5
0
10
0
8
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12141
0
9579
0

غزوى العتيبي*
كانت تسير على جسور الصمت.. قطعت مسافات ليست بالقليلة.. لم تدرك مدى الحقبة الزمنية التي تخطتها وتجاوزتها أثناء سيرها.. فقد كانت سارحة في أفكارها، محلقة في الأفاق البعيدة، كيانها يغشاه غفوة من نفور لواقعها المرير.
وفي لحظة شرودها الذهني أحست بوخزة عميقة تتسلل إليها ، لكن أعادت إليها انتباهها الفكري، أدركت ذلك بعد سريان الألم الذي بعثه ذلك الزائر الغريب باختراقه ونفاذه في قدمها.
توقفت هنيهة لاستدراك واستيعاب ما أصابها واعتراها من الوجع، ألقت نظرة خاطفة على مصدر هذا العدو الشرس الذي غرز سمومه داخلها.
بدأت المباحثات والمشاورات العقلية الذاتية تتلاحم في وجدانها للشروع في وضع الحلول العاجلة لمواجهة ذلك الغريم المعادي، المتدثر بهالة من الشدة، الحافل بغارات من السقم والوصب.
أحست بتداعيات تبدد وتكسر كل جزء من كيانها، وقد ظنت يومًا أنها بلورة صلبة لا تتأثر بمن يصادفها في الحياة، مع كون ذلك الشخص متقلدًا سهام الازدراء للتقليل من شأن من يراهم، والذين هم أكثر رفعة وحظوة منه مع علمه بذلك في قرارة نفسه، لكن هجر الرد عليه في ساعة الموقف، أنبت له عروش من التمادي و الاسترسال بفعله.
أيقنت أنها مهما حاولت الخروج من واقعها المستكن لتبدد قافلة أوجاعها وهشاشة فطنتها فلن تستطيع ذلك.
أدركت أنه مهما سعت لتتناسى خضوعها الذي فرضته بإرادتها على نفسها سيبقى صامدًا مغروسًا حتى تنهض وتواجهه وتتيقن أنه صمت قاتل هادم، له القدرة العالية على نهش روحها ، وليس كما ظنت أن ما تقوم به سماحة وتهذيب وتصالح مع الذات.
احتزمت برباطة جأشها، وعادت أدراجها لتواجه بكل عزيمة وإصرار ما اكتنف وجدانها من استسلام، الذي ظنت لوهلة أنه فعل تمدح به وتشكر، استفاقت من سباتها ونفضت عنها لباس الخنوع وارتدت ثوب المواجهة لتجتاح بكل قوتها تلك الوحوش البشرية التي صنعتها هي بتعزيز صفة الرفعة المصطنعة لديهم. خاصة عندما تنطلق شرارة غطرستهم للتقليل من شأن المشارك بطرح رؤيته ونظرته في أي موضوع يتم النقاش فيه، لاعتقادهم الزائف بصحة نظريتهم الخاصة للأمور وتمسكهم بكذبة صدقوها “نحن على بصيرة دائمًا”.
حادثت ذاتها.. يا له من خضوع مزرٍ أدمى حياتي! كم كنت مخطئة حين اعتقدت أنني أبني لنفسي قصور ألفة وترابط بيني وبين المحطين بي من أهل الغرور والتباهي، مخطئة عندما تصورت أنني أحتاج إلى نموذج ما كي أتخطى عقبات الحياة.
انتزعت الشوكة اللاحمة في قدمها وألقت بها بعيدًا في غياهب اللا عودة.
وقفت بكل شموخ واعتزاز، ونادت في فضاء الكون بصوت جهوري إني على أهبة الاستعداد لمواجهة كل من يحاول غرس الأشواك في فؤادي.
أناخت أحمال الألم وأزاحت عن كاهلها مداهنة المستبدين في عالمها وأطلقت عنان المواجهة لآرائهم السقيمة.
أعلنت لنفسها أولًا، ثم للملأ، لن أخفي مشاعري الملتهبة بالرفض لمن يستهين بصحة الفرضيات التي أبديها مع علمه المتيقن بصحتها ليجعلها تتوارى خلف جبال من التردد المتراكم في جوفي، فالسماح لهم بذلك يستهلك الجسد والفكر، وتكون الضحية أنفسنا؛ لذلك سأعلن أنه لا مفر بعد اليوم من المواجهة التى تريحني.
*كاتبة سعودية