مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

مظاهر البهجة تنطلق في كل زاويةٍ من زوايا المدينة، الشوارع مزدانة والمصابيح مضيئة …

هل يعود للحياة؟!

منذ 3 سنوات

248

0

مظاهر البهجة تنطلق في كل زاويةٍ من زوايا المدينة، الشوارع مزدانة والمصابيح مضيئة وقناديل الفرح معلقة على شرفات المنازل، كل المدينة قائمةٌ تحتفل بما يسمى مجازاً ليلة العمر.
تلك هي الصورة الذهنية المرتبطة بليالي الزفاف عند من يقيمها معتقدين أن كل المدينة ومن فيها يشاركونهم ليلتهم ومسار فرحتهم، بل وربما يعتقدون أن الكون كله يتفاعل معهم.
ذلك هو شعور الفارس المبتهج بليلة زفافه والأميرة المنتشية بليلتها المتفردة ، وهو ذات الشعور المتدفق عند ذويهما.
بينما الواقع يقول أن المدينة تعيش حالاتٍ أخرى كثيرة متعددة المشارب مختلفة الظروف مغايرة للفكرة الذاتية والصورة الذهنية التي يحملها كل فردٍ، فالمدينة تتغنى مع الكل وتحزن مع الكل، فهي تعيش مع كل لحظة فرح وتحزن مع كل ميتم أو حالة حزن يعيشها سكانها بتعدد مشاربهم واختلاف ظروفهم، تتأرجح بين فرح وترح ومرضٍ وصحة وألمٍ وسعادة، فبقدر ما يُزف من أزواج إلى بيوت الزوجية بالمزاهر والمباخر هناك مواليد يزفون إلى الحياة بالورود، وأموات يزفون إلى قبورهم بالدموع، تلك حركة الحياة المستمرة لا تقف عند حالة واحدة.
لن نقف كثيراً على مشارف المدينة الواسعة المتعددة المشاعر والتفاعلات الإجتماعية بل سنتوجه مباشرة بروح الإفتراض لإحدى حفلات الزفاف العامرة المتمثلة بحالة فرحٍ عامة وكأنها تمثل المجتمع الكبير في هذا المساء، سوف نمر عبر أحد الشوارع الممتد والمتعرج عبر الأحياء السكنية والذي يقع عليه قصر الأفراح الشهير بفعالياته، الكبير بمقدار ما يحدث فيه من بذخٍ وإسرافٍ وضجيجٍ أشبه بمهرجان شعبي كبير.
الشوارع الممتدة المحيطة به تنتظر مرور مواكب الضيوف، وجنبات القصر بدأت تتراقص طرباً على نغمات الزير وصوت الطار وصفقات اللعب ورقصات العرضة المثيرة، كما تهتز طرباً لرقصات النساء وابتهاجهن بمسرح العروس الفاتن وبروائح العطور والبخور في قاعة البهاء التي تزينت بأطياف الجمال.
تلك صفة قصور الزفاف وقاعات الأفراح وما يتخللها خلال سويعاتٍ من ليل وما يتهيأ للمتزوجين وذويهم في ليلة العمر المنتظرة فمنهم مقتدرٌ متمكن ومنهم من يقترض لإتمام زفافه، الجميع يصرف ببذخ ويتباهى بسذاجة قد تصل إلى ما بعد الكرم وهو (الهياط) صفة من صفات التبذير المنبوذ، والأغرب أن الجميع يستنكرون الهياط ومع ذلك يمارسونه سواء في مناسبات الزواج أو أي وليمة أخرى يكون معظمها تحت باب لزوم ما لا يلزم.
سنواتٌ طويلة عاشها المجتمع الإستهلاكي بعد الطفرة الشهيرة التي قلبت ظروف المجتمع فأصبح يتحرك بلا وعي، وينفق إنفاق من لا يخاف غدرات الزمان إذ لم يكن إنفاقه في وجوه الخير عادةً أو من أجل الستر والحاجة الملحة ولكن في وجوه المباهاة والمفاخرة وهزيمة الآخر بأن عندنا وليس عندكم، نحن الكرماء وأنتم البخلاء، نحن الميسورون وأنتم المعدمون.
دارت عجلة الزمن وحل هذا الوباء، فاهتز الناس وارتبكوا وارتعدت فرائصهم من المجهول القادم، فتغيرت بعض الطباع، وتزوج الكثيرون خلال فترات الحظر بمبدأ الحذر والسلامة وعلى ما يسره الله من بساطة الوليمة وتيسير الزواج وقلة التكلفة ومحدودية الحضور.
واكتشف المجتمع الساذج أن ليلة الزفاف ليست إلا ليلة مباركة تمنح الفرح والبهجة بأبسط معاني الاحتفال، وتمنع الديون والمشقة وترسخ السعادة بين الزوجين.
لا بذخ ولا إسراف ولا قروض و لا (هياط) بل مودة ورحمة.
فلماذا لا يكون هذا الوباء درساً عملياً للناس وتطبيقاً لتعليمات ديننا الحنيف الذي يحثنا على الترشيد والوسطية في الأمور كلها، فهل نطبق تعاليم الدين وهديه والمثل والقيم العالية في إقامة ولائم الزفاف وغيرها في غير ما تكلف ولا شطط ولا تبذير.
لقد قتل وباء كورونا (الهياط) فهل يعود للحياة مرةً أخرى؟!

إضاءة:
ورد في الحديث الشريف
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:  أعظم النِّكاح بركةً أيسره مؤونة.

*كاتب من السعودية 

تويتر: ‎@abalwled

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود