مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

  نجود حسن* منذ سنوات يشهد المشهد الثقافي المحلي اتساعًا لافتًا في الحضور الأدبي …

الثقافة بين الكمّ والكيف.. تأملات في مشهدٍ أدبيّ يزدهر على السطح ويترقّب العمق

منذ 10 أشهر

1194

0

  نجود حسن*

منذ سنوات يشهد المشهد الثقافي المحلي اتساعًا لافتًا في الحضور الأدبي والفكري، حتى يكاد لا يخلو أسبوع من دعوة إلى أمسية شعرية أو جلسة قرائية أو ورشة أدبية أو لقاء مع كاتب وفي الظاهر. يبدو هذا التوسع باعثًا على التفاؤل ومؤشرًا على يقظة ثقافية طال انتظارها تُخرج الأدب من حدوده الأكاديمية الضيقة وتعيده إلى نبض الحياة اليومية وتجعله متاحًا لمن يريد حيثما كان. في المقاهي والمكتبات والمراكز الثقافية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا.
نرى هذا الحراك وقد اكتسب طابعًا شعبيًا غير مسبوق، لقد أصبح الأدب حاضرًا في الوعي الجمعي لا كترفٍ نخبوي، بل كحاجة إنسانية وأسئلة مشتركة. والأجمل أن الشباب – الذين كثيرًا ما يُتّهمون بالعزوف عن الثقافة والأدب – أصبحوا هم الفئة الأبرز حضورًا في هذه اللقاءات والأكثر تفاعلًا وطرحًا للأسئلة.

وكما هو الحال مع أي ظاهرة تتسع بسرعة، فإن الحضور الكثيف لا يخلو من ملاحظات تستحق التأمل. ذلك أن الكثرة.إن لم تكن مصحوبة بنوع من التروّي في البناء قد تتحوّل إلى زخرفة أكثر من كونها عمقًا، هنا يبدأ السؤال الملحّ في الظهور:
هل ما نشهده من فعاليات حالة صحية ناضجة أم مجرّد ضجيج ثقافي لا يصنع أثرًا؟

العنوان اللامع… والمحتوى المكرر.

واحدة من أبرز الظواهر التي باتت تتكرّر بشكل لافت هي ما يمكن أن نسمّيه بـ”تضخم العنوان”.
كثيرٌ من اللقاءات تُقدَّم بعناوين جذابة توحي بطرح جديد أو بزاوية فكرية مبتكرة. عناوين لامعة تستفزّ الفضول وتعد بفتح أفق مغاير وتجعل القارئ أو المتابع يشعر أن أمامه تجربة استثنائية في الانتظار، لكن ما إن يبدأ اللقاء حتى يتكشّف أن ما قُدِّم ليس إلا تكرارًا لمحتوى طُرح عشرات المرات، وربما بأسلوب أقل نضجًا أو بلا أي معالجة حقيقية.

هذا التفاوت بين العنوان والمحتوى يُنتج خيبة ويُربك علاقة المتلقي بالثقافة، فحين يتكرّر هذا النمط تبدأ ثقة الجمهور – لاسيما الشباب – بالتآكل ويصبح الحضور فعل مجاملة أو ملء فراغ، لا بحثًا عن إشباع فكري أو اكتشاف أدبي. هنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتحوّل الثقافة إلى “مناسبة”، لا إلى معنى، إلى عرضٍ مؤقت، لا إلى حوارٍ دائم.

مسؤولية المنصّات والمُنظّمين:

إن تنظيم فعالية ثقافية سواء كانت أمسية أو ندوة أو مناقشة كتاب، ليس مجرّد ترتيب مقاعد أو تنسيق ملصقات أو دعوة ضيوف. إنه فعلٌ معرفيّ، أخلاقيّ بالدرجة الأولى يُفترض أن ينطلق من مسؤولية تجاه المتلقّي، وتجاه النص أو الفكرة التي تُطرَح وتجاه اللحظة الثقافية التي نعيشها.

من المهم أن يُسأل: لماذا هذا اللقاء؟ ماذا يضيف؟ ما الذي سنقدّمه جديدًا؟ هل لدينا قراءة مختلفة؟ زاوية مغفَلة؟ سؤال صادق؟
إن مجرد استضافة كاتب لا يكفي ومجرّد تلاوة سطور من ديوان لا يخلق أمسية، ما لم يكن هناك وعي بما يُقال وكيف يُستقبل وإلى أين يمكن أن يقودنا هذا التفاعل.

الشباب ليسوا “ديكورًا ثقافيًا”:

من أبرز التحولات التي تستحق الاحتفاء فعلًا، هو الحضور الشبابيّ اللافت في هذه اللقاءات، فالشباب اليوم لا يريدون فقط أن يُقال لهم “هيا نقرأ”، بل يسألون “ماذا نقرأ؟ ولماذا؟ وما الذي سنفعله بما قرأناه؟”. إنهم لا يبحثون عن أسماء مشهورة ولا عن سجع لغوي، بل عن المعنى الذي يُضيء في النص، عن السؤال الذي يشبههم، عن التجربة التي تعنيهم.

وحين يجد الشاب أن اللقاءات الأدبية لا تقدّم إلا ما هو سطحي أو مكرّر أو مشغول بالزينة أكثر من الفكرة، فإنه – بوعيه الصافي – يبتعد. أو في أحسن الأحوال، يحضر بلا انخراط، بلا شغف، بلا أثر.

الكيف لا يناقض الكثرة… بل يمنحها معناها:

لا نُطالب هنا بتقليص الفعاليات أو العودة إلى النخبوية، بل على العكس نحن نُؤمن أن الثقافة ينبغي أن تكون وفيرة حيّة، ومتاحة ولكن ما نرجوه هو أن يكون هذا الوفرة نابعة من غنى فكري لا من فراغ تعبيري،
نريد لقاءات تُبنى على أسئلة حقيقية لا على مجاملات.
نريد عناوين تُكتب بصدق لا بدهاء تسويقي. نريد أمسيات تُنهيها الحيرة لا التصفيق الجاهز.

إن الفعل الثقافي لا يُقاس بكثرته فقط.. بل بعمقه وبصدقه، بتأثيره في المتلقي، خاصة حين يكون هذا المتلقي من فئة الشباب.
فالشباب اليوم ليسوا مجرد حضور في مقاعد الجمهور، بل هم شركاء حقيقيون في صناعة الوعي، وهم أذكى من أن يُخدَعوا ببريق العناوين أو بهرجة الكلمات. إنهم يبحثون عمّا يلامس أسئلتهم الوجودية، ما يحاور قلقهم ويفتح أفقًا حقيقيًا للفهم والتغيير.

الختام: من الحضور إلى الأثر.

إن الثقافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الحاضرين، بل بعمق الأثر الذي يتركه اللقاء.
الهدف ليس أن “يُقام” الحدث، بل أن “يقوم” المعنى.

وليس أن نضيف إلى أجندة الأسبوع فعالية، بل أن نضيف إلى وعينا طبقة جديدة من التأمل.

إذا استطعنا أن نعيد لهذه الفعاليات روحها، أن نجعلها منصات حقيقية للسؤال ومساحات للجرأة والاختلاف، فإننا لا نُصلح مجرد مشهد ثقافي، بل نُسهم في تشكيل جيلٍ يرى في الفكر ضرورة، وفي الأدب خلاصًا وفي الكلمة طريقًا إلى الإنسان.

في النهاية: ليست المسألة في أن تُعقد الأمسيات، بل في أن تترك أثرًا.
وليست الغاية أن نناقش الكتب، بل أن تنبع من هذه المناقشات أسئلةٌ تقودنا إلى كتبٍ أخرى وحواراتٍ أعمق، ووعيٍ أوسع.

* كاتبة سعودية

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود