مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

يظهر أثر المكان جلياً في شخصية وطباع ساكنه، فنجد البساطة حاضرة عند ساكني القرى، …

تأثير المكان(2)

منذ 3 سنوات

206

0

يظهر أثر المكان جلياً في شخصية وطباع ساكنه، فنجد البساطة حاضرة عند ساكني القرى، وابن القرية يكاد يعرف كل أهاليها، وهو يميل إلى التأمل ويجنح كثيراً للخيال ويسافر عبره، وكل ذلك بسبب طبيعة وحدود القرية؛ فهو يلم بالمكان، والأشياء التي يشاهدها مكررة نادراً ما تتغير؛ لذلك فهو مسرف في الخيال، ولا حدود لجموحه.والإنسان الذي يعيش بالقرب من ساحل البحر نجده مختلفاً عن ابن القرية… فهو يبحرُ دائما في فضاء متسع لا حدود له، ويكتسب شيئاً من غموض وتناقضات البحر، في مده وجزره وأمواجه المتلاطمة، فتجده يثور في بعض الأحيان إلى حد الهيجان، وأحيانًا تجده هادئاً كالنسمة ويتمتع بكامل اللطف والذوق.أما ابن المدينة فنجده حذراً من الغرباء، ولا يركز كثيراً في ما يدور حوله، ويقبل التغيرات في المجتمع والحياة بشكل سريع، بل يكون محركاً رئيساً لكثير من التغيرات التي تدخل على المدن.أما ابن الصحراء الممتدة، وعلى رغم تناقص أعداد هذه الفئة غلذي يقترب من التلاشي، بفضل التقدم الذي يشهده العالم بأكمله، فإننا نجد شخصيته تتسم بالفطنة وبأنها أكثر صفاء، إلا أن من أكثر عيوبها التوجس حتى من الرياح، إضافة إلى سمة العناد بشكل كبير، كما أنها في الوقت نفسه يسهل السيطرة عليها واحتواؤها.أما ابن الجبال الشاهقة، الذي دائماً تعانق بيئته الغيم والضباب، فإننا نجد شخصيته أكثر شخصية متناقضة ومتغيرة ومكافحة، وعلى رغم القسوة التي تظهر على شخصية ابن الجبل فإنها أكثر الشخصيات قدرة على التعايش مع أي بيئة تنتقل إليها، بل وتكون مساهمة في بنائها، إضافة إلى أنها تجيد التواصل مع أبناء الأماكن الأخرى على رغم بعد المسافات.وعلى رغم أن هذه التفسيرات لأثر المكان في الإنسان كانت اجتهادات خاصة مني ولم تستند إلى أي دليل علمي، وربما تكونت لدي من خلال القراءات والتأمل في أبناء هذه الأماكن، ما جعل فكرة كتابة هذين المقالين تراودني، وكذلك لأنني من الناس الذين يميلون إلى تقديس عنصر المكان ويؤمنون بأثره الكبير في بناء أي شخصية وتغيرها بحسب المكان الذي نشأ فيه المرء أو انتقل إليه، فإن علم النفس لم يغفل عن هذا الجانب، وإن لم يدعمه بأدلة ملموسة.

كاتب سعودي.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود