5
0
11
0
12
0
9
0
15
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13560
0
13403
0
12238
0
12150
0
9592
0

إعداد_هدى الشهري
ولدت نازك الملائكة في بغداد لعائلة تهتم بالثقافة، فوالدها أديب وأمها شاعرة، ما دفعهم للحرص على تنمية موهبتها، فقد بدأت الكتابة حين بلغت السابعة من عمرها بالعامية العراقية، كما حرصت على استكمال دراستها الثانوية، ثم انتقلت إلى دار المعلمين العالية، حيث تخرجت منها بامتياز، بعدها توجهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة اللغة الإنجليزية وآدابها، ومن المعروف عنها إجادتها اللغة الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، واللاتينية، إضافة إلى اللغة العربية، ما أتاح لها التواصل مع الثقافات الأوروبية على وجه التحديد وفتح مخيلتها الشعرية على آفاق لم تألفها من قبل.
كانت عائلة نازك تحمل لقب اللخمي، ثم مُنحت العائلة لقب الجلبي بفرمان سلطاني، وظل هذا اللقب قائمًا حتى وصفَ الشاعر عبد الباقي العمري عائلتها بأنهم يشبهون الملائكة في هدوئهم، فاستحسنت العائلة اللقب الجديد وتبنته بشكل دائم.
تركت نازك الملائكة مجموعة من الدواوين منها: (عاشقة الليل، شظايا ورماد، شجرة القمر، قرارة الموجة، يغيّر ألوانه البحر)، كما ألفت بعض الكتب النقدية، مثل «قضايا الشعر المعاصر» و«سيكولوجية الشعر».
ولم تقتصر نازك على كتابة الشعر ونقده، حيث كتبت القصة القصيرة وأصدرت مجموعة بعنوان «الشمس التي وراء القمة»، كما حاولت كتابة رواية كان في نيتها أن تسمّيها «ظل على القمر».
وكانت بداية ظهورها في ساحة الشعر من خلال قصيدة “الكوليرا”، حيث يُقال أنها كتبتها خلال ساعة واحدة، عندما تفشى مرض الكوليرا في مصر والعراق، وقد نظمتها بأسلوب الشعر الحرّ لتصور بها مشاعرها نحو مصر الشقيقة خلال وباء الكوليرا الذي داهمها، فتقول عن نفسها: ساقتني ضرورة التعبير إلى اكتشاف الشعر الحرّ، والذي لم يعجب أمها أول الأمر، حيث قالت: «ما هذا الوزن الغريب؟ إن الأشطر غير متساوية، وموسيقاها ضعيفة يا بنيتي»، أما الأب الذي لم ترُق له هو الآخر هذه القصيدة، فقد ردّ عليها ببيت للحطيئة يقول فيه:
لكل جديد لذة غير أنني وجدت جديد «الموت» غير لذيذِ
فغضبت نازك وقالت بصوت عالٍ: «قل ما تشاء، إني واثقة أن قصيدتي ستغيّر خريطة الشعر العربي» وقد صدقت نبوءتها بالفعل وترسّخ اسمها في المشهد الشعري العراقي كواحدة من روّاد الشعر الحرّ، مع نخبة من أقرانها المعروفين مثل السياب والبياتي والحيدري.
وكما يرى الشاعر والناقد علي جعفر العلاّق «كانت نازك جريئة حين واجهت جدارًا صلبًا من قيم السلوك الشعري والاجتماعي والثقافي، واستطاعت، ومعها زميلها الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، هز شجرة الشعر العربي هزًا عنيفًا بعث فيها الحياة وروح الدهشة من جديد».
ومن ذلك قولها:
سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنين
في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
ورغم أنها جددت في شكل القصيدة العربية، فإنها وضعت قوانين لذلك وأسس للشعر الحرّ، كأنها أرادت أن تكبله بالقيود من جديد، أو لتكون صاحبة المرجعية الوحيدة، وللبعد به عن الفوضوية، فقد حرصت على أن تتكون القصيدة من ثلات تفعيلات، أي في كل سطر، إضافة للوحدة الموضوعية والموسيقى الداخلية وتناسب الألفاظ والمعاني، الذي أبعد القصيدة العربية بشكلها الحديث عن الاغتراب الناتج عن الحداثة؛ لذا نجدها من أوائل المجددين في شكل القصيدة باستخدام أدوات الإبداع بطريقة واعية ومرتكزة على القواعد والمضمون النغمي والموسيقي للقصيدة العربية المستند على أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي، وبذلك استطاعت أن تحافظ على التوازن بين الحداثة والتراث.
وكان لانتشار الشعر الحرّ، تأثير كبير في مد جسر ينقلنا مع الزمن إلى ما يعرف اليوم بقصيدة النثر، ومن روادها أنسي الحاج ومحمد الماغوط.
اعتبر عدد من النقاد نازك الملائكة من أشهر شعراء العالم العربي، وأرجعوا ذلك إلى أسلوبها المُبتكر، وحسّها النقديّ الحادّ، واختصار اللغة، وبلاغة اللفظ، واستخدامها الأصلي للصور الفنية، كما تميزت كذلك بالأذن الموسيقية للشعر، إضافة إلى استخدامها التعابير المجازية ببراعة في شعرها كغيرها من شعراء عصرها؛ ليزيد ذلك من قوة وعذوبة ما تكتب وإيصال الأفكار بشكل فصيح يوسع أفق القارئ وخياله.
وتعد قصيدة (أنا) إحدى القصائد التي حافظت فيها الشاعرة على خصائص الشعر الحر التي جمعت بين الحداثة والأصالة، وفيها تقول:
الليلُ يسألُ من أنا
كانت الشاعرة ميّالة للعزلة منذ طفولتها، إذ كانت تشعر بأنها مختلفة عن سائر الفتيات في سنها، فلا غرابة أن تنطوي على نفسها في مرحلة الطفولة والصبا، لكنها بدأت تحب الصداقة وتُسعَد لمعرفة الناس بعد سن الثلاثين، وتعترف بأن فلسفة شوبنهاور المتشائمة قد أثرت على حياتها في مرحلة الشباب تأثيرًا كبيرًا، ثم توسعت قراءاتها الفلسفية لتمتد إلى نيتشه وجورج سانتيانا وجون ديوي، ومن الملاحظ سيطرة الحزن والكآبة والألم على شعرها في الأعم الأغلب.
أُعجب الشاعر البريطاني ديزموند ستيورات، أثناء تواجده في بغداد، بما سمعه عنها، فحصل لها على زمالة دراسية في جامعة برنستون بولاية نيوجرسي، وكانت الطالبة الوحيدة فيها؛ لأن هذه الجامعة كانت مخصصة للبنين فقط، حيث استفادت فائدة عظيمة من وجودها في أروقة هذا الصرح الثقافي الكبير.
كان لنازك عدد من القصائد التي تمت ترجمتها إلى عدد من اللغات العالمية للاستفادة منه، ومن ضمنها قصيدة (آدم وحواء)، وفيها تقول:
ليت شعري مـاذا يـروق لعينيـ ـه على الأرض بعد سحر السماء
كيف ينسى جمال فردوسه المفـ ــقــود فـي عـالـم دجـيّ الـفضـاء
كيف ينسى الأمس الجميـل ليهنا بــحــيـاة مــوسـومــة بـالـشقـاء؟
وقصيدة (ألم الشيخوخة)، وفيها تقول:
يا شتاء الحيـاة لم يبق في الظلـ مــة إلا هـذا الشقـيّ الـغبيـن
ذهـبــوا كـلّهـم إلـى المـوت إلا ه فــدّوى نـحيبه الـمـحـزون
وهو ذاك المسكين أضعفه العم ـر وحـلّت بـجـسـمـه الأدواء
ومضـت ظـلمـة الحيـاة بعيـني ـه وغابت عن وعيه الأشياء
تأثرت نازك الملائكة بالمدرسة الرومانسية في شعرها بشكل واضح كغيرها من شعراء عصرها آنذاك، فبدت ملامح الحس المرهف والرومانسية والحزن والرقة على شعرها، وكان التعبير عن المعاناة الإنسانية حول ما يدور من خطوب وحروب تختبئ خلف هذا اللون من الشعر الرومانسي؛ أي أن الهمّ العام اختلط بالهمّ الذاتي لتصدر أشعارها بالشكل الشجي الذي خرجت به، وكان كل من علي محمود طه ورواد الرومانسية الإنجليزية (التي ترجمت لهم في ديوانها “عاشقة الليل”) مصدرًا لتكوين الرؤية الرومانسية لديها، حيث استقت هذه المعرفة واستلهمتها من مصدرين عربي وغربي على حد سواء، إضافة للوجود الداخلي الذاتي والوجود الخارجي اللذين أثّرا في رؤيتها الرومانسية، وصدر عن هذا الامتزاج بُعد جديد للشعر الرومنسي، جعل قصيدتها تختلف في شكلها وتتفق وتختلف في مضمونها في الوقت ذاته.
وسأختم مقالتي هذه بأبيات من قصيدتها (الراقصة المذبوحة) المليئة بالألم والسخرية من واقع الحال، حيث تقول:
ارقصي مذبوحة القلب وغني
واضحكي فالجرح رقص وابتسام
اسألي الموتى الضحايا أن يناموا
وارقصي أنتِ وغني واطمئني