9
0
7
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12141
0
9579
0
إعدادـ هدى الشهري
أبو القاسم محمّد بن هانئ الأزديّ الأندلسيّ، لُقّب بمتنبّي الغرب؛ لأنّه كان أعظم شعراء المغرب العربيّ على الإطلاق، عدا عن معاصرته للمتنبي، وفي ذلك يقول عنه ابن خلكان: “ليس في المغاربة من هو أفصح منه لا متقدميهم ولا متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق وهو عند المغاربة كالمتنبي عند المشارقة”، كما يقول الذهبي: “ليس يلحقه أحد في الشعر من أهل الأندلس وهو نظير المتنبي”، وقد شبهه ابن الأبار القضاعي بأبي تمام فقال: “هو وأبو عمرو بن دراج القسطلي نظيران لحبيب والمتنبي”.
وقد عقد أغلب المؤرخين والنقاد قديمًا وحديثًا مقارنة بين ابن هانئ والمتنبي، يقول الشاعر العراقي فالح الحجية في كتابه (في الأدب والفن) عن ابن هانئ: “إن ابن هانئ شاعر ذو قريحة شاعرية مزيجية من شجاعة المتنبي ونفسية وتعبير أبي تمام ومعاني البحتري وفلسفة المعري، فهو شاعر غربي أندلسي حذا حذو شعراء الشرق، لذا فهو شاعر عبقري متوقّد الذاكرة متفلسف بارع في صياغة الشعر وبلاغة الكلام، تجد في شعره المدح والهجاء والراء، وإنه خاض غمار جل الفنون الشعرية وقصائد المدح عنده شبيهة بمدح المتنبي من حيث بناء القصيدة وقوة العبارة وغلبة روح الشجاعة فيها فقد اختار الألفاظ الصحراوية البدوية في بيئة رياضية جميلة”.
نشأ في عصري عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم الثاني، حين كانت الأندلس في عصرها الذهبي، وكان والده هانئ أديبًا وشاعرًا، فخصّ ابنه بحظٍّ كبير من دراسة الشعر والأدب، واتصل بحاكم إشبيلية وكان ذو حظٍّ عنده، ثمّ اتهمه أهلها باتّباع مذهب الفلاسفة، فترك إشبيلية وقصد المغرب ومدح جوهر الصقلي، ثمّ قصد بلاط جعفر ويحيى ابنيّ عليّ ابن حمدون، فأكرماه، ووصل خبره إلى المعزّ أبي تميم الفاطميّ فطلبه من ابنيّ عليّ، فحضر عنده وأقام في المنصورية قرب القيروان، ومدحه ابن هانئ مدحًا مبالغًا فيه، ومن ذلك قوله:
هل كان ضَمّخَ بالعبير الرَيْحَا
مزنٌ يهـزّ البـرقُ فيه صفيحـا
يهـدي تحـيـات القلـوب وإنّمـا
يهـدي بهـنّ الوجـد والتبريحـا
وقد ذكر بعض المؤرخين أنّ لابن هانئ كتابًا في التاريخ سمّاه إسماعيل باشا البغداديّ بـ (تاريخ الأندلس)، وسمّاه فؤاد سزكين بـ (تاريخ ابن هانئ).
وفيه يقول لسان الدين بن الخطيب: “كان ابن هانئ من فحول الشعراء وأمثال النظم وبرهان البلاغة، لا يدرك شأوه ولا يشق غباره مع المشاركة في العلوم والنفوذ في فكِّ المعمّى”.
وقد ترجم المستشرق فان كريمر بعض أشعاره إلى الألمانية وقال عنه: “قوة البيان وكثرة التمثيلات وجودة الألفاظ التي لا يكاد يقدر عليها من الشعراء إلا القليل، هي الأوصاف التي نشرت صيته ورفعت ذكره، فلذلك سمّته المغاربة متنبي الغرب فلا شبهة في كونه مستحقًا لذلك اللقب”.
وقال الفتح بن خاقان: “روض أدب مطير غاص في طلب الغريب حتى أخرج دره المكنون وبهرج بافتتانه فيه كل الفنون وله نظم تتمنى الثريا أن تتوج به وتقلّد ويود البدر أن يكتب فيه ما اخترع وولّد”.
عُرِف ابن هانئ بنفسه الشعري الطويل، فقليل من قصائده تجاوزت السبعين أو الثمانين بيتًا، أمّا جُل قصائده فقد أربت على المائة ومنها ما بلغ المائتين، لكن هذا الإكثار لم ينقص من قوة القصيدة ولا حطّ من متانتها وسبكها وقوة نسجها.
ومن جميل ما قال مادحًا:
مثـل مـاء الغـمـام يَـنْــدى شـبـابًا
وهــو فــي حُـلَّتَــيْ تَــوَقٍّ ونُســْك
يطــأ الأرضَ فــالثّرى لؤلـؤ رَطْ
بٌ ومــاءُ الــثرى مُجاجَـةُ مِسـْـك
وقد استثمار اضطراب الأوضاع في بلاد الأندلس غضب الشاعر، فدعاهم إلى توحيد صفوفهم فقال:
أسفي على الأحرار قل حفاظهم
لـو كان يجـدي الحـر أن يتأسفـا
يا ويلـكـم أفمـا لكـم مـن صارخ
إلا بـثـغــر ضـاع أو ديـن عـفـا
حتى لقـد رجفـت ديـار ربيـعـة
وتزلزلت أرض العراق تخوفا
والشـام قد أودى وأودى أهلـه
إلا قـليـلًا والحجـاز على شفـا
تميز شعر ابن هانئ بجمال الألفاظ، حيث ينتقيها بعناية، وفخامة المعاني وروعتها، والتي تعبر عن حالات نفس الإنسان وظروفه المعيشية، فكان في شعره كأنما يحاكي البشر والشجر والجبال والجمال، واستطاع أن يخلق بنفسه حالة من حالات التأمل النفسي، وحاكى بشعره شعر الأقدمين، كما اهتم بروح المرأة وجمالها الأخّاذ الذي يسلب القلب والفؤاد في إطار الاحتشام، كما نظم في شتى الفنون الشعرية.
وقد لاحظ أبو العلاء المعرِّي شغف ابن هانئ بالغريب والألفاظ ذات الصخب الشديد، وعدّ ذلك من عيوب شعره حيث قال: (ما أشبهه إلا برحًى تطحن قرونًا).
ومن جميل غزله يقول:
الـمـشـرقـات كأنـهـن كــواكــب
والـنـاعـمـات كـأنهـن غـصـون
أدمى لها المرجان صفحة خـدهِ
وبكى عليهـا اللـؤلـؤ المـكـنـون
أعدى الحمام تأوّهي من بعدهـا
فـكـأنـه فـيـمـا سـجـعــن رنـيـن
أما رثاؤه فتقليد ونظرات سطحية تكاد تخلو من الابتكار الشعري كثير التشابيه كأي شاعر أندلسي خال من العاطفة الفياضة إلا بعضها، ومما يتبين أنّه كان ينظم الرثاء تكسبًا للعيش لا لتأثير الرثاء عليه، إلا أن بعض قصائده جاءت قوية السبك شديدة الموسيقى صعبة الألفاظ.
يقول في أحوال الناس:
إنّا وفـــــــــــي آمال أنفسنـا
طول وفي أعمارنا قصــــر
لنرى بأعيننا مصارعنــــــا
لو كانت الألباب تعتبــــــــر
ممّا دهانا أنّ حـاضـــــرنـا
أجفاننا والغائـب الفكــــــــر
فإذا تدبرنا جوارحنـــــــــا
فأكلّهنّ العين والنظـــــــــر
لو كان للألباب ممتحــــــن
ما عدّ منها السمـع والبصـر
أما هجاء الشاعر فقد كان اعتماده على تشويه معالم الصورة وتكثير تشبيهها، ولنا وقفة مع وصف الطبيعة، الذي لطالما نظم فيه شعراء الأندلس، ومن ذلك قوله:
ألُـؤلُــؤٌ دَمْـعُ هــذا الغـيْـــثِ أم نُــقَــطُ
مــا كـان أحْـســنَـهُ لــو كـان يُلـتَـقَــطُ
بيـنَ الســّحـابِ وبيـنَ الريـحِ مَلحمَــةٌ
قعــاقِـعٌ وظُــبىً فــي الجــوِّ تُخْتَــرَطُ
كــأنّهُ ســاخِطٌ يَرضــى علــى عَجَــلٍ
فمــا يــدومُ رِضًــى منــه ولا سـَخَـط
وفي الحكمة يقول:
ألا كــــلُّ آتٍ قـريــــبُ المَـــدى
وكـــلُّ حيـــاةٍ إلـــى مُـنْــتَـهَـــى
ومــا غَــرّ نَفْسًــا ســوَى نفسـِهـا
وعُمْـرُ الفـتى مـن أمـاني الفـتى
فأقْصــَرُ فــي العيــنِ مـن لَفْتَـةٍ
وأسـرَعُ في السـمع مـن ذا ولا
ولــم أرَ كــالمرْءِ وهـو اللـبيبُ
يــرَى ملء عيْنَيْــه ما لا يُـرَى
ولـم أجِـد الإِنسـانَ إِلا ابـن سعيِـه
فمن كان أسعى كان بالمجدِ أجدرا
وبالهمةِ العليـاءِ يرقـى إِلى العـلا
فمن كان أرقى هِمَّـةٍ كان أظهـرا
ولـم يتـأخـرْ مـن يـريـد تـقـدمًـا
ولـم يـتـقـدمْ مــن يـريـدُ تـأخـرا