مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد العميسي*   الحياة، بطبيعتها، لا تستقر على حال واحدة؛ فهي دائمة التحول، …

في مواجهة تقلبات الحياة.. لماذا نحتاج إلى الإيمان؟

منذ 12 شهر

300

0

محمد العميسي*

 

الحياة، بطبيعتها، لا تستقر على حال واحدة؛ فهي دائمة التحول، متقلبة بين فرح وترح، ويُسر وعسر، وطمأنينة وقلق. وما من إنسان يعيش في هذا العالم إلا ويُجبر، عاجلًا أو آجلًا، على خوض تجربة التغير بكل ما تحمله من مفاجآت وتحديات.

هذا التبدل المستمر في أحوال الحياة ليس حدثًا طارئًا، بل هو من سنن الكون الثابتة، التي لا تتوقف ولا تتغير. ومع ذلك، يبقى الإنسان — بما يحمله من ضعف وهشاشة — أقرب إلى الاضطراب حين تتغير المعطيات من حوله، وتُخالف الأحداث ما اعتاده أو ما كان يتمناه.
حين تعصف الأزمات، وتضيق السبل، ويشتد ضغط الواقع، كثيرًا ما يجد الإنسان نفسه أمام جدار مسدود. يضيق أفقه، وتضعف عزيمته، وتتراجع قدرته على الصبر. في مثل هذه اللحظات، لا تكفي الحلول المادية وحدها، ولا يُغني العقل عن الروح.

وهنا تبرز الحاجة إلى قوة عُليا يستند إليها القلب قبل العقل، قوة تعيد ترتيب الداخل، وتمنح النفس اتزانها، وتمنعها من الانهيار. هذه القوة ليست سوى الإيمان بالله.
إن التوكل على الله، والركون إلى حكمته، والثقة في عدله ورحمته، ليست شعارات أو ملاذات عاطفية، بل هي أعمدة وجودية تحفظ للإنسان تماسكه وسط العواصف. فبدون هذا الإيمان، يصبح الإنسان هشًا، كأوراق تتقاذفها ريح الحياة دون مرسى.

والإيمان، حين يتعمق في القلب، لا يجعل صاحبه بمنأى عن الألم، لكنه يُبدّل زاوية الرؤية. فالمحن تُفهم على أنها ابتلاءات لا عقوبات، والعثرات تُقرأ كفرص للنهوض لا كدلائل على النهاية. وهكذا، يصبح كل ما يحدث — مهما بدا مظلمًا — جزءًا من حكمة خفية، ورحمة مؤجلة.

لقد دلّت التجارب — عبر التاريخ والفرد — على أن أقوى الناس في مواجهة الحياة هم أولئك الذين اتكأوا على الله، وأدركوا أن الأمان الحقيقي لا يُبنى على الظروف، بل على الثقة في من يُدبّرها.
في النهاية، لسنا مدعوين إلى إنكار الواقع أو تجاهل ما فيه من ألم، بل إلى مواجهته بقلوب مؤمنة وعقول راجحة. الإيمان لا يُغني عن العمل، لكنه يرفق به، ويمنحه المعنى والسكينة. وما من طريق أكثر أمانًا من طريق يُسلكه الإنسان وفي قلبه يقين أن الله معه، يسمعه، ويراه، ولن يخذله أبدًا.

*كاتب يمني

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود