قراءة في عنوان “الغيمة الرصاصية”

بقلم/ منى العنزي*

 

أحضرت قهوتي، وأصبحت مع كل رشفة أتأمل هذا العنوان، لم تكن المرة الأولى التي تصافحه عيناي، فقد تحدثت معه من قبل في ليلة ينايرية ماطرة، أما هذه الليلة فهي من ليالي أيلول الحالمة. سافرت برفقة قهوتي عبر هذه الجملة إلى ما وراء مكنونات نفسي، ثم عدت كي أبدأ في تمرير صفحات الرواية، وأقرأ، ثم توقفت وعدت للعنوان مرة أخرى، هل عناوين الكتب تستوقفنا؟ وهل هي جمالية فقط؟ وكان غرض الكاتب جذب القارئ لكتابه، ما الذي يجعلنا نقف عند العنوان؟ هل يجعلنا تحت ضغط التفكير؟ هل يفتح أمامنا أسئلة لا بد لها من إجابات؟ أما أن بعض العناوين تلامس شيئًا في دهاليز الروح!

سأتحدث عن العنوان في الكتب الأدبية الفنية، أو الكتب التي تحكي التجربة الإنسانية، وذلك من خلال عنوان هذه الرواية (الغيمة الرصاصية) لـ “علي الدميني”.

 

أيها القارئ:

إن كان بين يديك كتاب فاقرأ العنوان أولًا وتنفسه.

يعدُّ العنوان من أهم العتبات النصية في النص الأدبي، حيث يقدم للقارئ دلالات وعلامات قرائية تساعده في الدخول إلى أعماق النص، مما يمنحه فرصة التعرف إلى مضامين النص ومراميه. بدأ الاهتمام بالعنوان ودراسته مع اهتمام وحرص الكتَّاب على اختيار العنوان وتضمينه معاني مستترة وأخرى ظاهرة، فالعنوان أصبح تحولًا علميًّا مهمًّا في النشاط الفكري الإنساني. فقد أصبح العنوان أيقونة تحمل الكثير من الدلالات والإشارات التي يضع الكاتب فيها مضامين النص، فهو يعدُّ الرسالة الأولى التي يدخل من خلالها إلى عوالم النص.

إن العنوان لم يعد مجرد إيضاح وتمييز فقط لهذا الكتاب عن غيره، كما أنه ليس حلية تزين الغلاف فقط، بل هو جزء أساسي في تشكيل الفكرة والشكل، فالعنوان يعدُّ نتاجًا للتفاعلات التي تحدث داخل النص، فهو يتقدم النص ويحيط به لكونه أول ما تقع عليه عين المتلقي، فهو من أولى العتبات بقاءً في الذاكرة. يعد من المفاتيح المهمة في اقتحام عوالم النص الغامضة وفتح مغاليقه، فهو بذلك نقطة الانطلاق في دهاليز النص، حيث يساعد القارئ في فهم شفرات النص وتحديد المقاصد الدلالية. ومن هنا حظي العنوان باهتمام بالغ في الدراسات السيميائية بكونه النافذة الأهم في عالم نقد النص، لذلك يجب على القارئ أن يتعامل معه بدقة وأن يحسن قراءته وتأويله “نظامًا سيميائيًّا ذا أبعاد دلالية وأخرى رمزية تغري الباحث بتتبع دلالاته ومحاولة فك شفرته الرامزة”[1].

جاء عنوان الغيمة الرصاصية جاذبًا للقارئ، حيث يحركه إلى اقتناء الرواية، فقد حقق الدلالة الجمالية والتشويقية، ثم يبحر به إلى الغوص طوعًا في أعماق النص ومعرفة مكنوناته. إن العلاقة بين العنوان والنص السردي قوية جدًّا ومعقدة، وذلك لكون الرواية نصًّا متخيَّلًا ولا يخضع لقوانين خاصة ولا يلتزم بالمنطق، بل الرواية تصاغ عناوينها بالبلاغة والإشراقات الشعرية مستندة إلى لعبة المراوغة والغموض، وهذا يمنح لها الحق بأن لا يكون عنوانها مطابقًا لها ويحتمل أي معانٍ أخرى [2]، ومن هنا يصبح العنوان علامة غامضة تختزل الكثير وتحتاج لقارئ حاذق يستطيع الوصول إلى ما يستتر تحت ظلالها.

هذا العنوان حاضر بقوته الإفرادية وكذلك من خلال السرد، فقد استطاع العنوان هنا أن يلفت انتباه القارئ ويحركه إلى فعل القراءة، والإبحار عبر صفحات الرواية. يقف القارئ أمام هذا العنوان مصابًا بالدهشة والحيرة متوجسًا منه ومقبلًا عليه في آن واحد؛ فهو عنوان يتصف بالمراوغة ويصعب على القارئ الإمساك به بسهولة، حيث يخفي وراء غرابته دلالات عميقة وأبعادًا ذات قيم جمالية وثقافية.

جاء هذا العنوان من نمط التركيب المركب الوصفي على صيغة التنكير، فهو يقوم على الإضمار، وتتكون بنيته العميقة بجملة (هذه الغيمة الرصاصية)، من مبتدأ وخبر وصفة، يمكن تأويل هذه البنية التركيبية بكونها مسندًا إليه، والنص السردي هو الخبر المسند، ومن خلال هذه العتبة يخبر الكاتب المتلقي بأن هذه الرواية تحمل الشتات والضياع والحزن، برغم قصر العنوان فإنه امتلك مساحة هائلة في النفس القارئة، فهو نص صغير حمل دلالات النص الكبير هو متن النص. هذا الإيجاز البليغ الذي تميز به العنوان كان كافيًا لإغراء المتلقي وجعله يقف مندهشًا أمام هذا العنوان، والأحداث التي اختبأت خلفه.

إن هذا العنوان يحمل بعدًا بصريًّا حقيقيًّا مرئيًّا، فهو يرتبط بشيء موجود وواقعي محسوس وهو الغيم أي السحاب من خلال لفظة الغيمة، والرصاصية لفظ يضع القارئ أمام سؤال: ما المقصود بالرصاصية؟ هل هي نسبة للمعدن أو للون؟ هذا التعدد في الدلالات يفتح أمام القارئ مزيدًا من التأويلات قبل البدء في القراءة، ومن هنا يحقق العنوان مهمته الأولى في جذب القارئ واستيقافه، والمتلقي لهذا العنوان يجد أنه حقق دوره في التحريض وأصبح النص الروائي تحت سلطة القارئ، فالعنوان “له الصدارة ويبرز متميزًا بشكله وحجمه، وهو أول لقاء بين القارئ والنص، وكأنه نقطة الافتراق، حيث صار هو آخر أعمال الكاتب، وأول أعمال القارئ” [3]، هذا العنوان يحمل مكونين: مكونًا شيئيًّا محسوسًا هو معدن الرصاص، ومكونًا لونيًّا هو اللون الرصاصي أو الرمادي. جاء لفظ غيمة يحمل الخير والحياة والأمل، فتأتي كلمة الرصاص قاتلة لتلك المعاني، فهي كلمة تدل على القتل والدمار والحزن والضياع، إن الحياة الهادئة السعيدة قد تصطدم بالحروب والقتل وليس بالضرورة أن يكون ما تصطدم به الحياة هو الحرب، بل قد تصدم حياتنا وأحلامنا بالعقبات والخيبة والخذلان التي ربما تكون أشد من الحرب، لفظ غيمة أيضًا من خلال معناه أن الغيم يحجب الشمس، نجد أن هناك تعبيرًا كغيمة من الدخان أو الغبار، وهذا يعود على الحرب. أما على أساس أن الرصاصية تعني اللون وهو اللون الرمادي الذي يكون بين الأبيض الذي يدل على الحياة والضوء والأمل والأسود الذي يعبر عن اليأس والحزن والألم، فهو لون يدل على عدم الثبات والهوية، يحمل في طياته التشتت والضياع والخوف، “يتوسط بين اللونين الأبيض والأسود مفتقرًا في ذلك إلى الحيوية، وبقدر ما يصبح غامقًا فإنه يتجه نحو اليأس ويصبح لونًا جامدًا”[4].

يطلُّ هذا العنوان على دلالات الحياة والأمل والخير، ويستنطق في شقه الآخر الغربة والموت والحزن، التي جعلها الروائي في بوتقة واحدة، فاللون الرمادي يرتبط بالرماد وهو نهاية الشيء، حيث يرتبط بالهلاك ويحيلنا على عام الرمادة في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه، حيث عندما تهب الريح كان يتطاير غبار بلون الرماد من شدة الجوع والهلاك وكثرة الموت. فقد جعل منه الكاتب علامة سيميائية تمتاز بالرمز والإيحاء، كما تختزل الدلالات الخفية في المتن الروائي.

قام العنوان على المفارقة، فالغيم يوحي بالحياة والمطر، والرصاص يوحي بالموت والهلاك، هذا العنوان يعبر عن متن النص، فالرواية تتحدث عن حرب الخليج وما رافقها من اشتعال حقول النفط وتصاعد الدخان، وهنا نجد العلامة السيميائية “الحرب، الموت، الشتات” حاضرة وبقوة في الكتابة والقراءة. فهو أيقونة لغوية حمَّلها الكاتب الكثير من الدلالات التي توحي بعذابات الأنا/ الآخر، والتي تغفو تحت رماد الفتنة والشدة والحرب، كما عكست الرواية حالة المثقف مع المجتمع وأساليب القمع ومصادرة الحرية، فكل هذا تكون الغيمة الرصاصية دالًّا سيميائيًّا له. فقد جاء في الجزء السادس من وهج الذاكرة بعض الفقرات التي تتحدث عن الحرب والقضايا الاجتماعية التي طرأت وانبثقت نتيجة لها. هكذا جاء النص موضحًا دلالات العنوان، كما أنه يستبطن ثنائية الحياة والموت، والحرية والقيد، وهذا العنوان لا يحمل بعدًا إنسانيًّا بل يحمل الانغلاق والموت والألم. فالنص جاء يحمل إشارات قد نبأ عنها العنوان، فكانت نوافذ اتخذها المتلقي للنظر والولوج إلى النص، فكلما تعمق القارئ بالقراءة توضحت وانحصرت دلالات العنوان.

الغيمة الرصاصية علامة لغوية ذات دلالات مفتوحة تلامس كل قارئ على حدة، فقد كان منمقًا ومفخخًا، لكل قارئ حرية التأويل لهذا العنوان، فالرواية تقوم على التقديم والتأخير، فهي تحتاج لقارئ يتعامل معها كفيف العينين لا يفلت التفاصيل ويقف عندها. ومع ذلك فإن هذا العنوان قد أرسى من خلال متن النص ثنائية الحياة والموت، والحرية والقيود.

الكاتب نجح في اختيار العنوان فلم يضعه اعتباطًا أو عبثًا، بل أراد من خلاله جبر أي كسر في النص أو ما امتنع الكاتب عن قوله، أما بالنسبة للقارئ فقد أمطر غيوم الفضول والبحث وراءه، من خلال خوض تجربة القراءة عبر صفحات الرواية.

 

نجمة فينوس: لقد قرأت هذه الرواية مرتين، وما زال هناك ما يتوارى عني خلف السطور، التفاصيل الصغيرة في الرواية لها صوت مسموع، وأظن أني لم أسمعه جيدًا، كُتبت هذه الرواية بعد انقشاع غمامة حرب الخليج. سأقرؤها مجددًا من النهاية إلى البداية.

“ربما أمطرت في مكان ما”

مُــنى/ بين أنفاس قريتي

*باحثة سعودية، تعمل في مجال النقد الأدبي.

______________________________

الهوامش:

[1] بسام قطوس: سيمياء العنوان، وزارة الثقافة، الأردن، ط1، 2001، ص 33.

[2] ينظر/ شعيب حليفي: هوية العلامات في العتبات وبناء التأويل، دار الثقافة للنشر، الدار البيضاء، ط1، 2005، ص 33

[3] شعيب حليفي مرجع سابق، ص 82.

[4] فارس ظاهر: الضوء واللون دار العلم، بيروت، ط1، 1979، ص 56

9 thoughts on “قراءة في عنوان “الغيمة الرصاصية”

  1. عزيزتي منى أهنئك على هذا التوضيح عن أهمية العنوان ودلالاته التي تدفع بالإنسان للقراءة فجمال العنوان وغموضه يُولد الفضول لدى القارئ فيدفعه إلى القراءة .
    تعابيرك جميلة وكتابتك راقية .
    وفقك الله وإلى الأمام دائما .

  2. أمتعتني هذه القراءة من الأستاذة منى لعنوان رواية (الغيمة الرصاصية)؛ قراءة عميقة ومتجذرة وحقيقة بالإشادة، سبرت أغواره بنائياً وتداولياً وتأويلياً، وأضاءت لنا جانبا فسيحاً من مضامينه ورهاناته، ويبقى الباب مفتوحاً لقراءات أخرى قد تكشف لنا عن معانٍ جديدة لهذا العنوان، فالأساس في دراسة العتبات هو أنها قائمة على التحول لا الثبات. شكراً أستاذة منى على هذا الإبداع والجمال👌

  3. لم تحظ دراسة النصوص الموازية أو العتبات في الغرب بأي اهتمام يذكر ، بل لم يكن الالتفات لها يعني في ذاته أكثر من ترف عقلي لا يحقق كشفاً معرفياً ولا إضافة علمية على صعيد تكاملية النص، إلا أنها بعد ذلك أصبحت وسيلةً عمليةً وفاعلةً في استقراء النصوص ، وأداة تجيب عن أسئلة تتصل اتصالا مباشراً بمتن العمل، وأصبح هذا النوع من الدراسات مجدٍ للحدّ الذي يسمح معه بتوثيق الصلة بين هذه النصوص المحاذية وبين متن النص نفسه ، بعيداً عن أي مسلكٍ متطرّف لا يحقق للنص ذاتيته المتفردة ، وحضوره المستقل ، لذا “احذروا العتبات” كما يقول جيرار جينيت نفسه! وعنوان العمل هو أول عتبةٍ مناصيةٍ ودالٍّ إشاريٍّ يصطدم به القارئ يحمل في طياته قيمة دلالية وفعالية قرائية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمتن العمل ، وتنتهج منهجاً في الإعلان الصريح أو المموّه عن طبيعة النص.

  4. جميلة هذه القراءة للغيمة الرصاصية.. فقد نثرتي الإبداع من خلال سطور هذا المقال عند الوقوف على العنوان
    شكراً لك.. فهذه ليست مجاملة بل حقيقة الاستمتاع وشرود الذهن بين السطور..
    وبانتظار قراءة رواية نجمة فينوس وخاصة بما يتعلق بـ (جايا) و(اورانوس)
    اكتبي ونحن نقرأ.. عفواً أقصد اعزفي ونحن نطرب

  5. مقال جدا رائع
    استمتعت خصوصا في توضيح الدلالات العميقة للعنوان الذي يحمل شيئا من التناقض كالخير والحياة مقابل الحزن والموت ..والعناوين دائما تاخذ الى عالم واسع من الخيالات المتعددة ما ان نقرأ الرواية حتى يتلاشى بعض الغموض الذي مان في مخيلتنا..اشكرك جدا استاذتي الغالية منى💕

  6. العناوين تلامس شيئًا في دهاليز الروح!
    اتفق مع هذه الجمله 👍🏻
    نقد جذاب وممتع من ناقدة تحمل بين طيات اوراقها جمال الكلمة والعبارة والآسلوب
    عزيزتي منئ :
    جدآ متميزه في طرحكِ وحروفكِ تآسر الروح آستمري
    فـ أنتي من يعطي الكلمآت حقها وجمالها
    وفقگِ الله وحفظگِ . ❤️🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *