الأكثر مشاهدة

ماجدة الشريف نحن بالماضي نعيش الحاضر بكل تقدمه، فلولا وجود الماضي ما عرفنا عن أج …

وقفة مع الرحى

منذ 5 أشهر

105

2

ماجدة الشريف

نحن بالماضي نعيش الحاضر بكل تقدمه، فلولا وجود الماضي ما عرفنا عن أجدادنا وما صنعوه وتركوه لنا من تراث يحكي حياتهم وتلك الأعباء اليومية التي تمر بهم لتُخبرنا عن صبرهم وقوة تحملهم من أجل الحياة وتوفير لقمة العيش بطرقهم ووسائلهم البسيطة بصنعها والمُجدي إنتاجها.

نساء الماضي لم يعشن حياة الرفاهية التي نعيشها بالحاضر الآن، فالأمهات قديمًا كن يُعانين في صنع الطعام وتوفيره بشكله الجيد لأفراد أُسرهم، فكانت الأم تستيقظ من الصباح الباكر لتقوم بطحن حبوب القمح والشعير بآلة بدائية يدوية مصنوعة من الحجر الخشن الثقيل تسمى “الرحى” وكأنها بذلك تهمس بآذان العالم أجمع بالسعي والعمل، كالسيدة مريم عليها السلام حين قامت بهز جذع النخلة بأمر من الله، فهي فعلت السبب بالعمل كما علمنا الله سابقًا وحاضرًا تلك تربية ربانية، يُعلمنا عز شأنه كيف هي الاستعانة به ببذل السبب وبالسعي والعمل معًا وكيف هو حُسن الظن به والثقة بقدرته بمد يد العون بهذه السورة والآية خاصة بقوله العظيم في كتابه الكريم قال تعالى: “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا” (٢٥) سورة مريم.   

الرحى: هي عبارة عن حجرين مستديرين يُركبُ أحدهما فوق الآخر، ويكون السفليّ منهما ثابتًا، بينما يتحرّك الحجر العلويّ حول محور خشبيّ أو معدنيّ، تكون قاعدته مثبّتة في أسفل الحجر السفليّ، وعندما تدور حجر الرحى فإنها تمر فوق حبوب القمح أو الشعير التي توضع من فتحة دائرية صغيرة في وسط الحجر العلوي، فتتكسر تلك الحبات شيئًا فشيئًا كلما دار عليها حجر الرَّحَى حتى تُصبح دقيقًا ناعمًا.

لم يقتصر الرحى في صنع الدقيق فقط، فكان يستخدم أيضًا لطحن القمح والشعير والعدس لينتج لهن ألذ وأشهى الأطعمة غير الخبز.
رغم المشقة والتعب ما أجملهن أمهات عظيمات يصنعن الطعام بحب.

وفي المملكة العربية السعودية استخدموا الرحى باختلاف الشكل والكيفية، بالإضافة إلى الهوند أو الهون المصنوع من معدن النحاس فيطحن الحبوب وغيرها، كما أن الرحى ليس مقتصرًا على بلد معين فهو يُستخدم في جميع الدول العربية ويُعد من التراث العربي القديم وكانت نساء القرى والبادية هن أكثر من يستخدمنه، وما زالت هذه الآلة البدائية تُستخدم في بعض القرى وفي بعض الدول العربية والأفريقية أيضًا ولها مسميات أخرى تختلف باختلاف المناطق والدول مثل الطاحونة أو الجاروشة، وبالإضافة لكل المسؤوليات المنزلية الأخرى أصبح الرحى مهنة الأمهات لصنع الطعام لعائلاتهن، وارتبط الرحى بالمرأة رغم تلك المشقة لثقل الحجر لكن أثبتت المرأة قدرتها وبأنها تستطيع تحمل كل هذا العناء من أجل أسرتها.

حضرني حين كتابة مقالي ما قاله الشّاعر الفلسطيني محمود درويش:
“إنا نحب الورد لكنا نحب الخبز أكثر
ونحب عطر الورد لكن السنابل منه أطهر”
فالخبز بالمعنى المادي والرمزي هو أشبه ما يكون بالأرض والأم هما مرتبطتان كارتباط المرأة بالرحى.

ومن الجدير بالذكر لم يكن الرحى للنساء فقط رغم ارتباطه بالمرأة، بل هناك من الرجال من قام بطحن حبوب القمح والشعير وشارك في إنتاج الدقيق والطعام.

وهكذا يُصنع التاريخ والتراث من مشقة الأجداد والأمهات، وهكذا تبنى الحضارة والتقدم من الماضي.
“فمن ليس له ماضٍ يُذكر ليس له حاضر يُحكى”

فايزة بامسعود

سلوى الأنصاري

سلوى الأنصاري

التعليقات

  1. يقول ام عمر:

    ماشاء الله تبارك الله ابداع وانتقاء في الكلمات و المواضيع
    وحقيقة الاغلب يجهلها من لا ماضي له ليس له حاضر
    بوركت ماجده وبارك الله لك في وقتك وفنك الراقي

  2. يقول رحمه القرني:

    ماشالله جميل المقال جداً ويحكي واقع سمعته من الوالده الله يرحمها شكراً استاذه ماجده نقلتينا الي هذي الصوره الجميله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود