الأكثر مشاهدة

سلوى الأنصاري ما بين خضرة المزارع وجمال نهر النيل الآسر عاش وهو يركض في تلك الطب …

“محمد أبو الحسن” العائد من العزلة

منذ 3 سنوات

3517

0

سلوى الأنصاري

ما بين خضرة المزارع وجمال نهر النيل الآسر عاش وهو يركض في تلك الطبيعة الساحرة متأملًا بهاء ما حوله، يركض خلف السحب تارة ويقف منبهرًا من طيور النورس تارةً أُخرى، تأمل الأشجار وأحب النيل الذي لطالما رافقه في طريقه إلى المدرسة ذهابًا وإيابًا، حاملًا طموحه في حقيبته الصغيرة التي يخبئ في جيوبها بعض الكتب التي يقرأها بعيدًا عن الكتب المدرسية، وجّهَ دفته نحو الأفق البعيد، وكأن لسان حاله يقول: حلمك ليس ببعيد، أنظر أمامك ستجد ما تريد. 

لطالما شكر طائرته الورقية التي لم تخذله يومًا عندما يصنع الأطفال طائراتهم الورقية لتطير في السماء كانت طائرته تحلق وتسبح في الفضاء مبتعدة عن ازدحام الطائرات، كانت تخبره أن مكانه ليس هنا، فمكانه هناك عاليًا عند ذلك الأفق الجميل الذي وجّه دفة أحلامه إليه.

بوجه دائري أحاطته هالة من الوقار، وبعينين ثاقبثين تود أن تحقق الهدف، وبسحنةٍ مصرية أصيلة، وخطى واثقة تتطلع للواقعية المفرطة قرر أن يكون الفن من أهم إنجازاته، عاش في بيتٍ ينعم بالهدوء والراحة، والدٌ مكافح امتهن صناعة الأفران، وأُمٌ طيبة حنون  تحمل بداخلها قلبًا عطوفًا يشبه في طهره قلب والده الشيخ الشعراوي. 

عاش على أنغام الراديو، صوت القاهرة، تلاوات عطرة، إذاعة الشرق الأوسط، حكاوي فاروق شوشة، لغتنا الجميلة (أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ    فهل سألوا الغواص عن صدفاتي) سلوى حجازي (غمض عنيك وامشي بخفة ودلع الدنيا هيه الشابة وتبقى انت الجدع) والكثير من البرامج والتفاصيل المثيرة.

كان الإبن الأكبر بين ستة من الأبناء، أحبوا العلم والعلماء، وقد رأت والدته فيهِ حب القراءة فكانت تشتري الألعاب لأخوته وتقتني له الكتب التي كان يقرأها بسعادة.

عشق السير في “شارع النبي دانيل” ذلك الشارع المزدحم بالكتب التي تباع على قارعة الطريق يبحث فيه عن ما يروي ضمأه.

إنه الفنان التشكيلي محمد رزق أبو الحسن، من مواليد دسوق محافظة كفر الشيخ ولد في 1-8-1979 م في جمهورية مصر العربية.

أخبرنا أنه حصل على بكالوريوس علوم تخصص كمياء حيوية، وبكالوريوس هندسة تخصص كهرباء واتصالات، أحب الرسم منذ نعومة أظفاره بالرغم من معارضة والديه لذلك ظنًا منهم أن الرسم سيشغله عن الدراسة، انطلق من المرحلة الثانوية وبدأ نجمه يسطع في المرحلة الجامعية، شارك في العديد من المعارض، وحصد العديد من الجوائز على مستوى الجامعة والجمهورية، رسم بالرصاص ثم أغرم بالألوان الزيتية فرسم بها وأبدع، أحب المدرسة السريالية في بداية مشواره الفني ثم اتجه إلى الكلاسيكية الواقعية، يؤمن بالواقعية الرمزية وهي من أحب المدارس الفنية إليه.

درس على يد أساتذة جهابذة استطاعوا أن يصنعوا منه شخصًا مختلفًا ومحترفًا من خلال الرسم الدقيق للخلايا في كلية العلوم فاهتموا بأدق التفاصيل أثناء رسم الخلية مما زاده قوة وواقعية في الرسم. 

تأثر بالعديد من أساتذته من بينهم: الدكتور يسري جوهر، الدكتور أشرف بيومي، الدكتور صابر شرف، الدكتورة فاطمة البواب – مؤسسة علم اللافقاريات، والدكتورة حورية البدري، الدكتور حسن عربان، الحاج عبد المنصف القفاص.

كان الدكتور يسري جوهر يراه بمثابةِ ولدٍ له، ذات يوم كتب له في ورقة صغيرة (الأشياء العظيمة يصنعها عظماء لا يشعرون بعظمتهم) وكانت هذه الرسالة بمثابة الوقود الذي يشحذ همته كلما شعر بالذبول.

تنقل في حياته ما بين مصر وليبيا، ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية واستقر بها، عاش فيها عشرين عامًا ما بين البرمجة والهندسة، وقد اختبأ بداخله ذلك الفنان العظيم.

عشرون عاماً

ينتظر 

عشرون عامًا 

جاثمٌ كماردٍ

في ليلةٍ دون قمر

عشرون عامًا 

انقضت 

والإبداع بداخله

مزدهر 

رسمٌ وفنٌ

إنه للفن 

غيثٌ منهمر 

عشرون عامًا 

انزوت 

وفنه لم يندثر 

ولونه باقٍ هنا 

كوردةٍ منها 

الأريجُ ينتشر 

وبعد عشرين عامًا من العزلة والبعد عن الفرشاة واللون عاد إلينا أبو الحسن بنفس تلك الخطى الواثقة والعيون المحدقة نحو الأفق، عاد ليبهر الجميع، حاملًا معه رسائل الدكتور يسري جوهر المبعثرة في أعماقه بذلك الخط الجميل ليعلمها للأجيال القادمة (الأشياء العظيمة يصنعها عظماء لا يشعرون بعظمتهم).

لوحات الفنان محمد أبو الحسن

صورة شخصية للدكتور يسري جوهر -رحمه الله-

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود