31
0
70
0
77
0
113
0
424
0
الرياض_فرقد تستضيف هيئة الأدب والنشر والترجمة، سلطنة عُمان الشقيقة كضيف شرف للدورة المقبلة من معرض الرياض الدولي للكتاب 2023، والذي سيقام تحت شعار "وجهة ملهمة" خلال …
12047
0
11791
0
11054
0
10250
5
8326
0
محمد الحميدي*
عبد الله الصيخان:
تستدعي قصيدةُ (القرين) الثبيتي: “إلى أخي محمد الثبيتي.. حاضرًا.. حاضرًا.. أناديك”؛ لتجعله قرين الصيخان الشعري، إذ أعلَت مِن دور الإنسان، وهمَّشت ما هو غائب، ومخفيٌّ، الأمر الذي انعكس على القصيدة، حيث سلبت الصفات الخارقة، والأفعال العجيبة، واستبدلتها بأفعال بشريَّة يمكن القيام بها، وبهذا تعدُّ قصيدة الصيخان امتدادًا لقصيدة الثبيتي، وتطويرًا لها.
تتوجعُ القصيدة، وتنعى رحيلَ الثبيتي المفاجئ، والمبكِّر، وهو مَن عُوِّل عليه؛ كي يحمل مِشعل الشعرية، ويقتحم آفاقها، لهذا برزت البكائية المفجعة بشكلٍ طاغٍ، فلم تكُ تهدأ إلا خلال لازمتها التكرارية: “قم.. يا محمد”؛ التي تصل أجزاء القصيدة ببعضها، حيث توقِف البكاء، ريثما يأتي المقطع الموالي، إذ هدفها يتمثَّل في استدعاء الثبيتي، وإحضاره؛ ليكون شاهدًا على زمن شعري، انتظره طويلًا، لكن ها هو قد رحلَ، فليس أمام العيون إلا سكَب الدموع:
”فإن العيون التي انتظرتك طويلًا
بكت في ظلال القصيدة”
القصيدةُ التي انتظرتك طويلًا، فقدتكَ فجأة، ودون سابق إنذار، لذا؛ لاذت بذاكرتها، وفتحت أبوابها، فأخذتْ في استدعائك؛ لتحضر متى، وأينما شئت، فأنت “سيد البيد”، و”أمير القصيدة” العارف بأسرارها، وخباياها:
”على أي بحر ستأتي
على الرمل والمتقارب
أم على بحر قلبك
ذاك الذي بابُه ليس يوصد”
ترتفعُ وتيرةُ البكائيةِ وتنخفض بحسب الحاجة النفسية للشاعر، تارة تخفتُ فيناديه “يا صاحبي”، وتارة تعلو فيناديه “يا صديقي”؛ الدَّالة على القرب منه، والتوحُّد به، والانتماء إليه، إذ هو شاعر لا يشبهه الآخرون؛ متفرِّد بذاته، وقصيدته، ملهمٌ للشعراء والمبدعين:
”قم يا صديقي
ستخمد ناري إن غبت
يا أمير القصيدة
يا سيد البيد”
تفوُّق الثبيتي من ناحية، والحديثُ عنه بحميمية من ناحية أخرى، يشيرُ بلا لبس؛ أنه قرين الصيخان الذي ألهمه أشعاره، وأفكاره، ولغته، وبهذا التطوير للدلالة؛ انتقل القرين من اختصاصه بالشياطين، إلى شموله للبشر، في تطوُّر نوعي وجد صداه عبر مجمل القصيدة؛ حيث أبعدها عن الإشارة إلى ما هو غائب، وأسطوري، واكتفى ببقاء تركيزها على ما هو إنساني، وممكن، كما في استعادته لقصيدة (التضاريس)، وتوظيفه لختام مقطع “الشاذلية”: “هات الربابة.. هات الربابة”، إذ قدَّمه كمغنٍّ، إضافة إلى كونه شاعرًا، بهدف صياغة تصوُّر ذهني جديد، ومختلف عن الثبيتي:
”ينام المغنِّي على الرملِ
يكتبُ معناه”
المعنى لا يكتملُ؛ إلا بسماع الثبيتي، فهو واهبُ اللغة، وكاشفُ أسرارها، إذ بين يديه تشكَّلت الدلالة، واكتملت؛ عبر مزج الأناشيد بالألحان:
”وكان القرينُ هو الناي
يا مَن ستكمل معناي
إلى أينَ تذهب؟”
اعترافٌ بالعجز عن إكمالِ المعنى، لهذا يستمر استدعاء الثبيتي من موته وغيابه: “فعد.. يا محمد”، من أجل أن تميطَ “لثام القصيدة عن وجهها”؛ كي ينكشف معناها أمام القارئ، ثم يتوالى اعتراف آخر: “هل أنا كي أكون سواي.. أُغني”؛ حيث المسألة هنا لا تتعلق بالصيخان وحده، إنما بجيل كامل من الشعراء، جميعهم يبحثون عن “ناي” الثبيتي؛ لاكتشاف المعنى الثاوي وراء ألحانه، فـ”القرين هو الناي”.
انتقالٌ من البشري إلى الشيئي؛ أحال أولًا إلى المغنِّي (الثبيتي)، ثم أحال تاليًا إلى أداةِ الغناء (الناي)، واعتبرها الرفيق، والصاحب، والملهِم، وبهذا يكون لدينا انتقالان للدلالة؛ الأول استبدل البشر بالشياطين، والثاني استبدل الأشياء بالبشر؛ ما يشير إلى حدوث تغيُّر ذهني حول تصوُّر القرين، ودوره في الحياة.
شفيق العبادي:
قرينٌ فقدَ بشريته، وتحول إلى شيء من الأشياء؛ صورة انطلق منها، وطوَّرها الشاعر شفيق العبادي في قصيدته، حيث أصبح القرين غائبًا، ومجهولًا، ولا دور له في الحياة، وهو ما يعكس تطوّر الذهنية العربية، وكيفية مقاربتها للأسطوري والخرافي.
تتكونُ القصيدةُ من سِتة مقاطع؛ الثلاثة الأولى تشير إلى القرين، دون أن تسند إليه أيَّ قدرة على الفعل، وبذلك ألغت وظيفته في بعث الإلهام، ومنح اللغة، وحين استخدمت أسلوب التشبيهِ المقطوع من المشبّه؛ ألغت وجوده وكينونته، فهو غائب، ومجهول، لا يحضر منه سوى أثرٍ مبهم:
”كما خجلِ الماء يطرقُ أبوابنا
حين تُفضي الشواطئ ليلاً بأسرارها
للبيوتِ العتيقة مخفورةً بالزبد”
البحثُ عن القرين لا يُفضي إلى نتيجة، حيث لا يتم العثور عليه، إذ وجوده شبيه بزبدِ بحر، خلَّفه موج على شاطِئ، وسرعان ما أشرقت شمسٌ؛ فجفَّفته، حينها اختفى، وأضحى من العبث اقتفاء خطواته، أمّا سبب بحث الشاعر؛ فمن أجل التعبير عما تجيش به مشاعره: “كحزني الذي كلما رحت أعقده بالرماد اتَّقد”، وبهذا ظلَّ اختفاؤه لغزًا متداولًا، من قبل الشعراء، والراغبين في البوح بمعاناتهم وأحزانهم.
المقاطعُ الثلاثةُ الأخيرة، أشارت إلى استمرار انتظار الشاعر لقرينه، الذي لا يأتِي؛ لكون الحياة الراهنة حرمته دوره، ووظيفته، فأصبح هامشيًّا، وهنا حدث انتقال للخطابِ من الغياب إلى الحضور؛ من البحث عن القرين، إلى طلب حضورهِ، حيث أخذَ يخاطبه برفق ولين ورجاء، عبر لازمة ظلَّت تتكرر، بداية كل مقطع: “تأخرت يا صاحبي”.
المقاطعُ الثلاثة كاشفةٌ عن معاناة الشاعر، فانتظاره ولهفته، قابلها غيابٌ تام للقرين، لهذا عمد إلى استدعائه، عبر مخاطبته وتذكيره بـ: “موعدنا لم يزل عالقاً بينَ بينٍ”؛ ما جعل الشعراء يتهامسون:
”نسينا الطريقَ الذي كان بوصلة
لفوانيسِ هذي الحروف التي كنت تدلي بها للقصائد”.
حالةٌ شديدة من الإنكار، تقدِّمها القصيدةُ في ختامها، فحين لم يأتِ القرين؛ أمسى انتظاره عبثاً، وبلا فائدة، لذا حان وقت طَيِّ صفحته، وإقامة وداع لرحيله، بعدما تبيَّن عدم انتمائه للعصر الراهن؛ عصر العلم والمعرفة والتقنية:
”(فلا الناسُ ناسُك يا صاحبي)
لا ولا أنتَ ضيفٌ بهذا البلد”
القرينُ داخل القصيدةِ لا تأثيرَ له، حيث يمر كطيفٍ خيالي، ولا يتمكن من تقديم أيَّ نوع من المساعدة، إذ دوره اختفى، وبات بلا وظيفة؛ ما يشير إلى تغيُّرات كبرى، ضمن التَّصورات الذهنية، والثقافية؛ يعود سببها إلى انتشار العلم والمعرفة، والانفتاح على العوالم المختلفة؛ الواقعية منها والافتراضية.
ختامًا:
صورةُ القرينِ تحوَّرت أكثر من مرة، ففي الجاهلية اتَّصلت بالغيب والنبوءة والخوارق، حيث تم إعطاؤه اسماً يُعرف به، ثم مع مجيء الإسلام وانتشاره؛ تقلَّصت الخرافات، ما أدَّى إلى اختفاءِ التسمية، والاكتفاء بالإشارة والتلميح، وصولاً إلى عصرنا الحاضر؛ الذي شهد انتقالات وتحوُّرات أخرى في صورته، فالثبيتي أنزله إلى مرتبة البشر، والصيخان انتقل به إلى الشيئية، أمَّا العبادي فأزاحه تمامًا، حين ألغى دوره ووظيفته ووجوده.
*كاتب وناقد سعودي
في عمق هذا المقال، يتجلّى الإبداعُ النقديّ كوشمٍ على معصمِ المعنى، إذ لا يكتفي الناقد محمدي الحميدي باستقراء النصوص، بل يحفرُ في لحمها الحيّ، يلامسُ نبضها الخفيّ، ويوقظُ في القارئ إحساسًا جارفًا بأنّ الشعرَ ليس تراكمًا لغويًا، بل كائنٌ ينوسُ بين المعلوم والمجهول، بين المرئيّ واللامرئيّ، بين الحضور والغياب.
لقد أسس الحميدي قراءةً لا تهادن، قراءة ترفض السطحَ العابر، وتغوصُ في طبقات النصوص، حيث تتساقطُ الأقنعةُ واحدةً تلو الأخرى، حتى ينكشف وجهُ القصيدة في هشاشته النبيلة، وارتباكه الجليل. لم يكن “القرين” هنا مجرّد رمزٍ عابر، بل فكرة متحوّلة، تتقمّص الأزمنة، وتتلوّن بالمعرفة والوعي والأسطورة، حتى غدت كائنًا ثقافيًا متعدّد الأوجه، يعكسُ تحولات الذهن العربي في صراعه مع مجهولٍ يأبى الانقياد، ولا مرئيٍّ يتسللُ من ثنايا اللغة والتاريخ.
المقالة ليست قراءة في نصوص الصيخان والعبادي فحسب، بل هي كشفٌ دقيق لآلية التشكل الجمالي للفقد، وكيف يتحوّل الموت الشعريّ إلى طقسٍ استدعائيّ، يستنطق الغائب ليعيد صوغه في الذاكرة الجمعية، لا بوصفه شخصًا راحلًا، بل بوصفه معادلًا موضوعيًا للمعنى الغائب، للناي الذي كُسر قصبُه، وللأغنية التي بقيت بلا حنجرة.
إنّ الحميدي، بحدسه النقدي المتقد، يدرك أنّ القصيدة الحديثة لم تعد تطلبُ الإلهامَ من كائنٍ خرافي، ولا تنتظرُ وحيًا ملقى من نافذة الغيب، بل باتت تستمد وهجها من هشاشة الإنسان، من فجيعته اليومية، من تلك الأسئلة المعلقة في فراغ المعنى، ومن ارتجاف اللغة وهي تحاول أن تؤثثَ خرابَ العالمِ بقليلٍ من الدهشة.
في قصيدة الصيخان، يتحوّل القرينُ من ظِلٍّ غيبيٍّ إلى صدى إنسانيٍّ خالص، قرينٌ يُشبه الشاعر، ينهضُ معه، ويسقطُ معه، يُبصر العالمَ بعينيه، ويصوغ المعنى من نداءاته وانكساراته. بينما في قصيدة شفيق العبادي، يبلغ القرينُ ذروة الغياب، إذ ينزاحُ عن المشهد تمامًا، ليس بوصفه حضورًا عالقًا بين الواقع والخيال، بل ككائنٍ متلاشٍ، فقد شرعيته الشعرية في زمنٍ لم يعُد يعترفُ إلا بالمكشوف والمحسوس.
هكذا تتحوّل القراءة النقدية عند الحميدي إلى مرآة مزدوجة؛ فهي تُنير النصوص من الداخل، وتعيد مساءلة القارئ عن قناعاته حول الشعر، والغياب، والمعنى المعلّق بينهما. ليست قراءةً وصفيةً، بل هي ضربٌ من النزال مع طبقات النص، وخلخلةٌ واعيةٌ لما استقرّ في الذهن النقدي التقليدي عن “القرين”، ذلك الكائن الغامض الذي ظلّ يتنقّل بين الأسطورة والشعر، حتى باتَ مجرد طيفٍ باهتٍ في القصيدة الحديثة.
مقالة محمدي الحميدي ليست مجرد تحليل، بل هي نبوءة نقدية، تؤرخ لتحولاتِ القصيدة العربية، وهي تخلعُ عنها آخرَ ما تبقّى من يقينها القديم، وتدخلُ وحيدةً في عراء الأسئلة، بلا قرينٍ ولا نايٍ ولا ربابة، سوى كلماتٍ ترتجفُ تحت يدِ شاعرٍ يبحثُ عن صوته الضائع في هواء المعنى.