5
0
10
0
8
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12142
0
9579
0

محمد العميسي *
في هذا الزمن الرقمي الذي نعيشه ويعيش فينا، الزمن الذي لم نعد نُحصي فيه الأيام، بل نمررها بإصبع على شاشة زجاجية، وفي عصرٍ صار فيه كل شيء سريعًا لدرجة أنك لا تلحق حتى لتفهم ما الذي فاتك، يغيب الشباب.
لا، ليس الغياب الجسدي الذي نُطلق فيه طلقات في الهواء، ونكتب عليه منشور “رحل ولم يعد”، بل الغياب الأخطر: الغياب الوجودي، الغياب النفسي، الغياب المعنوي عن كل ما كان من المفترض أن يكوِّن شخصية الإنسان. غياب الاهتمامات، غياب الشغف، غياب المعنى.
جيل يعرف كل شيء؛ لكنه لا يهتم بأي شيء.
يخبرني جدّي: كنا زمان–نحن الكهول البائسون الآن–نُفتَن بالأشياء. كانت الكتب تُحرَق بين أيدينا بشغف، كانت الموسيقى طقس، والمقالات التي نختلف عليها تُطبع في عقولنا حرفًا حرفًا، كنا نحاول أن نفهم، نحاول أن نكوّن رأيًا، نحاول أن نُمسك بخيط الحقيقة ولو من طرفه المبتور. أما الآن فقد تحوَّل كل شيء إلى “سوايب” صامت.. ثم نسيان.
الشباب اليوم لا يقرأ إلا العناوين، لا يحتملون فيديو يتجاوز الدقيقة. يُصابون بالملل من رواية فيها وصف. يهربون من البرامج التي تحتاج تفكيرًا. لا يعرفون أين تقف بلدتهم على الخريطة ولا يعنيهم أن يعرفوا.
لكن مهلًا… هل نلومهم حقًا؟
لقد وُلدوا في عالم بلا أسرار. عالم يخبرك كل شيء، قبل أن تسأل، ثم يجعلك لا ترغب في السؤال أصلًا. أنت تعرف شكل المحيط الأطلسي من “جوجل إيرث”، فما الداعي لأن تزور البحر؟ تعرف كل فضائح السياسيين من “إكس وانستجرام”، فلماذا تتابع أخبار السياسة؟ تعرف وصفة الطبخة كاملة في دقيقة، فلماذا تتعلم الطبخ؟ بل تعرف كيف تموت… قبل أن تبدأ في العيش!
الاهتمامات تحتاج وقتاً، وصبراً، وسكوناً، وعمقاً، بينما نحن نعيش في سطح رقمي صاخب، لا يسمح لك أن تغوص، حتى لو أردت.
والنتيجة؟! جيل مشحون بالأفكار؛ لكنه فارغ من القناعات. جيل لديه حسابات في كل المنصات، لكنه لا يملك فكرة واحدة تخصه. جيل يعيش بـ”الترند”، ويموت بـ”الترند”، ويحكم على نفسه من خلال عدد “الإعجابات”.
فأين يذهب الاهتمام في عالم كل شيء فيه حاضر؟!
إنه يُستبدل بالتشويش. تُستبدل الدهشة بالضجر، والشغف بالكسل، والسؤال بـ”تشات جي بي تي” عن البحث والمعرفة.
هل هناك أمل؟ لا أعلم.. وربما لا يهم.
الدكتورأحمد خالد توفيق قال ذات مرة: “في حياة كل إنسان لحظة لا تعود الحياة بعدها كما كانت”.
وأعتقد أن لحظة دخولنا إلى هذا العالم الرقمي كانت تلك اللحظة.
فهل يُمكن للفتى الذي نشأ في ضوء الشاشة أن يحب شجرة؟ أو يهتم بتاريخ دولة؟ أو يُؤمن بقضية؟
ربما… لكن لا تراهن على ذلك.
فقد غاب الشباب… وهم معنا.
*كاتب يمني