الأكثر مشاهدة

إعداد/ حصة البوحيمد يقول الأديب الأيرلندي أوسكار وايلد في مقدمة روايته (صورة دور …

الأدب.. قيمة جمالية أم مسؤولية إنسانية؟

منذ 12 ساعة

14

0

إعداد/ حصة البوحيمد

يقول الأديب الأيرلندي أوسكار وايلد في مقدمة روايته (صورة دوريان غراي): «لا وجود لكتاب أخلاقي أو غير أخلاقي؛ الكتب إما مكتوبة جيدًا أو مكتوبة بشكل رديء».

في المقابل، يقول تولستوي الكاتب الروسي في كتابه ما الفن؟ بما معناه: «الفن وسيلة لاتحاد البشر، يجمع بينهم في المشاعر، وهو ضرورة لحياة الإنسان وتقدمه».

وبين أوسكار وايلد الذي جعل جودة العمل الفني معياراً  لقيمته، وتولستوي الذي رأى في الفن وسيلة لاتحاد البشر، ظل الأدب متماوجًا بين جمال الفن ومسؤوليته الإنسانية. فهل تكفي للنص قيمته الجمالية، أم أن الأدب العظيم هو الذي يجمع بين جمال التعبير وعمق الأثر؟ وهل يفقد الأدب شيئًا من جوهره حين يتخلى عن رسالته، أم يفقد حريته حين نطالبه بها؟  بهذه التساؤلات نستفتح حوارنا  حول هذه القضية  مستقطبين آراء نخبة من الأدباء وأصحاب الرأي في الساحة الأدبية، على ضوء المحاور التالية:

  • هل تكفي القيمة الجمالية لتمنح النص أهميته، أم أن قيمته تكتمل بما يحدثه من أثر إنساني؟
  • متى تتحول «رسالة الأدب» من قيمة فكرية إلى خطاب مباشر يضعف فنية النص؟
  • هل يستطيع الأدب أن يجمع بين حرية الفن ومسؤوليته دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟
  • الفن للفن، والفن للحياة

يبدأ حوارنا حول هذه القضية الأديب والروائي ناصر الجاسم بقوله معلقاّ على تساؤلنا: هل تكفي القيمة الجمالية للنص، أم أن قيمته تكتمل بما يحدثه من أثر إنساني؟

كأنك بسؤالك هذا تشيرين من قريب إلى المذهبين المعروفين: الفن للفن، والفن للحياة، والواقع يقول إن الكاتب إذا أخذ في اعتباره- عندما يكتب- كلا المذهبين فإن كتابته تكون متوازنة في الأساس، ومن الممكن أن يطغى أحد المذهبين على الآخر، مع ذلك لا بأس، المهم أن تكون حصص التأثير لكلا المذهبين في النص عائمة ومتفاوتة، فالفن للفن إذا اتخذ مذهباً كتابياً مستقلاً فستكون الكتابة جمالية خالصة، وتأثيرها يُنظر إليه من الجانب الجمالي البحت، والعكس صحيح، إذا اتكأ الكاتب على مذهب الفن للحياة أو اعتمده وحده، فإن كتابته ستجنح نحو التأثير المعنوي لا غير.

والأفضل من وجهة نظري ألا يذهب الكاتب إلى طاولة الكتابة بنية مسبقة مُبيّتة، وعليه أن يخدم فكرته بالمذهبين كليهما، والأصل إذا فكّر الكاتب بعقلانية أن الأثر الذي يخلّفه النص، أو التأثير في القارئ هما الأساس من العملية الإبداعية، سواء كانت نصاً أدبياً أو لوحة فنية.

وإذا كان الكاتب مؤدلجاً بفكر معين، كفكر شيوعي، أو رأسمالي، أو إسلامي متشدد، أو أنه يُناصر فئة دينية محددة، أو ينتمي إلى فكر وضعي ويودّ الترويج أو التسويق له كتابياً، وقام بحقن فكره أو معتقده في النص حقناً فإن كتابته آنذاك ضعيفة ومباشرة؛ لأن الجانب الفكري طاغٍ على السطح، ويلتقطه القارئ كسمكة ميتة من البحر، ذلك أن زمن الأيديولوجيات قد انتهى وتراجع للخلف كثيراً كثيراََ، ولم تنهض نهوضاً صحيحاً أو تخلد خلوداً دائماً أيُّ كتابة تستندُ إلى التسويق الأيديولوجي، فكلها قد تهاوتْ، والآن يتم الرجوع إليها من الإرشيف، لقد غَدَتْ كتاباتٍ مؤرشفة وشاهدةً على حُقبٍ زمنية فائتة.  

وعن إمكانية الجمع بين حرية الفن ومسؤوليته يقول الجاسم:

نعم ذلك وارد جداً إذا أعمل الكاتب عقله، وحضر بجلاء أثناء الكتابة الإبداعية ولم يكتب كتابة خبط عشواء، أو كتابة موجّهه أو مدفوعة الأجر، أو كتابة حزبية بغيضة؛ فالكاتب مسؤول أمام الله أولاً عمّا يكتبه، وأمام القارئ ثانياً عمّا يبثّه من أفكار، وحرية الإنسان تنتهي عند حرية الآخرين، وأسوأ أنواع الكتابة هي الكتابات التي تفتقد إلى الضبط القيمي، والتي ينتفي فيها الشعور بالمسؤولية.

رسالة الفن هي الجمال

ويرى الأديب عمرو العامري  أن القيمة الجمالية تأتي في المقدمة، خاصة الشعر، فالنص فن في المقام الأول، ورسالة الفن هي الجمال وإثراء الذائقة الإنسانية والخروج باللغة من اليومي والمعاش والمكرر نحو آفاق أرحب، آفاق الجمال والسمو والمختلف. وأعتقد أن هذا الجمال (إن وجد) سيحدث الأثر الإنساني الذي ليس بالضرورة أن يكون نفعياً ومباشراً.

الإبداع فن، والفن مباح له الذهاب باللغة نحو ما هو أبعد من المستوى الأول للغة، لغة الخطاب.

ولا يفترض في الأدب (الابداعي خصوصاً) أن يتحول إلى خطاب مباشر إصلاحي أو وعظي أو تعريضي، وأن فعل فإنه يفقد قيمته الإبداعية ويتحول إلى لغة تقريرة عادية جداً.

ثم إن على الكاتب أو المبدع أن يحترم ذائقة المتلقي ولا يملي عليه أو يقرر له ما هو صالح أو غير صالح، على المبدع أن يكتب للجمال وبجمال يكرس رسالة الأدب كجزء أصيل من الفن ومن الإلهام.

وعن إمكانية الجمع بين الفن والمسؤولية يقول العامري: هذا ممكن جداً متى ما كان الكاتب أو المبدع أصيلاً وموهوباً ومثقفاً ومتمكناً من أدواته.

محنة الأدب اليوم أن المنابر الكثيرة المتاحة أفرزت ما نستطيع تسميته (السلس) الإبداعي.

فالكل يكتب والكل يقول شعراً والكل ينشر هنا وهناك، ويدعى هنا وهناك، ولكن محصلات كل تلك الكتابات صفر إلا في أقل القليل.

أما محنة الأدب الأخرى فهي المجاملات وجبر الخواطر حتى من أسماء كنا نظنها كبيرة ومؤتمنة على حماية الذائقة، غير أنها سقطت مقابل أن تتواجد دائمًا في المشهد، وبثمن لا يليق لا بالمثقف ولا بقيمة الأدب كحس إنساني عال.

لذا نكاد نرى ذات الأسماء تتكرر هنا وهناك، مسكونة بوهم الوصاية والمعرفة، في حين أنها لا تقدم غير الخواء.

الأثر الإنساني لا يحتاج إلى موعظة

ويعلق الشاعر عبدالله القيسي على محاور القضية، بقوله:  أرى أن جمال الأدب يكمن في قدرته على تجديد وعينا بالتجربة الإنسانية؛ أن يكشف في المألوف ما تحجبه الألفة، وأن يمنح أحاسيسنا المبهمة شكلًا نتعرّف فيه إلى أنفسنا.

وأعتقد أن الأثر الإنساني لا يحتاج إلى موعظة؛ فحين يُملي الكاتب علينا ما ينبغي أن نشعر به، يضيّق أفق النص. وحين يترك فيه فراغاً دلاليّاً، يتيح للقارئ أن يصبح شريكاً في بناء المعنى. وفي هذا السياق، ميّز أنطون تشيخوف في رسائله بين حلّ المسألة وحسن طرحها، ورأى أن ما يُطلب من الفنان هو الثاني. ومن وجهة نظري، تلتقي حرية الفن ومسؤوليته في صدق الرؤية وعمقها؛ فللأديب أن يثير الأسئلة ويكشف تناقض الإنسان، دون أن يختزله في حكم أخلاقي أو يجعل شخصياته مجرّد أدوات لإثبات أفكاره.

ويضيء ميلان كونديرا هذا المعنى حين يرى أن جوهر الرواية هو التعقيد، وأنها تقاوم اختزال الحياة في أجوبة سهلة وأحكام سريعة. وعليه، لا تُقاس مسؤولية الأدب بوضوح رسالته الأخلاقية وحده، بل بقدرته على تعميق فهمنا للإنسان، وصون حرية القارئ في السؤال والتأويل.

قد يتكامل في النص الجمال  والأثر

وترى الأديبة والروائية/ خيرية المغربي أنه حين تكون القيمة الجمالية غاية النص، يمكن التجاوز عن الأثر الإنساني؛ فللأثر الإنساني مجالات أدبية أخرى، وللقيمة الجمالية أثر في النفس لا يمكن تجاهل أهميته، وقد تتكامل القيمة الجمالية والأثر الإنساني في صنوف أديبة.

وقد تتجاوز رسالة الأدب القيمة الفكرية؛ فالأدب لايمكن حصره بالفكر، الأدب فكر وأفكار، واقع وخيال، شعور وعاطفة، تاريخ وثقافة. كما أن الخطاب المباشر أحد صنوف الأدب كفن الخطابة.

وهناك شعرة رقيقة كحد السيف هي ما تحول دون أن تطغى حرية الفن على المسؤولية عنه؛ وعلى قدر رقة ذلك الحد تبرز عظمة مسؤولية الفنان الأديب، بقدرته على الفصل بين الحرية والتحرر، بحيث لا يتنصل من مسؤليته الأدبية.

الأدب طائر يحلّق بجناحي الفن والرسالة

ومن اليمن يشاركنا الرأي الأديب والشاعر توفيق البكري بقوله:

أولاً: الأدب قيمة جمالية وفكرية تسحر العقول، وترتقي بالوجدان، وتغذي العاطفة، وتهذب النفس، وتضيء آفاق البصيرة. إنَّه يخاطب الروح، ويمنحها أجنحة تحلّق بها في سماوات الخيال؛ ليرى الإنسانُ من خلالها جمال الطبيعة ومكنونها الخفي، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: “إنَّ من البيان لسحراً وإنَّ من الشعر لحكمة”، في إشارة إلى ما قد يملكه البيان من تأثير، وما يمكن أن يحمله الشعر من حكمة وبصيرة. غير أن جمالية الأدب لا تقتصر على جمال الألفاظ، أو تناسق الإيقاع، أو براعة الصورة والحبك، بل تتجاوز ذلك إلى جمال الفكرة، وعمق الرؤية، وصدق التجربة، وقدرة النص على تحويل المعنى إلى أثر حيّ يستقر في الوجدان.

ثانياً: القيمة الفكرية والإنسانية: وتتجلّى فيما يحمله النص من رؤى وتجارب ومواقف، وما يثيره من أسئلة حول الإنسان والحياة وما يقدّمه من تأملات في الواقع ومشكلاته وتحولاته.

يقوم الأدب بدور مهم في بناء المجتمعات، وتعزيز الوعي وترسيخ القيم الإنسانية؛ فهو لا يكتفي بتصوير الحياة في مظاهرها الخارجية، بل ينفذ إلى أعماق التجربة البشرية، ويكتشف ما تنطوي عليه من آلام وآمال، وصراعات وتناقضات، وأسئلة تتصل بالوجود والكرامة والحرية والعدالة.

فعندما يتناول الأديب معاناة مظلوم، أو يصوّر  آلام المساكين والأيتام والأرامل، ويدافع عن كرامة الإنسان، ويستنكر الحروب والاعتداء على حقوق الآخرين، أو يستحضر تجربة الفقد وما تخلّفه من جراح في النفس، فإنّه يفتح بالكلمة نافذة على المعاناة الإنسانية، ويمنح التجارب المهمّشة صوتاً، ويستثير في المتلقي مشاعر التعاطف والتأمل والمساءلة.

هنا تتجلّى المسؤولية الإنسانية للأديب؛ فالكلمة الصادقة قد تبعث الأمل في نفس مثقلة باليأس، وتوقظ ضميراً غافلاً، وتكشف وجهاً من وجوه الظلم، وتسهم في تشكيل وعي أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الكرامة والامتهان. مع ذلك فإن أثر الأدب في المجتمع ليس أثراً آلياً أو مضمون النتائج؛ فالنص لا يغير الواقع بمجرد ظهوره، لكنه يستطيع أن يحرك الوعي، ويعيد تشكيل الأسئلة، ويؤثر في نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى الآخرين. وهذه القدرة، وإن لم تكن مطلقة، تمنح الأدب مكانته بوصفه أحد روافد الوعي الإنساني والثقافي.

من هذا المنطلق، تقتضي مسؤولية الأديب أن يتحرّى الصدق في التعبير، وأن يتعمّق في فهم التجربة التي يتناولها، وأن يحترم عقل المتلقي وحقّه في التفكير والتأويل، وأن يتجنب تزييف الوعي أو استغلال المشاعر أو توظيف الكلمات في التضليل والخداع. كما ينبغي أن يعي طبيعة جمهوره ومستواه المعرفي والثقافي، من غير أن يحول هذا الوعي إلى ذريعة لتسطيح الفكرة أو الانتقاص من قدرة المتلقي على الفهم.

فمخاطبة الجمهور لا تعني مجاراته في كلّ ما يأْلَفه، بل قد تعني الارتقاء بذائقته، وتوسيع مداركه، وتقديم الفكرة العميقة في صياغة فنّية قادرة على الوصول والتأثير. وتظلّ المسؤولية الإنسانية في الأدب مرتبطة بحرية الإبداع؛ فالأديب ليس مُطَالباً بأن يقدم مواعظ مباشرة في كلّ نص، ولا بأن يجعل أعماله بيانات أخلاقية أو شعارات اجتماعية، إنّما تتجلّى مسؤوليته كذلك في صدق رؤيته، ونزاهة تعبيره، واحترامه للإنسان وتعقيدات تجربته.

ثالثاً: العلاقة بين الجمال الفني والرسالة الإنسانية: الأدب لا يفقد قيمته لمجرد أن يحمل رسالة، إنّما قد يفقد بعض خصائصه الفنية حين تتحول الرسالة إلى غاية تطغى على سائر عناصر الإبداع، فتضحى باللغة والصورة والإيقاع والبناء من أجل تقرير فكرة مسبقة. وليس كلّ خطاب واضح دليلاً على الضعف الفني، كما أنّ الغموض ليس برهاناً على العمق. فقد تكون المباشرة اختياراً فنياً ناجحاً تفرضه طبيعة التجربة ومقام النص، وقد يكون الرمز أداة ثرية لتوسيع الدّلالة وإشراك المتلقي في إنتاج المعنى. في المقابل، قد تتحول المباشرة إلى تقريرية تضعف الأثر الجمالي، وقد يصبح الرمز ستاراً يحجب فقر الفكرة بدلاً من أن يثريها. المسألة، إذن، لا تتعلق بوضوح الرسالة أو خفائها في حد ذاتهما، بل بمدى إندماجها في النسيج الفني للنص، وقدرة الأدوات التعبيرية على تجسيدها دون افتعال أو تكلّف. وحين تنبثق الفكرة من صميم التجربة الشعرية أو السردية، وتتجسّد في صورة نابضة، أو مشهد مؤثّر، أو إيقاع ينسجم مع الحالة الشعورية، فإنّها تصبح جزءًا من جمال النص، لا عِبْئًا مفروضاً عليه، عندئذٍ لا يعود الفن وعاء للرسالة، بل يغدو الطريقة التي تتشكل بها الرسالة وتكتسب خصوصيتها وتأثيرها. فليست القيمة فيما يثيره من انفعال عابر فحسب، ولا فيما يعلنه  من مواقف وشعارات، بل فيما يحققه من تآلف بين الشكل والمضمون، وما يتركه من أثر جمالي وفكري وإنساني. وحين ينجح الأديب في تحويل تجربته إلى فنٍّ صادق، تصبح الكلمة أكثر من وسيلة للتعبير؛ تصبح فعلاً من أفعال الوعي، وجسراً للتواصل الإنساني، ومساحة يلتقي فيها الجمال بالحكمة، والخيال بالحقيقة، وحرية الإبداع بالمسؤولية. فالأدب في نظري عبارة عن طائر يحلّق بجناحي الفن والرسالة.

الأدب قطعة من الحياة، بكل شوائبها

ويعلق الأديب عادل النعمي على تساؤلات فرقد، بقوله:  دعني أنطلق من نقطة مركزية، الأدب قطعة من الحياة، قطعة بكل شوائبها، عندما تحمل الشوائب تلك القطعة تحمل الإنسانية بما فيها من شر وخير، الجمال يقع في المنظور أي الزاوية التي التقطت منه، وفي الصياغة اللغوية وفي التقنية الأدبية المستخدمة لكل فن، فالجمال أثر مادي بحت! أما الأثر (الإنساني) لا نحصره في الجانب الإيجابي، فربما يكون شر محظ ونهاية يصبح فيها الظلم أو الشر متسيداً سعيداً بما حصل عليه، هنا نقرأ النص من زاوية أخرى مفيدة: نعرف الشر وطريقه، نعرف الألم النفسي الذي يصاحب حياة الشرير! نعرف المسارات التي تخلق الشر! ونحذر منها. وحين تتقدم الفكرة على التجربة الإنسانية،  تتحول رسالة الأدب من القيمة الفكرية  إلى الخطاب المباشر فيصبح النص وسيلة لإثبات قناعة مسبقة بدلاً من أن يكون مجالاً لاكتشافها واختبار حدودها. عندئذ تتراجع استقلالية الشخصيات، وتختزل الأحداث في شواهد تخدم توجهات الكاتب النفسية والفكرية، ويتحول السرد إلى وعظ مستتر أو معلن، فالقارئ لا يدخل النص ليتلقى أحكامًا جاهزة، بل ليكتشف دلالاته من داخله، ويكوّن موقفه بحرية! وحين يفرض النص على القارئ ما ينبغي أن يفهمه، فإنه يغادر احتمالات الأدب نحو المعرفة التي يتلقاها من كتب العلمية.

وعن استطاعة الجمع بين حرية الفن ورسالته يجيب النعمي، بقوله: نعم، يستطيع الأدب الجمع بين حرية الفن ومسؤوليته، إذا لم تتحول المسؤولية إلى وصاية أخلاقية، ولم تتحول الحرية إلى ذريعة للتنصل من تبعات الرؤية. بأن يتحول الفجور لأجل الفجور، فهذا ليس حيادًا مطلقًا، هذا ترويج للرذيلة، الحياد هو أن  يترك الشخصيات تتشكل من دوافع النفسية وتناقضاتها ونتائج أفعالها! فمسؤولية الأدب ليست أن يلقن القارئ ما ينبغي أن يفكر فيه، بل أن يكشف له ما قد يعجز عن رؤيته.

حرية الفن أن يكتشف النص الحقيقة، ومسؤوليته ألا يزور الإنسان لإثباتها.

الأدب مرآة الواقع دون هتك ستره

ويؤكد الأديب والروائي المصري  علي الفشني على تعانق الجمال الفني  والحس الإنساني في الأدب منذ الأزل، بقوله:

منذ ولادة الأدب من رحم الثقافة الإنسانية، وهو يداعب الضمير البشري دون أن يخلع في محراب الوجود ثوب الإبداع؛ فالأدب نشأ ليصيغ وجدان المجتمعات، ويشد أزر أفئدتها عند النائبات، وهو المرآة التي تعكس الواقع دون أن تهتك ستره، ويسرد مكنوناته تلميحاً بمجامع الكلم ومحاسن التعبير، فتتفهم العقول معانيه. ولم يزل الأدب يتأرجح بين ضفة الجمال الساحر الذي يستلب الألباب، وضفة المعنى الإنساني الذي يوقظ الضمائر. ومن ثمَّ تساءلٌ يطرح نفسه: هل تكفي القيمة الجمالية وحدها لتمنح النص أديم الخلود؟ أم أن قيمة الأدب الحقيقية لا تكتمل إلا بما يحدثه من أثر عميق في النفوس، وما يطرحه من قضايا تلامس صلب الوجود الإنساني؟

إن البراعة البلاغية المجردة ليست سوى جسد مسجَّى لا حركة فيه إلا بالروح التي تسكنه؛ فالأدب الحقيقي هو الذي يمزج بإتقان بين إمتاع العين والعقل، ليبث في النفس دهشة الجمال ويقظة الفكر في آن واحد. غير أن هذه “الرسالة الأدبية” السامية قد تنقلب –على حين غفلة– إلى عائق يفقد النص روحه إذا سقط الأديب في فخ المباشرة والوعظ؛ فحينئذٍ يتحول الأدب إلى مبنى بلا معنى، فتعود “عصا موسى” إلى سيرتها الأولى مجرد عصا جامدة لا تصنع معجزة، ويتحول العمل الإبداعي الممتع إلى مادة تقريرية باهتة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يستطيع الأدب أن يجمع بين حرية الفن ومسؤوليته؟

فالمتأمل يجد أن حرية الفن ومسؤوليته هما وجهان لعملة واحدة؛ يستطيع الأديب البارع أن يصون حرية خياله من القيود والرتابة، ويُعبر عن آلام مجتمعه وآماله بذوق رفيع. فالأدب الخالد قادر على الجمع بينهما، دون أن يجور أحدهما على الآخر. ولعل المتصفح للتراث الأدبي يجد ملاحم أدبية سطرت البطولات، وقدمت المثل الأعلى دون الوقوع في شرك الوعظ. ومن أسطع الأمثلة رائعة أمير الشعراء وصرخته الشعرية الخالدة في رثاء ضحايا حادثة دنشواي، وأدب المقاومة ليس عنا ببعيد، فهو الذي تحول القلم في يده إلى سلاح يوقظ الضمائر ويؤرخ للنضال دون أن يفقد البعد الجمالي والفني.

 الجمالية شرط قد يحقق الأثر الإنساني 

وتجيب د. أمل الحربي باحثة في البلاغة والنقد على طرح  فرقد بقولها:  يثير هذا التساؤل: “الأدب.. قيمة جمالية أم مسؤولية إنسانية”، إشكالية نقدية تتجاوز المفاضلة والاختيار، وصولًا إلى سؤال: هل يمكن الفصل بينهما؟ إذ تفترض هذه الثنائية إمكان الفصل بين الكيفية التي يتشكّل بها النص والدلالات التي يُنتجها، وهو ما يدعونا إلى تأمّل العلاقة بين بناء النص وأثره في تشكيل وعي المتلقي بالتجربة الإنسانية. إنّ الجمالية شرط من شروط تشكّل المعنى وليست حلية مُضافة، وقد ينشأ الأثر الإنساني من فتح آفاق التأويل أمام المتلقي، ولا يُقاس بمقدار ما يتضمّنه النص من رسائل مباشرة. وقد تتحقق المسؤولية الإنسانية باستدعاء مشاركة القارئ، في بناء معنى النص، ووضعه في مواجهة أسئلة دون أن تُفرض عليه إجابات نهائية، ولا يعني ذلك أن الغموض قيمة في ذاته، أو أنّ تعدّد التأويلات يضمن عمق النص؛ إنما تكمن قيمتهما في فتح آفاقٍ أمام القارئ لفهم التجربة الإنسانية، ودعوته إلى إعادة النظر في تصوّراته عن الذات والآخر. هنا تتجلى إمكانات الأدب الجمالية وقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى بناء فني يُنتج الأدب ويوسّع رؤية العالم. فمسؤولية الأدب لا تتجلّى في الرسالة التي يُعلنها فحسب، إنما في الكيفية الفنية التي يُنتج بها المعنى؛ وحين تفتح هذه الكيفية أمام القارئ مجالًا للسؤال، والتأمّل وإعادة النظر، تصبح الجمالية إحدى أعمق صور تحقق المسؤولية الإنسانية في الأدب!

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود