مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

   سمية كمال* في عالم يضجُّ بالخلافات الفكرية والدينية والثقافية، تظل الأخلاق هي …

السمو الإنساني فوق كلِّ راية

منذ 10 أشهر

221

0

   سمية كمال*

في عالم يضجُّ بالخلافات الفكرية والدينية والثقافية، تظل الأخلاق هي القاسم المشترك الوحيد بين الناس على اختلاف عقائدهم الدينية وتوجهاتهم الفكرية، مهما تباعدت مشاربهم وتناقضت معتقداتهم.
فالعبادات وحدها بلا أخلاق، لا يمكن أن تهذّب النفوس، والأخلاق ثمرة الإيمان، وروح الشريعة، وصدى الضمير.

لماذا الأخلاق أولًا.. وقبل الدين؟

لأن الفطرة الأخلاقية أسبق من التدين؛ فالأخلاق أقدم في الإنسان من معرفته الدينية، فهي متمثلة في طبعه وسلوكه قبل معرفته الدينية. وبلا أخلاق، يتحول الدين إلى أداة للتسلط، للتبرير، للنفاق… فكم من ظالم يلبس عباءة الدين ليبرر ظلمه؟ وكم من كاذب يتحدث باسم الله ليضلّ الناس!

الأخلاق شرط لتلقي الدين واستيعابه، فقبل أن يُطالَب الإنسان بالتدين، لا بد أن تكون لديه قابلية نفسية ووجدانية لفهم معاني الخير، الحق، العدل، والرحمة… فكيف لمن لا يعرف معنى الصدق -مثلًا- أن يستوعب عبادة تقوم على الإخلاص؟ وكيف لمن لا يحترم الناس ويسيء إليهم أن يدرك مغزى الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ وكيف لمن لا يعرف الصبر ولا يستحضر ضميره أن يفهم عبادة الصوم؟

الأخلاق إذًا هي البنية التحتية لمعاني الدين، فالدين في جوهره هو الأخلاق متّصلة بالله، وما كانت ميزة الأنبياء إلا من نقاء جوفهم، ولا كان لهم الاصطفاء إلا باكتمال أخلاقهم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
تأمل كيف يبين لنا القرآن أن قوة الأخلاق تتغلب على قوة العداء، في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
فالنفس بطبيعتها تنطفئ نارها بالإحسان، ولا شيء يمكن أن تتحول معه العداوة إلى محبة مثل الخلق الكريم.

هنا تهذيب لأنفسنا في أعظم درس قرآني يعزز الأخلاق الكريمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
فحتى التحية يراد أن نستثمرها في تحقيق التآلف والتآخي؛ فإما أن نردها بأفضل منها أو بمثلها، وليس لك أخلاقيًا ألا تردها.
هل هناك ألطف من هذا التعليم الإلهي الذي يربينا على الحس الأخلاقي، ويُهذّبنا باللطف حتى في أبسط سلوكياتنا؟!
هذا إنما يدل على أن ديننا هو الأخلاق في جوهره.

ماذا يضرنا إذا اختلفت العقائد واتفقت الأخلاق؟!
لنختلف في عقائدنا ولنتفق في أخلاقنا، فالاختلاف سنّة كونية، وللإنسان حرية المعتقد (لا إكراه في الدين)، لكن بالإكراه في الأخلاق، ولا خيار لنا فيها، فلا يحق لنا التمرد عليها، ومن تمرد عليها يعاقبه القانون الإنساني الملزِم بالأخلاق.
ولا شيء يوحد المختلفين ويبني جسور الاحترام بينهم إلا الأخلاق.
فمع تعدد واختلاف الأديان والانتماءات، لا يمكنك أن تقنع غيرك بشعارك الديني، لكن يمكنك ذلك بأخلاقك، فلا شيء يأسر النفوس مثل الأخلاق، وتبقى وحدها الكفيلة بكسب القلوب وربط الناس ببعضهم، وتحقيق التآلف والتعارف بينهم.
وتتجلى الأخلاق في وقت الخلاف لا في الصفاء؛ فكما قيل: “لا يُعرف الناس إلا عند الخلاف”.
ففي الخصومة تكشف الطبائع، وتعرف النفوس، وتسقط الأقنعة.
وتبقى الأخلاق وحدها المعيار الحقيقي للنُبل والإنسانية التي تجمع الناس وتحقق بينهم السلام.

أما الذين يتناولون الدين طقوسًا وشعارات، فمتى يدركون أن الله لا يقبل تدينًا بلا أخلاق؟ وأن الأخلاق هي التي تُعبّر عن حقيقة تدينهم، وأن الناس يقرؤون في سلوكهم كتابهم المقدس، وينظرون إلى أخلاقهم قبل أن يسمعوا لأقوالهم؟

من لم يهذب نفسه، لن ينفعه دينه ولا علمه ولا أي شيء!
كل ما تقوم عليه معاملاتنا ونجاحاتنا مردّه إلى الأخلاق، لا الدين ولا المذهب ولا الطبقة.
وتبقى الأخلاق صمام الأمان الذي يجمعنا ويجعل تديننا صادقًا ونافعًا.
الرابح دائمًا، من يغلّب الأخلاق؛ لأنها طريقنا إلى الله، وطريقنا إلى قلوب الناس.

ختامًا:
في تديننا لله، حين نرفع الأخلاق فوق كل راية، نكون قد حققنا رسالة الله في الأرض.

فلنجعل راية أخلاقنا فوق راية عقيدتنا!

 

* كاتبة مصرية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود