إعداد: سارة الأنصاري
ليست العيون مجرّد نوافذ تطلّ منها الروح، بل هي الأبواب التي تفتح القصيدة على دهشةٍ لا تُغلق.
إنها لا ترى فحسب، بل تقول ما يعجز عنه اللسان، وتُصغي لما لا يُقال.
في عالم الشعر، لا يُقال “رأيتُ عينيها”، بل يُقال: “ذُبتُ فيهما”، كأنّ العيون أفقٌ من المعنى، وميناءٌ تهوي إليه سفن الوجد.
تُخفي العيون في بريقها خريطة الشوق، وتبوح في رمشها بما لا تقدر عليه الرسائل.
هي ليست ملامح، بل ما وراء الملامح… لغة الحزن في صمت، وصوت الحب إذا احتبس الكلام.
ومن المعلقات إلى الموشحات، ومن امرئ القيس إلى نزار، ومن الخنساء إلى فدوى طوقان، ظلّت العيون بيتًا أول في القصيدة وآخر في الوداع.
جاء ذكرها في القرآنُ الكريم، وهو أفصحُ من نطق، قد أتى عليها في مشاهدَ شتى، فمرَّ بها وهي تُراقب، ومرَّ بها وهي تُحفظ، ومرَّ بها وهي تُحسد، فقال جلَّ من قائل:
﴿وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
فظننتَ أنك في مأمنٍ إن كنتَ في عينِ الله، ثم عاد يقول في مشهدٍ آخر:
﴿وَإِنْ يَكَادُ الذينَ كفروا لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم﴾
فترى كيف تُزهقُ الأرواحُ بالنظر، ويَذهلُ النبيلُ بنظرةٍ من حسود، وتَذبلُ الزهورُ من شررِ العيونِ قبل أن تُقطف.
وقد علمَ العربُ أن العيونَ ليست كباقي الجوارح، فسبكوها في عقدِ أشعارِهم، وزرعوها في مروجِ استعاراتِهم، وجعلوها سحرًا يُبيحُ ويجتاحُ، وقد قال قائلهم:
وإنِّي لأهوى النومَ في غيرِ حينِهِ
لعلَّ لُقاها في المنامِ يكونُ
تسحرُ عينيها العِظامُ إذا بدا
سُهَادٌ، وفي جفنِ المحبِّ سُجونُ
فانظر كيف تُسجنُ العيونُ في الجفون، وكأنَّ النظراتِ جُنودٌ تُقادُ وتُقيد، ويُخشى منها كما يُخشى من السيوفِ المهندة!
وحين تُصاب القلوب بالفقد، تصبح العيون أول من ينطق بالغياب.
ونرى ذلك في رثاء الخنساء لأخيها صخر، فتقول:
قذى بعينكِ أمْ بالعينِ عوَّارُ
أمْ ذرَّفتْ إذْ خلتْ منْ أهلهَا الدَّارُ
كأنّ عيني لذكراهُ إذا خَطَرَتْ
فيضٌ يسيلُ علَى الخدَّينِ مدرارُ
تبكي لصخرٍ هي العبرَى وَقدْ ولهتْ
وَدونهُ منْ جديدِ التُّربِ أستارُ
ولم يكن الشعراءُ بغافلين عن سطوةِ النظرة، وسلطانِ الحدقة، فكم نظرةٍ أورثت همًّا، وكم دمعةٍ أجّجت لوعة!
في العصر الحديث، اتخذ محمود درويش من العين مرآةً للنكبة، وجعلها نافذةً تُطل على وطنٍ مكسور:
عيناكِ نافذتان من صمتِ الجليل…
العيون في شعره ليست أداة بصرية، بل رمز لهوية مهددة، وحنينٍ لا يُرجع ما مضى.
وفي دراسة حديثة بعنوان: Your Eyes Is a Thorn in the Heart (عيناك شوكة في القلب)، توصف العيون في شعر درويش بأنها ألمٌ مقدّس، لا يُنتزع، بل يُعاش، وتزداد قداسته مع الزمن.
وصف أمير الشعراء أحمد شوقي العيون فقال :
عيناكِ بحرٌ والجفون شواطئٌ
والهدبُ خَلقٌ حولها عشاقُ
فكأن عيونها بحر وجفونها شاطئ ذلك البحر، أما أهدابها فهي خلقٌ كثر ازدحموا ليتأملوا جمال تلك العيون.
أما نزأر قباني فقد قال في عيون محبوبته:
وعيناك داري ودار السلام
وأنت البداية في كل شيء ومسك الختام.
قال إدريس جمّاع:
والسّيفُ في الغمد لا تُخشى مضاربهُ…
وسيف عينيكِ في الحالينِ بتّارُ
كلما نظرت إلى عينيك، نسيت آلامي وأحزاني. في قصيدة العيون السود يقول إيليا أبو ماضي: ليت الذي خلق العيون السودا
خلق القلوب الخافقات حديدا
لولا نواعسها ولولا سحرها
ما ودّ مالك قلبه لو صيدا
عوّذ فؤادك من نبال لحاظها
أو مت كما شاء الغرام شهيدا
والعربُ إذا أحبوا رمقوا، وإذا كرهوا احتقروا بالنظر، وإذا خافوا نظروا بأطرافِ عيونهم، وإذا اشتاقوا بكوا من مآقيهم، فكيف لا تكونُ العينُ مِفتاحَ كلِّ شعور، ومِرسالَ كلِّ حبٍّ وحُزنٍ وخوفٍ وأمل؟
أما في الشعر الشعبي حين تتكلم العيون، تظل رسولًا للودّ، ومحرابًا للعتب، كما في قول الشاعر سعود سالم:
سلِّم عليّا بعينك إن كان بخلتْ إيدينك
كل اللي بيني وبينك زعْلة وتمر وسلام
العتب هنا لا يُقال، بل يُلمَح في النظرة، العيون تصبح لغة الصلح حين تعجز الأيدي عن المصافحة.
غنّى هذه الكلمات فنان العرب محمد عبده، فخرجت الأغنية بحسّ دافئ، يلخّص مشاعر الخليج كله، ولحنها محمد شفيق ببصمته العاطفية الرفيعة، فبدت كما لو أنها قصيدة مطرّزة بالرمش والدمع.
لعلّ العيون كانت أول بيت سكنته القصيدة، لا لأنها ترى، بل لأنها تشعر، وتُلهِم، وتُسائل.
في كل نظرة خُلقت قصة، وفي كل رمش غفت قبلة، أو مأساة، أو وطن.
العيون ليست فقط أداة للرؤية، بل ذاكرة للمعنى، ومحراب للوجدان.
فهل نُبالغ أعزائي القراء إذا قلنا إن كل الشعر، في جوهره، هو محاولةٌ لأن نكتب ما لم تُقله نظرة؟!
التعليقات