مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد كامل حامد* للمرة الأولى أشعر بالفزع مما يدور حولي، تنتابني الدهشة ويرتجف جس …

رحيل

منذ سنة واحدة

212

0

محمد كامل حامد*

للمرة الأولى أشعر بالفزع مما يدور حولي، تنتابني الدهشة ويرتجف جسدي، أحاول تدارك الأمر ومعرفة الأجواء الجديدة، ألمح حشودًا من الناس تلتف حولي، يفقد لساني قدرته على الكلام، وفجأة ينصرف الجميع من حولي، هناك من يقف عند رأسي، تفزعني رؤيتهم ويحتوي قلبي الرعب، يوجهون أسئلتهم التي تعلمتها منذ زمن بعيد، أفتش في ذاكرتي عن الإجابات الملائمة، يستحضرني الثبات فأجيب عليهم في ثقة، تتسلل الطمأنينة إلى قلبي، أتعجب من وجودي في هذا المكان المظلم، أتساءل ولكن أحدًا لا يجيب.

حان الآن موعدي مع أصدقائي، تأخرت على لقائي بهم، أعلم أنهم مضجرون من تأخري، أحاول أن أنهض من مكاني الضيق، ولكنني لا أستطيع، قيود تلتف حولي من كل جانب، الظلمة تحيط بهذا المكان، ولكنني أشعر أن طيف شفاف ينبثق من جسدي، يتحرك بحرية وانطلاق، وكأنني غريب عن نفسي وجسدي، انطلق مسرعًا عائدًا إلى بيتي، يصطف أصدقائي وأقاربي في مشهد مهيب، يزداد تعجبي لمشهادة تلك الطقوس غير المعتادة، يلتف الحزن بالمكان ويعتصر القلوب، تتناثر دموع غزيرة من الوجوه التي ألفت الصلابة، أصوات تتعالى بالنواح، وللعجب أصغي للألسن التي تلوك باسمي.

أصعد إلى بيتي الذي تبدلت ملامحه، نواح مستمر بلا انقطاع، في إحدى الزوايا تركن والدتي، تذرف الدموع الغزيرة من الوجوه، أفتش عن زوجتي بين جدران البيت العتيق، ألمحها تنزوي وحيدة وشاردة في ركن بعيد، جسدها الغض يرتجف ألمًا ولوعة، تنهمر الدموع من عينيها الزرقاء، وكأنها فقدت العالم بأسره، النحيب يتواصل ولا يتوقف في أي مكان.

في الصباح أعود مرغمًا إلى مسكني الجديد، أقابل من طلبوا مقابلتي، يقف أمامي والدي الذي رحل عن العالم، حوله آخرون أتفحص وجوههم جيدًا، يشبهون عمي وجدي وخالي وغيرهم، يحاصروني بأسئلتهم عن أحوالنا وحياتنا، أقاموا حفل لاستقبالي ورددوا عبارات الترحيب، وبعد أيام عدتُ مرة ثانية إلى البيت، بدأت تدب فيه الحياة من جديد، توارت الكآبة واندثر الحزن، تبرز زوجتي خارجة من غرفة نومها مرتدية أبهى ثيابها.
الآن قد عاد كل شيء إلى ما كان عليه، يرن الهاتف فتجيب عليه بعذوبة، تتحدث مع آخر بغنج، تعلن قبولها الزواج منه بعد انتهاء مدة معينة، احتوتني مشاعر قاسية بالغربة، ارتجف جسدي وتصبب جبيني عرقًا، أشعر بغيابي عن الوجود، تركت البيت ورحلت إلى موطني، قبعت ساكنًا بلا حراك في مكاني المظلم.

*كاتب من مصر

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود