365
0761
0
404
0
251
0
417
0
11
0
13
0
74
0
113
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13510
0
13354
0
12190
0
12131
0
9554
0

جيهان عمر*
مع أن أوان رحيل الشمس ولحظات وداعها لم تحن بعد، لكن الجو كان مصفرًا مائلًا إلى السواد وهواء رطب يغدو ويروح برائحة الأرض الزراعية المرتوية التي تشعرك بالدفء من الطبيعة.
حينها بدأ الرعاة يصدرون أصواتهم بواسطة المزمار الذي يفوح بأعذب الألحان التي اصطبغت بالحنين، فالحب بينها متبادل حب يتخلله الأخذ والعطاء؛ حيث تكمن قدسيته وعظمته وسر نموه؛ فينمو إلى مراقي أرفع؛ لذلك تحسه تلك القطعان التي تفرقت في أرجاء مختلفة، تغريها جودة الطعام؛ فتبتعد شيئًا فشيئًا خلف تلك الأرض الخضراء؛ حتى تجزم أنها لن تعود غير أنها تعود أدراجها؛ بعد أن يقع على سمعها ذلك الصوت الذي تعشقه. فتأتي مسرعة كمن تناديه أمه بشوق.
وحال جدتي كحال هؤلاء الرعاة؛ تتنبأ بقدوم الأمطار قبل نزولها بأيام، امرأة أدركت التسعين وأكثر، غير أنها تعطي الحياة كما لو أنها صبية حديثة البريق؛ عركت الحياة وعركتها؛ فانقادت وراءها وانتصرت الأنثى على الأنثى، شلوخها التي تزين وجهها تخبرك من أول وهلة أنك أمام حسناء كانت سيدة لزمانها؛ لأنها لم تسمح بزوال ذلك الحسن الذي تشبثت به كتشبثها بالحياة، بدأت تسرع في سحن ما تبقى لها من حبيبات الذرة الذي لم يتبق منه الكثير. في حجرها الأملس، الذي كانت تعتني به عناية خاصة. فبعد انتهائها من تلك الكمية تقوم بتنظيفه بقطعة من القماش؛ فيزداد نعومة كأنها لم تضع عليه شيئًا وتدخله البيت الكبير. ومع أن المطر لا يفعل له شيئًا لكن الجدة تخاف أن يداهمها ساري الليل المتعب؛ فتمنع الرطوبة من سد رمقه، والصحن أمام الضيف نوع من أنواع الكرم عندها. ثم تقوم بإدخال ما تبقى من حاجات في تلك البناية المتهالكة المقابلة لبيتها تستظل بها من وهج الظهيرة، لكنها لا تحول من دخول المطر؛ لذلك يكون مصير كل الأشياء التي بداخلها إلى البيت الكبير، الذي يضج بكمية من الحاجات التي أعرفها وتلك التي لا أعرفها منها الجديد الذي لم أره من قبل، ومنها المتهالك الذي عفا الزمان عليه؛ إلا أن له مع جدتي شأن. فلكل إناء ذكرى وعمر تفتخر به وفخامة يملكها في زمانه. وبعد إفراغ البناية مما حوت، تقوم بنبش جمرات النار، التي تتمرغ كقطع الحلوى بالسكر بلونها الأحمر ، غطتها عند الظهيرة بالرماد وحولتها إلى حفرة صغيرة داخل البيت ووضعت فوقها الحطب؛ فتبدأ بالاشتعال مكونة ألسنة من اللهب تمكن من رؤية ما في البيت من أشياء، بعد أن عم الظلام بسبب كمية السحب المتراكمة التي تنبئك بانتهاء الكون في هذه الليلة المظلمة والبرق يخطف الأضواء والرعد يغدو ويروح مسببًا هزة قوية، والبناية المتهالكة تصارع قوة الهواء كفارسين في معركة؛ وارتجفت خوفًا من قوة البرق التي خلت عندما رأيتها أنني وجدتي من بقي في هذا الكون، فأقبلت جدتي نحوي وأنا لم أستنجد بها وضمنتني إلى صدرها؛ وأزالت مخاوفي، وملكتني القوة وكلتانا شبحان يحركهما ضوء النار الخافت يمنة ويسرة. وللنار عند جدتي مهام؛ الأولى الإضاءة التي تعتمد عليها، والثانية صنع الطعام الذي لا يحلو إلا على تلك النار، والثالثة دفء يسكن بيتها.
وبعد انتهاء جدتي من كل مهامها خارجًا. بدأ المطر في الهطول؛ فكأنهما اتفقا على الموعد أو لعلها فطنة امرأة حكيمة تفوق توقعات الجغرافيين وخبراء الأرصاد الجوية في تحديد زمن هطول المطر. واربت الباب بعد أن اشتد نزول المطر بكرسيها الذي تجلس عليه؛ لصنع وجبتها المعتادة في هكذا أوقات والمطر ينزل بغزارة وجدتي في حركة مستمرة حتى أكملت “عمل العصيدة” وبدأت تقسيمها في أوانيها المصنوعة من القرع الذي كانت تجلبه من الغابة المجاورة، والحليب بأواني مصنوعة من الألمونيوم. بأغطيتها الجميلة؛ لتكون زوادة يتزود بها الجائع؛ فيجابه بقوة. بعد أكل العصيدة الدسمة بالسمن، الذي تصنعه بنفسها، كانت تفعل كل أشيائها الحياتية بإتقان. كأنها تعلمني بطريقتها. أنظر إليها.. ولا أمل من مكوثي معها. والتحديق فيها.
تباغتني أحيانًا بنظراتها الذكية التي أعرفها. فتقرأ ما يدور في رأسي وتردف: أتعجبين من هذه العجوز!
فنحن يا صغيرتي نعطي بقدر ما تعطينا الحياة من أيام، وكثيرًا ما تقول نحن وتكفي عظمة تكسوها وهي لا تعبأ بها.
وبعد مدة ليست بالقصيرة توقف المطر. وعم سكون مظلم تصرخ وحوشه منذرة بقدوم كارثة كونية. غير حركة جدتي التي لا تعبأ بما يحدث خارجًا. فهب هواء رطب أزال ما كان يتوهمني بعد أن فتحت جدتي الباب على مصرعيه. فتسربت إلى جسدي بعض قرصات البرد؛ فأدركت حينها أننا ما زلنا نقاوم. وأن قريتنا تتربع في هذا الكون؛ لتؤكد أننا موجودون؛ فهرولت إلى سرير جدتي الجلدي. كثيرًا ما أتوقف عنده وكيفية صناعته بهذا السمك والمتانة. نتقافز عليه بكل ما أوتينا من قوة وهو لا يحرك ساكنًا. نارها التي لا تنطفئ وأوانيها الممتلئة بالطعام في انتظار ضيوفها الذين لا يرتوون من فيض سخائها. فيعودون مسرعين وأبقارها التي ما تنفك تطلب في إثرها؛ كلما شعرت بجوع أو أحست بخطر يداهمها؛ لتصنع بذلك إيقاعًا ممزوجًا بحياة نقية لا تشوبها شائبة.
كل هذه الأشياء تشعرني بالدفء والأمان وتشحذ همتي وتحضني على المضي قدمًا على نهج الكرام. فما تلبث الحياة إلا أن تتسع والأمطار تفيض بسخاء، والبحر يجلب لهم في طريقه الدرر، فيهديها إلى صغارهم قبل كبارهم؛ فيهنئون بحياة صنعوها وتهنأ الحياة بأناس مثلهم جعلوا منها أهازيج وطبول سعادة، تطوقهم بأطواق النجاة.
أدرت بصري إلى شباك البيت الصغير. أراقب حركة الطريف. وهممت بمقلتي متشوقة إلى بناية جدتي ووجدتها صامدة وأدركت حينها أي أنثى هي جدتي. والرجال يهرولون إلى المسجد؛ للحاق بصلاة المغرب وأزقة القرية ممتلئة بالمياه. وأنا قابعة أحدق في أهالي قريتي وهم يحتفلون بالمطر بطريقتهم. وهو عندهم حالة من السعادة والخير. شأنه شأن الأفراح عندهم. أو كأنه ضيف عزيز حل بديارهم كأنه صديق حميم. قوم يقتلعون الفرح من أنياب الحياة؛ فيأتي ممزوجًا بطعم النصر. لم أشعر إلا بنداء جدتي طالبة مني إنزال مصلاتها المصنوعة ببراعة، ولتلك قصة أخرى عند جدتي! مع أنها من صنعها فإن فيها روعة وجمال لم أره في بقية الأشياء التي تصنعها. وكثيرًا ما أسألها عنها وقد تعمدت إسقاط كل هذا السحر عليها؛ لأنها تعرف أن ما تفعله فيها هو زادها الذي ستخرج به؛ فقد استقرقت شهورًا في تحضيرها. وبدأت أراقب حركاتها وسكناتها وهي تستعد للصلاة وكأن بين يدي ولي من الأولياء الصالحين الذين تحكي عن كراماتهم. في حكاياتها التي لا نمل سماعها ليلًا. وأنهم يأتون ليلًا عندما ينام الناس. ليدعو لنا بالصلاح وأهل القرية أجمعين. ضوء أبيض يتخلل جلبابها الذي ترتديه خصيصًا للصلاة وسبحتها المصطفة بانتظام. تحركها بيدها التي ما زالت تتشبث ببقايا جمال لم تسرقه السنوات. وبعد فراغها من وترها الطويل. أخرجت من بين حاجياتها قدرها الكبير؛ ذلك الذي تأخذه معها في مناسبات القرية؛ فتسربلتني سعادة غامرة؛ لأني أعرف أن للقدر مهمة أخرى غير هذه. صناعة البليلة بالسمن تلك الوجبة الممزوجة بالمطر. تترقبها القرية بعد كل ليلة ممطرة كهذه؛ احتفاءً بالمطر يتبرك بها الزراع والرعاة والمرضى والنساء اللائي عقرت أرحامهن. كلٌّ يمني نفسه بذلك الخير الذي يتنزل عليه بعد التهام بليلة جدتي ومسح أيديهم على وجوهم.
ثم الشكر والحمد لواهب هذه النعم التي يتمرغون فيها.
وتلك البليلة من فرط حلاوتها كان صغار القرية يزعمون أنها من السماء تنزل لجدتي بعد المطر، كم كان ذلك يفرح جدتي بلا ويبكيها فرحًا…!
بدأت جدتي في تقسيم أواني الطعام الساخن وأوكلت لي مهمة التوزيع. وسعدت بها أيما سعادة. قد آن لي أن أخرج وأحتفل معهم؛ فهرولت مسرعة في الخروج.. وإذا بكمية من الضفادع تحاصر طرقات وأزقة القرية والمارة لا يكترثون لأمرها كأنها صاحبة حق مثلهم في الاحتفال بالمطر؛ فعدت أدراجي من حيث أتيت وأخبرتها بما يعتريني من خوف؛ فضحكت جدتي حتى سمعت ضحكتها تسخر مني، ثم أردفت: ما هذا الهراء أيتها القروية المتمدنة؟! أهذه الضفادع التي لا حول لها ولا قوة تخيفك؟! أجزم أن بهروبك الغبي هذا وفانوسك المضطرب مثلك أخفت الكثيرين منها. فلو كنا نخيف أو نخاف من الكائنات التي خلقت معنا؛ لما بقينا كثيرًا نستأنس بها وتستأنس بوجودنا قربها؛ لذلك نموت واقفين وأقوياء. لا نستسلم للمرض فيجرفنا وراءه للموت رغم أنوفنا. سأذهب الآن وأثبت لك ذلك.
ومع خروج جدتي أسرعت صوب الشباك؛ لكي يتثنى لي رؤيتها وهي لا تكترث لتلك الضفادع التي تتقافز هنا وهناك مصدرة أصواتها المزعجة، ثم رجعت كأن شيئًا لم يكن وطلبت مني النزول؛ لتناول حصتنا التي لم يبق غيرها بعد أن وزعت منها إلى بيوت أعمامي، وهمست لي بتناول طعامها الممزوج بدفئها في ليلة شديدة قائلة: تناولي طعامك ودعي الضفادع وشأنها فهذه الليلة الباردة ليلتهم!
*كاتبة من السودان