مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

  بدر العوفي* في عام ١٩٦٨ تم ابتكار أول جهاز صرف آلي (ATM)، وتركيبه في فجوة في ج …

تجدد كي تبقى.. تداعيات الذكاء الاصطناعي على فرص العمل

منذ 10 أشهر

444

0

  بدر العوفي*

في عام ١٩٦٨ تم ابتكار أول جهاز صرف آلي (ATMوتركيبه في فجوة في جدار أحد فروع بنك مانهاتن. وفي غضون عشر سنوات أصبح هناك ٥٠ ألف جهاز صرف آلي على مستوى العالم. ارتفع هذا العدد ليبلغ مليون جهاز في حلول عام ٢٠٠٠، نظرًا للخدمة المريحة التي قدمتها هذه التقنية، بحسب من ينظرون إلى النصف الممتلئ من الكأس، غير أن هذا الأمر لم يكن مدعاة للسرور لصرافي البنوك! حيث أظهرت الدراسات أن جهاز صرف واحد بإمكانه القيام بعمل ٣٧ صراف بشري! وبالطبع أسفر ذلك عن تسريح ما يقارب نصف مليون مصرفي أمريكي خلال الفترة من ١٩٨٠-١٩٩٥م. [1]

على خلاف الماضي، يتسم عالم اليوم بالتحديث المتسارع لمتطلبات السوق، تبعًا لعدد من العوامل، أهمها: التطور التقني ومنافسة مطوري الخدمات. وحيث كان عدد من أجيال البشر فيما مضى يتعاقبون على استخدام السلعة ذاتها، فقد أصبح الفرد اليوم يعاصر استخدام عدد من أجيال السلع! فبتنا نذكر كلمة (جديد) بحذر! فجديد اليوم سرعان ما يفقد بريقه في الغد! وعلى الرغم من أثر تطورات الغد في تسهيل حياة المستفيدين، فإن لذلك بلا شك- تأثير وجودي على أصحاب مهن اليوم، إن لم يدعموا معرفتهم المصرفية -مثلًا- بمعرفة كيفية إدارة وصيانة أجهزة الصراف الآلي أيضًا.

تقنيات متجددة.. ومتطلبات متجددة!

تجاوز المجتمع البشري حتى الآن ثلاث ثورات صناعية، ونعيش اليوم في خضم الثورة الرابعة. وأمام كل (ثورة صناعية)، كان هناك (ثورة عمالية) مساوية بالمقدار ومعاكسة في الاتجاه! فقد تسبب ابتكار المحرك البخاري ببدء مرحلة الثورة الصناعية الأولى، ومقابل ذلك تسبب في فقدان كثير من المهن كالحياكة اليدوية، وغزل الصوف، وسياسة الخيول، واستبدالها بوظائف ذات صلة بصناعة الفحم، وصهر المعادن، وتشغيل الآلات. كما تكررت هذه العملية في الثورة الثانية وابتكار الكهرباء، والثورة الثالثة وابتكار الكمبيوتر. فلكل عصر أدواته ولكل مرحلة متطلباتها.

وضمن تداعيات الثورة الصناعية الثالثة، تشير التقارير المتخصصة إلى أن الولايات المتحدة خسرت خلال الفترة ٢٠٠٠-٢٠١٠ ما يقارب ٥،٧ مليون وظيفة (٣٠٪) في قطاع التصنيع، بسبب استبدال العمال بالآلات. وفي حلول عام ٢٠١٠ تم ضخ مليون وظيفة تصنيعية مختلفة. وحدهم الذين تمتعوا بقدرة أكبر على استيعاب المتطلبات الجديدة، وامتلكوا المهارات اللازمة، هم من نجوا من هذا التهديد [2]! على أن هذا التحول الكبير حل عند حضور (الآلة) إلى المشهد المهني، فكيف إذن سيكون الحال عند حلول الثورة الصناعية الرابعة التي نعيشها اليوم، وحضور (الآلة الذكية)!

الثورة الصناعي الرابعة.. والذكاء الاصطناعيّ

لا شك أن الوضع المهني في هذه الأيام بات أكثر تفاقمًا، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي يجيد مع كل مطلع شمس المزيد من المهارات. وفقًا لتقرير صادر عن بنك قولدمانساكس، فخلال ١٠ سنوات سيكون هناك ٣٠٠ مليون وظيفة يمكن استبدالها بالذكاء الاصطناعي [3]. أما الشركة الاستشارية ماكينزي فتقدر أن نصف العمالة الحالية في العالم يمكن استبدالها بالذكاء الاصطناعي، وأضافت أن تطوير المهارات بات ضرورة ملحة لمواكبة متطلبات سوق العمل المستقبلية [4].

ولا يقتصر الأمر على مهن عمال الياقات الزرقاء، بل طالأيضا أصحاب الياقات البيضاء. فوفقًا لاستطلاع حديث صادر عن هارفارد بزنس ريفيو، بات الذكاء الاصطناعي التوليدي يهدد نفوذ الرؤساء التنفيذيين، إذ أصبح ذا قدرة أوسع على إدارة الاجتماعات، وترتيب الأولويات، وتقييم التوصيات [5].

التقارير المتخصصة.. تضعنا في الصورة!

كشف تقرير “مستقبل الوظائف ٢٠٢٥” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أنه بحلول ٢٠٣٠ ستلغى ٩٢ مليون وظيفة، بينما ستُخلق ١٧٠ مليون وظيفة جديدة. وأكد التقرير أنه بالاستناد إلى بيانات أكثر من ١٠٠٠ شركة، فإن فجوة المهارات في الذكاء الاصطناعي والتحولات التقنية ستشكل العائق الأكبر أمام فرص العمل. وفي هذا السياق دعا التقرير إلى ضرورة العمل معًا من قبل الشركات والحكومات، والاستثمار في المهارات، وبناء قوة عاملة قادرة على الصمود [6].

وفي تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي فإن الذكاء الاصطناعي سيكون ذا تأثير على نحو ٤٠٪ من الوظائف حول العالم، حيث سيحل محل بعضها، ويكمل بعضها الآخر. كما نوه التقرير إلى احتمالية تأثير الذكاء الاصطناعي على انعدام المساواة في توزيع الدخل والثروة داخل البلدان، فيحقق العاملين القادرين على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي إنتاجية أكبر ودخلًا أعلى، بينما يتخلف من ليس في وسعه ذلك عن الركب [7].

كما عزز تقرير حديث لوكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية هذه التوقعات، حيث أوضح أنه بحلول ٢٠٣٣ نحو ٥٠٪ من الوظائف في العالم ستتأثر بالذكاء الاصطناعي. وشدد التقرير على ضرورة الاستعداد لاغتنام فرص الذكاء الاصطناعي، وضرورة وضع سياسات وطنية لبناء مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي [8].

تدريب مليون سعودي في الذكاء الاصطناعي: 

في خطوة سعودية رائدة، تم مع مطلع هذا العام إطلاق مبادرة (سماي) لتدريب مليون سعودي في الذكاء الاصطناعي، برعاية وزارة التعليم والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وبالتعاون مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. تهدف هذه المبادرة إلى تزويد المتدربين بالمهارات والمعارف ذات الصلة في تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي. كما توفر للمنتسبين فرص التدرب على الأدوات اللازمة لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأعمال بشكل آمن وفعّال، لضمان مواكبة تطورات سوق العمل. تضمّن إطلاق المبادرة تدشين منصة تعليمية مدعمة بمحتوى تدريبي يمكن الوصول إليه عبر الرابط https://samai.futurex.sa/ [9].

فاصلة: 

في أحد المطارات الدولية، كنت أسير باتجاه بوابة الخروج. تجاوزني جُلّ الركاب، لكن شاءت الظروف أن تطأ قدماي على الممر الأرضي المتحرك!

كنت (أسير) لكن، كمن (يجري)! وحين توقفت عن السير؛ كان (وقوفًا) أسرع من (سير المسرعين) ممن تخلفوا عن ركوب الممر المتحرك! بلغتُ بوابة الخروج أولًا، ليس لأني الأسرع، بل -ربما- لأني ركبت الموجة!

المراجع: 

[1]

آلان دو بوتون، قلق السعي إلى المكانة، دار التنوير، ٢٠٢١.

[2]

Jaison R. Abel and Richard Deitz، “The (Modest) Rebound in Manufacturing Jobs،” Liberty Street Economics، 2019.

[3]

Goldman Sachs Predicts 300 Million Jobs Will Be Lost Or Diminished،” Forbes، 31 03 2023.

[4]

كويلين إلينقرود، نورا قاردنر، “تطوير المهارات ضرورة ملحّة لمواكبة متطلبات سوق العمل المستقبلية،” ماكنزي أند كومباني، ٢٠٢٥.

[5]

أنوب سريفاستافا، فنسنت بوسيو، “هل يهدد الذكاء الاصطناعي نفوذ رؤساء مجالس الإدارة؟،” هارفارد بزنس ريفيو، ٢٠٢٥.

[6]

Future of Jobs Report 2025،” World Economic Forum، 2025.

[7]

Mauro Cazzaniga, Florence Jaumotte et al، “Gen-AI: Artificial Intelligence and the Future of Work،” International Monetary Fund، 2024.

[8]

“تقرير التكنولوجيا والابتكار ٢٠٢٥: الذكاء الاصطناعي الشامل للجميع من أجل تحقيق التنمية،” وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، جنيف، ٢٠٢٥.

[9]

“علوم وتقنيات / إطلاق مبادرة تدريب مليون سعودي في الذكاء الاصطناعي “سماي”، وكالة الأنباء السعودية، ٢٨ ١٢ ٢٠٢٤.

* كاتب سعودي. 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود