مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

شذى الجاسر* تفتح البرنامج، توجه (الكاميرا) نحوها، تختار (فلترها) المناسب، ثم تبد …

نظرة

منذ سنتين

1484

0

شذى الجاسر*

تفتح البرنامج، توجه (الكاميرا) نحوها، تختار (فلترها) المناسب، ثم تبدأ بتسجيل يومياتها، في نهاية التصوير تطرح سؤالًا لمتابعيها الذين ينهالون عليها بالأجوبة والتعليقات، تقرأ وتعلق على بعض الردود ثم تغلق البرنامج وتبدأ بالاستعداد لحضور معرض للفنون، يعرض به الصور الملتقطة، واللوحات وبعض الأعمال اليدوية، منها للبيع ومنها للعرض فقط، أخذت تتجول بين الأعمال اليدوية، وتتأمل الصور واللوحات وتسمع بعض الشروحات حولها، استمرت بالتنقل حتى وقفت أمام لوحة لفتت انتباهها، تأملت أدق تفاصيلها بإعجاب شديد، مضى على وقوفها قرابة الساعة، داخل إطارها الضخم رجل من الزمن الفكتوري، يحمل على بدلته أربع أوسمة، حاد الملامح، اختفت من وجهه الابتسامة والوسامة، عيناه أعطتها شعورًا غريبًا وكأنه ينظر إليها، لم تستطع أبعاد نظرها عنه وكأنه سحر يجذبها نحوه.

سألت عن صاحب هذه اللوحة وإن كان متاح بيعها فلم تجد جوابًا، توجهت لمسؤول المعرض الذي أخبرها بعدم معرفته بصاحبها، لكن الذين يعملون على ترتيب وتنسيق المعرض وجدوها بين اللوحات، أخبرته برغبتها في اقتنائها، لكنه رفض طلبها بحجة احتمالية عدم رغبة صاحبها بالبيع، رجعت أدراجها لتلك اللوحة، توقفت أمامها دون أن تزيح نظرها عنها حتى انتهى وقت المعرض وبدأ الزوار بالخروج.

خلال ذلك الوقت كان مسؤول المعرض يراقبها ثم توجه نحوها…

المسؤول: مرحبا.

الفتاة فزعة من تواجده بشكل مفاجئ: آهأهلا، جميلة جدًّا.

المسؤول وهو ينظر للوحة: ربمالا أرى فيها ما يستحق كل هذا الاعجاب، لمَ هذه؟! 

الفتاة: لا أعلم … ربما من في اللوحة يحمل شبها خفيفا لأبي الذي افتقده، وربما تفردها فليس هنا ما يشبهها، حقا أنا لا أعلم، لكن الأكيد أن هناك شيء يجذبني، شيء يأسر روحي حولها.

المسؤول وهو ينظر بصمت للوحة:…

الفتاة وما زالت نظراتها مسلطة نحو اللوحة: رغبتي شديدة في اقتنائها.

المسؤول ينظر بصمت لعيني الفتاة التي تلمع وهي تتأمل وتتحدث عن اللوحة: …..

الفتاة بحزن: لا حيلة لي الآن سوى تركها.

المسؤول: اسمعيعندما تنتهي الفترة المحددة للمعرض ولم يظهر صاحبها فهي هدية لك، ولكن ضعي بياناتك تحسبًا لو ظهر صاحبها فجأة.

الفتاة بفرح: بالطبع بالطبع سأسجل بياناتي كاملة شاكرة لك خدمتك لي.

المسؤول وهو يبتسم: العفو لم أفعل شيئًا بل شغفك بها جعل هذه الفكرة تخطر لي.

ودعته الفتاة مبتسمة، ألقت نفسها مباشرة بعد وصولها للمنزل ودخولها حجرتها على سريرها، تأخذ نفسًا عميقًا وقلبها يرقص فرحًا لقرار مسؤول المعرض، أخذ عقلها يعرض سلسلة من الأفكار، أين ستضعها؟ وكيف ستتحمل طوال هذه المدة؟ والسؤال الذي غير ملامحها: ماذا لو ظهر صاحبها ورفض بيعها؟! أبعدت كل هذه الأفكار ثم أخذت حمامًا دافئاوبعد انتهاء اليوم استسلمت عيناها لنوم عميق.

في اليوم التالي تملكها شوق غريب وشديد لتلك اللوحة لم يهدأ إلا عندما وصلت المعرض، توجهت مباشرة ناحية اللوحة تتأملها من بعيد حتى انتهاء الوقت لتعود بعد ذلك للمنزل، كان هذا الروتين مصاحبها طوال أيام المعرض، تكون أول الحاضرين وآخر الراحلين إلى أن أتى اليوم الأخير الذي أرسل لها مسؤول المعرض يطلب منها مقابلته في مكتبه، توجهت له وقلبها كاد يخرج من مكانه قلقًا من ظهور صاحبها، جلست على الكرسي المقابل لمكتب المسؤول:

الفتاة بتوتر: هل ظهر صاحبها؟

المسؤول يضحك: خذي نفسًا، ماذا تشربين؟

الفتاة: شاكرة لك لا أريد شيئًا، فقط أخبرني.

المسؤول بابتسامه: لم يظهر صاحبها وبالتالي هي لك.

الفتاة وقفت من فرحتها: حقًّا؟! متى سيكون باستطاعتي استلامها؟

يجيبها المسؤول ضاحكًا: انتظري قليلًا وستكون أمامك، يمكنك الذهاب والرجوع لاحقًا.

الفتاة وهي تعاود الجلوس: لا سأنتظر، ممكن من فضلك تطلب لي قهوة بدون سكر؟

المسؤول يضحك بصوت عال وهو يرفع سماعة هاتف مكتبه ويطلب فنجاني قهوة، بعد مضي الوقت وأثناء ارتشافها للقهوة طرق باب المكتب أحد موظفي المعرض يحمل بين يديه اللوحة مغلفة، طلب منه المسؤول تركها جانبًا، حال خروجه وقبل بدء المسؤول بالحديث توجهت الفتاة لها مسرعة تزيل الغلاف عنها وهي تعتذر من المسؤول بأنها لا تطيق هذه الأغلفة التي تحاوط اللوحات، فهي بمثابة السجن لجمالها، وموت لها… تعجب من كلامها وتصرفها، لكنه أرجع ذلك لشغفها باللوحةِ، فلم يعلق غير أنها يمكن أخذها بعد تعبئة كل بيناتها وتوقيعها على بعض بنود لاستلامها اللوحة.

بعد الانتهاء من كل ذلك توجهت بها نحو المنزل وقلبها، كأنما نمى له جناحان من شدة الفرح، دخلت منزلها وبعد استراحة قليلة وبعض التأمل استقرت على وسط جدار في غرفة المعيشة، بعد تثبيتها التقطت لها صورة لوالدتها وصديقاتها وحكت لهن قصتها مع هذه اللوحة وكيف حصلت عليها، كلهن كنّ على رأي واحد بكونها لا تحمل ذرة من الجمال، فقط صورة رجل يحمل أربعة أوسمة على بدلته، لم تهتم للتعليقات التي وصلتها من قبحها وغرابتها وكونها عادية جدًّا مقابل هذا الاهتمام الشديد.

قررت في هذا اليوم عدم الخروج والمكوث في البيت ومشاهدة فيلم مرعب -النوع الذي تفضله من الأفلام- وجهزت لنفسها الأجواء (فشار، عصير، غطاء خفيف، أنوار خافتة) أخذت تتابعه وكانت بين كل حين وآخر توجه نظرها نحو اللوحة تتأملها حتى أحست بشيء غريب… تساءلت: هل اللوحة تبتسم؟! ضحكت لكون الفيلم أثر على تفكيرها فجعلها تتخيل، تحولت رؤيتها لضبابية حتى اختفى كل شيء وتحول المكان لظلام…

بعد مرور بضعة أيام وقفت والدتها أمام منزل ابنتها تطرق بابها بقلق لغيابها وعدم الرد على اتصالاتها، أخرجت المفتاح الاحتياطي من حقيبة يدها وهي ترتجف خوفًا من حدوث أي مكروه لها، وجدت فشار على الطاولة وبقايا عصير داخل كأس زجاجي، وغطاء سكن أريكة أمام شاشة التلفاز التي كانت متوقفة على شارة نهاية الفيلم، بجانبه هاتف ابنتها المحمول الموصول بالطاقة، لم تجد أي شيء يعطي احتمالية دخول لص للمنزل، كان كل شيء في مكانه، لكن لا يوجد أثر لابنتها، تنقلت بنظرها وجدت تلك اللوحة البشعة من وجهة نظرها تحمل داخل إطارها رجل من الزمن الفكتوري، لكنها استغربت أمرًا؛ فعندما صورته ابنتها كان على صدره أربعة أوسمة والآن خمسة أوسمة، أخرجت هاتفها تتفقد الصورة المرسلة لها سابقًا، جلست تتأمل ذاك الوسام الذي شعرت تجاهه بشعور غريب، أحست بازدياد نبضات قلبها، أثناء تأملها شعرت وكأن رجل اللوحة ينظر لها ويبتسم مع شيء من الضبابية في الرؤية… تملكها الرعب، أزاحت نظراتها ثم توجهت لدورة المياه… أخذت تنظر للمرآة وقطرات الماء البارد تتساقط من وجهها، وهي تسترجع ما حدث حتى أيقنت أنها لم تكن تتخيل، بدأت تستوعب ما حدث وأن هذه اللوحة تحمل روحًا شريرة وأنها السبب في اختفاء ابنتها، ملأ المكان صوت صراخها وبكائها، حطمت المرآة التي تعكس دموعها، خرجت مسرعة تجاه اللوحة محاولة تحطيمها، لم تستطع، لجأت لحرقها فلم يكن للنار قدرة عليها، جلست على الأريكة منهارة، مضت فترة من الزمن على حالها تلك وهي تتذكر آخر كلماتها مع ابنتها، أخذت قرارًا، أرسلت رسالة عبر هاتفها لصديقتها المقربة تخبرها بأنها ستحاول إنقاذ ابنتها إن حالفها الحظ وربما لن ترجع ثم اعتذرت لذلك وشكرتها لطيب صحبتها، جلست تنظر لعيني الرجل الساكن تلك اللوحة وبيدها سكين، ثم صرخت بأعلى صوتها وقالت: هيَّا…

في اليوم التالي تعجب الجار من كون الباب مفتوحًا والمفتاح ما زال به، أصابه الفضول والقلقدخل للمنزل ليطمئن وهو ينادي ويسأل إن كان يوجد أحد… وجد آثار سهرة (بقايا عصير في كأس والتلفاز متوقف على شارة نهاية الفيلم، جوال موصول بالطاقة والآخر مرمي على الأرض ولوحة محطمة إثر وقوعها لرجل من الزمن الفيكتوري على صدره ستة أوسمة مكتوب بالدم في زاويتها: لا تنظر لعيني الرجل وتخلص من اللوحة).

* كاتبة من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود