نطاق المعلومات على نحو لم يسبق له مثيل، هناك وفرة معلوماتية تأتي من مصادر مختلفة، ما يصلنا من معلومات أو ما في وسعنا الوصول إليه منها هو من الضخامة، حيث إن الأمر يفوق طاقتنا على استقبالها وحفظها.

ما ينقصنا هو المعرفة، فيُسر الوصول إلى المعلومات، بالقياس لما كان عليه الحال في الماضي، يدفع بالناس نحو المزيد من العزلة والتقوقع على الذات، ويأتي نموذج «المثقف» المعلوماتي المسحور بكمية ما يعرفه من بيانات في حقل بعينه ليكرس هذه الحال من العزلة حين يخفق هذا المثقف في رؤية مكانة المعلومة ضمن نسق أكبر، أي أنه ينبهر بالتفصيل، بالجزء، فلا يرى ما هو أوسع وأشمل.

المعرفة قبل أن تكون معلومات عامة هي رؤية للحياة والمجتمع، ومهمة المدرسة والجامعة تمكين الدارسين، من تملك ملكة التفكير وإثارة الأسئلة لا حشو الأذهان بأكثر ما أمكن من معلومات.

6/ هل يصح أن نقول بأن المثقف اليساري اليوم تنكر لقواعده وهجر المصنع واتجه للجامعة وأصبحت لغته اكاديمية بعيدةً عن هموم المواطن البسيط؟ أم العكس هو الصحيح فلم تعد له “طبقة” تستمع له وانفض الناس من حوله؟

هناك أكثر من وجه لهذه المسألة: المثقف اليساري ليس بالضرورة آتياً من المصنع أو تربى فيه.

يمكن أن يكون معلماً أو صحفياً أو أستاذاً في الجامعة، أما مسألة اللغة البعيدة عن اهتمام الناس، فلا يصح إزاءها التعميم. هناك مثقفون يكتبون بلغة تفهمها شرائح واسعة من الناس ويتلقون المعرفة عبرها.

الطبقات لا تزول طالما أن المجتمع قائم على الطبقية، إنما تشهد تحولات في بنيتها وربما ميولها تحت تأثير عوامل موضوعية وذاتية متنوعة، بالتالي القول بأنه لم تعد للمثقف طبقة يخاطبها يبدو غير دقيق في نظري.

لا يلغي ذلك أن مثقفين كانوا يساريين أداروا ظهرهم لفكرهم السابق، وتبنوا مواقف ورؤى قد تكون نقيضة، موغلة في الليبرالية أو أقرب إلى المحافظة، وهذه ليست ظاهرة جديدة في تاريخ الثقافة عالمياً..

نكرر القول إن العالم تغيّر ويتغيّر، وعلى المثقف متابعة هذه التغيرات ورصدها وتحليلها، واغناء رؤيته على ضوء ما هو جديد، لكن هذا لا يعني أن على المثقف أن يتخلى عن القيم التي تليق بالثقافة وأهلها، وأذكر هنا عبارة سمعتها من على لسان إدوارد سعيد في محاضرة قدمتها في الشارقة قبل حوالي ربع قرن من اليوم تقول: على المثقف أن يتمسك بثوابته، حتى يكون جديراً بصفة المثقف.

7/ تقول: “أظن أن الحياة دون مشروع تكفّ عن أن تكون حياة” ما المشروع الأهم في حياة د. حسن مدن؟

مشروعي هو العمل الثقافي المستنير الذي حرصت عليه دائماً ولا أزال، وهو يتجلى في محتوى ما صدر لي من كتب وما نشرته وأنشره من مقالات على مدار عقود، كما يتجلى في انخراطي في النشاط المجتمعي والثقافي التقدمي في وطني البحرين.

8/ ” ستُجن.. ستُصيبك هذه الكتب بالجنون “كانت هذه كلمات والدتك محذرةً من نهمك على القراء.. وافقتها الرأي في كتابك ترميم الذاكرة. ووصفت ما أصابك من تلك الكتب باللوثة. هل لنا أن نعرف الكتب الضارة  التي  سممت عقل د.حسن مدن؟ 

هذه العبارة يجب أن تفهم كمجاز وليس في معناها الحرفي. والدتي رحمها الله، وهي امرأة غير متعلمة، حين لاحظت انغماسي في القراءة وسهري الليل في مطالعة الكت، رغم أني كنت تلميذًا في المدرسة يومها، قالت هذه العبارة من قبيل الشفقة علي، وحين تحدثت عن ذلك في كتابي (ترميم الذاكرة) علقت بالقول إن أمي كانت على حق، فأنا في معارفي الراهنة نتاج ما كنت أقرأ في تلك السن المبكرة، إلى حد كبير. فتلك الكتب لم تكن كتباً ضارة.. كانت من النوع الذي يشعل الذهن وتثير فيه الأسئلة، وما زال أثرها قوياً في تكويني حتى اليوم.

9/ هل لا تزال تخشى “فقد الأمكنة” وذلك الألم الذي ذُقته للمرة الاولى في السبعينيات؟

أتمنى من كل قلبي ألا يحدث ذلك لي ولأحبتي، وقد بلغت اليوم من العمر ما بلغت.

10/ أنت ابن الصحافة الورقية، اليوم الذكاء الاصطناعي يكتب مقالاً في ثواني.. هل تشعر أن مهنة الكاتب الصحفي انتهت؟

حتى اللحظة ليس متعذراً معرفة الكتابة الأصلية التي أبدعها كاتبها وتلك التي ولّدها من وضع اسمه عليها بالذكاء الاصطناعي، ناسباً إياها لاسمه. من المؤكد أن الذكاء الاصطناعي يهدد بالزوال مهناً كثيرة وليس مهنة الصحفي وحدها. لعلك تذكر إضراب كتّاب سيناريو الأفلام في هوليود قبل سنوات قليلة، احتجاجاً على سوء أوضاعهم المعيشية وتهديد الذكاء الاصطناعي لوظائفهم، حيث أصبح بديلاً لهم في الكتابة، رغم أن هذا الذكاء الاصطناعي يستلهم نصوصه من مخزون هؤلاء الكتاب أنفسهم، دون أن ينالوا مقابلاً.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود