9
0
12
0
19
0
26
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13596
0
13440
0
12273
0
12170
0
9619
0

نجلاء سلامة*
في حياة كلٍ منَّا ذاك البطل، الذي هو بطل الحكاية وقائدها والجندي المجهول الذي يحمل دومًا على عاتقه خوض جميع حروب الحياة بلا استثناء، والذي لم يحظ في الكتابة بما يليق به، إنَّه اليد التي تمسك بنا وتمنعنا من السقوط كلما زاد علينا العبء، فإذا أشرنا بالبنان إليه لنُعَرِّف عنه فماذا نقول؟
في قلب كل واحدٍ منَّا يسكن الأب بكل ذكرى طفولة وبكل ضحكةٍ منه، وحركةٍ، أو كلمة، ومَنْ منَّا لا يحب الزهو والفخر بأبيه! ليس سهلًا أن يكون الأب هو بطل الحكاية في حياة أبنائه فما لديه وما يقوم به وما يمنحه لهم لا يمكن أن يقوم به أحدٌ آخر، فهو المؤسس الحقيقي للأسرة منذ اختيار شريكة حياته ووضع أول حجر لبناء العائلة التي يحلم بها، وهو الذي يبذل كل ما في وسعه من جهد ويحذوه الأمل في كل خطوة يخطوها، ليرى حلمه يتحقق في أبنائه الذين هم قرة عينه.
هذا الرجل المميز الذي اقترن اسمنا باسمه مدى الحياة لنسير معًا في طريقٍ واحد، هو من مرَّ بالكثير من النجاحات والإخفاقات والكثير ن التضحيات في الخفاء والعلن، وقد لا يشعر أبناؤه بكل ما يمر به إلا عندما تدور عجلة الزمان ويصبحوا آباءً.
ولا يظن أحد أنَّ الأب وهو يعمل في ظل ظروف قاسية كتبتها عليه الحياة، أنَّه يستمتع بعدم اللقاء مع أولاده لفتراتٍ طويلة أو أنَّه يحيا حياةً سعيدة لأنَّ ظروف عمله قد اضطرته في بعض الأوقات لأنْ يخرج للعمل في الصباح الباكر دون أنْ يرى أبناءه، ويعود مساءًا وقد صاروا في سباتٍ عميق، فالحياة لم تقدم له أفضل من ذلك وهو يحاول أنْ يُحقق المعادلة الصعبة من توفير احتياجات أولاده، وفي الوقت نفسه يمارس قدر الإمكان دوره كأب كلما أتيحت له الفرصة، ويكون في الوقت نفسه مستعدًا لأعباء العمل التي لا يمكنها أنْ تتعاطف مع جانبه الأسري بأي شكلٍ كان.
لقد كان يتمنى أنْ ينعم بلحظات جميلة في حياة أبنائه الذين هم أغلى ما عنده، وحلمه الذي يتمنى أنْ يراه يومًا ما يكبر ويسعد ويكون في أفضل حال، لكنَّه أيضًا في يريد ألَّا يذيقهم أية مرارة أو أي ألم أو فقد أو حرمان من شيءٍ ما قد مرَّ به أو ذاقه طوال حياته.
لا شك أنَّ الأب يمثل عالمًا خاصًا لأبنائه فهو لهم القوة عند الضعف والأمان عند الخوف وطوق النجاة عند الغرق، والابتسامة الجميلة وجبر الخاطر عند الانكسار والأمل عند اليأس، وإنْ كانت طبيعة عمله والضغوط الواقعة عليه قد اضطرته للابتعاد في أحايين كثيرة عن حياة أبنائه، إلا أنَّه وقت الشدة لا يتركهم أبدًا وحدهم في صراعات الحياة، لذا لا يمكن أنْ ننكر عليه مساندته وحبه وتضحياته وسيظل دائمًا في القلب.
إنَّ فقدان الأب لا يُعَوض بأي شخص ولا بأي شيء ولا يملأ مكانه أحد أبدًا وهزلًا إنْ كان غيره سندًا، وإن كانت الأبناء زينة الحياة لأباءهم، فإنَّ الآباء هم التاج على رأس الأبناء.
عزيزي الأب، زيِّنْ حياة أبنائك بوجودك، فإنها والله حتى وإنْ كانت لحظات قليلة فإنَّها لا تُنسى أبدًا، واترك لهم ميراثًا من العزة وتاريخًا مليئًا بالفخر والسيرة الحسنة الطيبة، فالابن عندما يستمع لما يُقال خيرًا على أبيه تكاد تلامس رأسه السحب من شدة الفخر والاعتزاز به، ويتمنى في ذلك الوقت لو أنّهَ يقف فوق جبلٍ عالٍ ليقول بأعلى صوت: هذا أبي.
وإذا أتينا على ذكر الأب وجهوده فيحضرني قول الشاعر في أبيه حين قال:
سأنظم الشعر عرفانًا بفضلك يا من عشت دهرك تجني الهمَّ والنصبا
سأنظم الشعر مدحًا فيك منطلقًا يجاوز البدر والأفلاك والشهبا
قالوا تُغالي فمن تعني بشعرك ذا؟ فقلت أعني أبي أنعِم بذاك أبًا
كم سابق الفجر يسعى في الصباح ولا يعود إلا وضوء الشمس قد حجبا
*كاتبة مصرية