الأكثر مشاهدة

د.أماني الزعيبي* رواية صادرة عن دار رشم للنشر والتوزيع سنة 2025 للشاعر والروائي …

التأرجحُ بين صيرورة النهر، وأنوثة الحكاية.. في رواية “حكايتان من النهر” لعبدالله ناجي

منذ سنة واحدة

1008

0

د.أماني الزعيبي*

رواية صادرة عن دار رشم للنشر والتوزيع سنة 2025 للشاعر والروائي السعوديّ عبدالله ناجي.  وردت الرواية في 262 صفحة. وتدورُ أحداثها في جدّة، مع استذكار بعض اللحظات في مكة.  وتتراوحُ  بين صوت “إيمان” وصوت  “أحمد”، يغوصان بالقارئ في عوالمهما التي تتأرجح بين لحظات التلاقي والتباعد، وبين التشتت والتوازن، وبين الراهن والخيال. لا تكتفي الرواية بسرد نسقيّ للأحداث، إنّما تعرجُ بالأزمنة وتربطُ البداية بنهاية الرواية. إذْ يستهلُّ الروائي عمله بجزء من رسالة “إيمان” التي تركتها لأحمد، وهي الوجه الآخر للورقة وليست الرسالة برمتها ويُنهيها بذات العجائبيّة.
إذْ تبدو البداية أشبهُ برقصة أسطوريّة نهريّة تفتحُ أبواب التأويل والتخمين والحيرة وتحفزّ القارئ على فهمِ سرّ هذه الفتاة وخوض غمار أعماقها السيكولوجيّة. ويفهمُ منذُ الفصل الأول وعتبة العنوان، أنّه أمام حكاية ترويها إيمان من وجهة نظرها، ويرويها أحمد من جهته. ويتكاملانِ في فضاءاتٍ مختلفةٍ. هكذَا، يَكونُ المسار الحكائيّ بيّنًا يُوّلدُ الشخوص المُتَبَاينة التي يستدعيها مسار السرد، وتفتحها حياة الأبطال. وهي لا تخلو بدورها من مساحات للتأويل والقراءة مثل شخصيّة “قاسم الضبع اليمني المُتعب من الغربة والترحل” والجارة المطلقة المجهولة، والروائية “نجلاء حجازي”، و”إبراهيم” صديق البطل والمحبّ للأدب،  هيفاء صديقة إيمان، يوسف أخ هيفاء، سيّدة القصر المخمليّة المُدلّلة…
بناء الشخصيّات محبوك بعنايّة، عَمِلَ الروائيّ على الحفر في بواطن الشخصيات النفسيّة والوجدانيّة. رغم التفاوت بينها، فإنّها تظهرُ على المسرح السرديّ متلائمة ومتواشجة.
تتميّز لغة الرواية بالسلاسة والفصاحة والتعابير المجازيّة التي تخدمُ الرواية، والوصف المعتدل الذي يتراوح بين الشخوص من وصف حسيّ ووصف ملموس أثرى العملَ وجعلهُ يخدمُ وتيرة الأحداث. بدت لي هذه الرواية ببناء متوازنٍ وسرد يقتلعُ الوقت من القارئ لمواصلة القراءة دون صعوباتٍ في الفهم أو التفسير. إذْ تبدو شخصيّة إيمان كشهرزاد في ألف ليلة وليلة، تبحثُ عن وسيلة كيلا تموت، وتفرّ من كابوس اغتصابها الذي دمّر نفسيتها.
تقول “غرقت في عالم ألف ليلة، بل صار هو عالمي الحقيقي، وكلّ ما حولي أصبح محض وهم. وكان غرقي اللذيذ قد أوصلني إلى قصّة استأثرت باهتمامي وشخصية استولت على النصيب الأكبر من حبي، وهي الجارية تودد”. 
هكذا، تكون إيمان المرأة التي انتشلها الأدب من الموت والغرق في الحادثة التي غيّرت حياتها، أكسبها الأدب الجرأة ومحاولة التخطيّ والتعافي وجرأة للحياة والتمرّد على النمطيّ. وجدت لنفسها عالمها الممكن، بعيدًا عن مُعاناتها النفسيّة والمجتمعيّة. ولعلّ السؤال المركزيّ الذي تدورُ حوله الرواية، هو “كيف يُمكنُ أن يتحوّل الجسدُ إلى حكاية تُروى وتُخلد في عمل روائيّ؟
رواية مُتدفّفة كالنهر، خُطّت بنسيج مُترابط يطرحُ عددًا من المضامين أهمها “الاغتصاب، والذاكرة، والجروح المجتمعيّة، قيمة الأدب والكتابة اليوم، الغربة، العنصريّة، المصير…
رواية تجعلُ المتلقي ينتظرُ رأي إبراهيم صديق أحمد الحداد الذي ينصحه بتعديل عمله الإبداعيّ وتصويبه، ويشجعهُ بنبل وحرص الصديق المحبّ والمُولع بالأدب. وتتنقلُ بك الحكاية من الفضاء المغلق إلى المفتوح، بحوارات مُدرّجة وفصيحة وسلسة.

*شاعرة من تونس 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود