مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

ولد لطفي جعفر أمان في ۱۲ مايو ۱۹۲۸ بعدن، ودرس فيها المرحلتين الابتدائية والمتوسط …

قصائد نادرة (4) (خطبة لم تتم) لجعفر لطفي أمان

منذ 3 سنوات

2318

0

ولد لطفي جعفر أمان في ۱۲ مايو ۱۹۲۸ بعدن، ودرس فيها المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وأكمل المرحلة الثانوية في الخرطوم، ثم التحق بجامعتها، ونال منها دبلوم التربية. كما نال دبلوم معهد التربية العالي بجَامِعَة لندن. التحق بوزارة المعارف مدرسا بعدن عام ١٩٤٩ وتولى منصب ضابط المعارف المسؤول عن الطباعة والنشر، فمديرا للتربية والتعليم، ثم وكيلا لوزارة التربية والتعليم حتى وفاته. وإلى جانب عمله في التربية والتعليم عمل مذيعا في إذاعة عدن عند تأسيسها. وتوفي في 16/12/1971بالقاهرة، ونقل جثمانه إلى عدن.
كان رساما وشاعرا وعازفا. وإلى جانب الشعر الفصيح، كتب الشعر الغنائي باللهجة الدارجة فغنى له مشاهير اليمنيين في وقته، مثل أحمد قاسم (صدفة التقينا) و(واعيباه) ومحمد مرشد ناجي (هات يدك على يدي). يمتاز شعره بخصوبة الخيال في صُوَرٍ لفظية معبرة مع قوة العاطفة. ويُعد في طليعة الشعراء الكبار في جنوب الجزيرة العربية.
القصيدة التي بين أيدينا بعنوان (خطبة لم تتم) من ديوان (كانت لنا أيام) الذي صدر في بيروت1962 نظمها الشاعر على لسان فتاة تحكي مأساتها الإنسانية التي تتكرر دائما في المجتمعات العربية، وهي أن تُخطب الفتاة، ثم تُفاجأ – وهي تترقب موعد اكتمال فرحتها – بما يئد الفرحة في مهدها، حين تزف لغير من تهوى.
من يقرأ هذه القصيدة المؤلفة من سبعة مقاطع، لا تفارقه صورة العرض المسرحي، وكأنه أمام مسرحية من أربعة فصول وسبعة مشاهد.
الفصل الأول: التعارف. وفيه يعبر الشاعر على لسان الفتاة عن فرحتها بعشق حبيبها، الذي على إثره تفتح قلبها كالزهرة واخضرت آمالها، بعد أن كانت لا تعرف عن الحب إلا ما تسمعه من أنه حكاية لطيفة، يتحدث بها الناس:

أنتَ.. ولا أحد سواكْ
أنت الذي قلبي هواك
وبكل آمالي حواك
أنت.. ولا أحد سواك..
أنتَ الذي قلبي تفتح زهرة في راحتيكْ
تُسقَى ربيعًا خالدًا من ناظريك
تعطيك كلَّ عبيرِها وجمالِها
كلَّ الدنى الخضراءَ من آمالِها
أنت ولا أحد سواك..
أنت الذي من قبل عيني أن تراك
ما كنتُ أدري الحب غير حكاية حسناء تروى
أو قصة مرئية في شاشة تهتز نجوى
أو خلجة مجهولة في عمق أسراري تلوّى
حتى هويتك أنت وحدكْ
ولقيت كلَّ الحبِّ عندك
ووجدتُ نفسي هكذا.. أهوى وأهوى!..

وفي الفصل الثاني تبلغ الفرحة ذروتها بعد أن تقدم لها خاطبا، وتصف إحساسها إذ ذاك:

وخطبْتَني
فملأتَ إحساسًا بأعماقي غَنِي
بالحبِّ.. بالدنيا التي بجمالها أسعدتني
أشعرتني
أن الحياة تضمني
وتهزني
في نشوة الفرح الهني
يا سعد قلبي يوم أنتَ خطبتني!
أنتَ الذي ولّهتني
وغمرتني
بالحب.. بالدنيا التي بجمالها أسعدتني!
ثم يأتي الفصل الثالث الذي نستطيع تسميته اغتيال الفرح. يبدأ المقطع بنقاط متجاورة ليدل على الفاصل الزمني الذي جاءت بعده الفاجعة (رفضوك أهلي):
…. وكما يمرُّ الحلمُ ورديًّا وتطويهِ الحقيقَةْ
بردائها الممقوت تطوي في مآسيها شروقَه
انهارَ حُبِّي كلُّه في الموعدِ
بجنين أفراحي الذي لم يولدِ
بكنوز آمالي الثمينة
رفضوك أهلي!
يا مآقي الحزنِ صُبِّيها سخينةْ
صُبِّي على قبري الذي وسَّدتُه نفسي الطعينة
أنا لن أكون بغير حبكَ غير من عنِستْ حزينة
أمنيّة منفية يهدي الخيال لها حنينه
أو فرحة مخنوقة.. كسروا جناحيها.. سجينة
ماذا أكون بغير حبك.. غير من عنِست.. حزينة
أبدا حزينة!..

ويأتي بعد ذلك الفصل الرابع الذي يضم في داخله أربعة مشاهد. الأول: مشهد اللقاء اليائس الذي يلفه الصمت الكالح. وتتكرر في نهايته العبارة المقيتة (رفضوك أهلي):
ثم التقينا
يا ليتنا لما التقينا
ذبنا عناقا.. وانطفينا
وانتهينا..
لا ومضةٌ في ناظريْنا
لا رعشةٌ في راحتيْنا
لا همسةٌ.. لا شيء..
صمتٌ كالحٌ يجثو علينا
يا ليتنا لما التقينا
ما التقينا!..
رفضوك أهلي..
رفضوك أهلي..
يا لقسوتهم علينا!..
والمشهد الثاني من هذا الفصل هو رحيلها، بعد أن تعاهدا على أن يبقى الحب متصلا، تحييه الرسائل:
ورحلتُ عنكَ..
لا لكي أنساكَ.. هل أنساك أنتَ؟
لا.. لا.. أتذْكرُ يوم قلتَ:
“مهما افترقنا
سيظل حبي خالدا.. مهما افترقنا”
وتعانقتْ منا الشفاه
وتحرَّكتْ آهًا بآهْ
من بعدِ ما عاهدتني
ووعدتني
أن الرسائل بيننا
ستظل تحفظ حبنا..

ثم المشهد الثالث مشهد مُضيّ الحياة في الحزن وانطفاء الوهج:
ومضيتُ ألتهم الدروبَ..
دروبَ عاطفتي الشريدة
ويجوع في قلبي الفراغ
حزينة.. ولهى وحيده
وأنا أشمكَ في فضائي
وأحس روحكَ في دمائي
في كل جارحة وخلجة
والليل يحملني كموجة
تاهت.. وذابت في فراغي وانطفائي
وأنا أرى
بالرغم ما في القلب من خفق ونبضِ
تابوت عمري
فوق ظهر الليل
للمجهول يمضي…

ويسدل الستار على الحكاية المشهد الأخير؛ المشهد الصادم بعد مرور الأيام بلا رسائل ولا سؤال، لتبدأ الفتاة العائدة في تَسَقُّط الأخبار، فتفاجأ بأن فتاة أخرى قد حلّت محلها، لم تكتف بأن تكون حبيبة، بل زوجة، و(حبلى)!:
شهر يمرُّ
ويليه شهرُ
ورسائل الحب التي عاهدتني
بوفائها.. ووعدتني
ما ضاء منها – في ظلام البعد – سطرُ
… ورجعتُ أحمل فوق ظهري
ماذا؟ سوى أشلاء عمري
وكأنني أمشي بقبري
حتى انطفيتُ
لمَّا دريتُ
بأن غيري.. ربما أشهى وأحلى
تحويك أفراحًا ودلّا
بل إنها زوج.. وحبلى!..
***

* كاتب سعودي.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود