5
0
10
0
8
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12142
0
9579
0

هناء الأسلمي *
يأتي يوم البريد العالمي في كل عام من شهر أكتوبر؛ حتى يذكرنا بقيمة الرسائل ومكانتها.. ويأتي السؤال: هل تغيرت القيمة الشعورية للرسائل بسبب سيطرة الوسيلة الإلكترونية على الورقية؟
حتى نصل لإجابة لا بد من تتبع تاريخ الرسالة على مدى العصور، وتتبع معانيها ومرادفاتها. الرسالة لها معاني ومترادفات كثيرة قد ذكرت في المعاجم، فقد اشتق لفظ الرسالة لغة من رسل، وهذا المعنى له مدلولات كثيرة، منها: أن الرسل هي القطيع مثل قولهم: جاءت الخيل أرسالًا أي قطيعًا.
ثم تطور هذا المدلول من معنى حسي إلى معنوي، وتعددت مرادفاته اللفظية، كقولهم: ترسل الرجل في كلامه ومشيه، أي تمهل وتأنى.. أما اصطلاحًا؛ فقد اختلف مدلولها من عصر إلى آخر، في الجاهلية كان يراد به ما يؤديه الرسول إلى المرسل إليه، عن طريق رواية الخبر والإبلاغ الشفهي.. ثم تطور فكان يرادف معنى كتاب، كقول بجير إلى أخيه كعب: “إذا أتاك كتابي هذا فأسلم وأقبل إليه”.
أما الرسالة في مفهومها الأدبي فهي تطلق على ما ينشئه الكاتب في نسق أدبي بديع، لأي غرض من الأغراض، ويتم توجيهها إلى شخص آخر.. وكان أدباء العرب والغرب يطلقون لفظ الرسالة حتى على القصائد الشعرية؛ مثل ما ورد في معلقة زهير بن أبي سلمى “ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة”.
تعد الرسائل من الفنون الأدبية القديمة، ففي العصر الجاهلي كانت هي الرابطة التي تجمع القبائل العربية، إما لطلب المساعدة، أو لإعلان التحالفات، وتناقل الأخبار.. ثم حين ظهر الإسلام أصبحت أداة لنشر الدين، كرسائل النبي عليه السلام إلى النجاشي، وكسرى فارس، وهرقل الروم.. وفي العصر الأندلسي نشأ نوع من الرسائل يسمى بالرسائل الزرزورية وهي: نوع أندلسي خالص النشأة، وقد ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالبيئة الأندلسية المحلية، فهو عبارة عن مجموعة من الرسائل التي تصور بعض مظاهر الحياة الاجتماعية، بأسلوب ساخر، وأوّل من كتب فيها الوزير أبو الحسين بن سراج.. ثم مع تجدد العصور تعددت الأغراض التي تستخدم فيها الرسالة، من سياسية، ودينية، واجتماعية، إلى علمية، وفلسفية، وشعرية، وشخصية.
نأتي إلى أبرز الرسائل التي حضرت في الأدب العربي والغربي، منها:
رسالة التربيع والتدوير لأبي عثمان الجاحظ، التي تعد من أشهر رسائله، والمدونة في كتاب هجائي، كتبه على شكل رسالة يخاطب فيها رجلًا يدعى أحمد بن عبدالوهاب، وفيه الكثير من الإسقاطات المجتمعية المكتوبة بأسلوب ساخر.
أيضًا رسائل يحيى حقي الكاتب والروائي المصري، إلى ابنته نهى، جمعتها ابنته نهى في كتاب وشاركها الكتابة فيه تلميذه إبراهيم بن عبدالعزيز، وكتب مقدمته الأديب نجيب محفوظ. ومن يقرأ رسائله إلى ابنته يلاحظ فرادتها؛ من حيث البساطة، والحميمية، وروح الأبوة المتمثلة في توجيهه، وإرشاداته لها.. مثل قوله:
“إنني أمقت الإنسان الذي يتكلم من لسانه، وليس من قلبه، يقول بلسانه شيئًا، ويضمر فى قلبه شيئًا آخر، يتحدث ولا يحس بما يقوله، إن هذا هو الرياء الاجتماعي، أنا لا أطلب منك أن تكوني فظة أو غليظة، أو قليلة الذوق، لكن على الأقل تعبرين عما تشعرين به”. نذكر أيضًا رسائل الشاعر الدمشقي نزار قباني، التي دونها في كتاب أسماه (١٠٠ رسالة حب)، ووصف رسائله بقوله: “فيها شيء كثير من قماشة الشعر وبعضها شعر حقيقي”، يقول نزار:
“رسائلي إليكِ..
تتخطاني.. وتتخطاكِ”، وفي قوله هذا برهان على أن للرسائل قيمة شعورية، تتخطى كونها أحرف متراصة وكلمات متقابلة.
أيضًا من رسائل الأدب العربي، الرسائل التي كانت بين الأريب عباس العقاد، والأديبة الاستثنائية مي زيادة، رسائلهما التي كانت انعكاسًا لروح الأدب والفن في ذلك العصر.. والرسائل بين محمود درويش وصديقه سميح القاسم.. والرسائل بين عبدالرحمن منيف ورفيقه مروان قصاب.
حتى في الأدب الغربي كانت الرسائل حاضرة بقيمتها الاستثنائية.. منها رسائل فرانز كافكا إلى محبوبته ميلينا، ورسائل ميلينا إليه التي وصفها بأنها قادرة على تغيير حالته الشعورية، وقد اتضح ذلك في رده على إحدى رسائلها، حين قال: “أنا أكثر هدوءًا الآن مما كنت عليه قبل ساعتين، عندما كنت أقرأ رسالتك، على مقعدي في الشرفة.. فبينما كنت أستلقي هنالك، سقطت خنفساء على ظهرها أمامي، على مسافة ياردة من مكاني، وبدا عليها اليأس لعجزها عن أن تعتدل، ووددت أن أساعدها، فقد بدا لي ذلك سهلًا، خطوة واحدة أخطوها، ودفعة بسيطة، كانت ستنهي المشكلة، لكننى نسيتها بسبب رسالتك”.. أيضًا المراسلات بين الفيلسوف ديكارت والأميرة إليزابيث البالاتيناتية، التي تضمنت مواضيع فلسفية، وسياسية واجتماعية، وغيرهم من النماذج.
كان هذا التتبع المقتضب من تاريخ الرسائل؛ للدلالة والتذكير بمدى تأثير الرسالة على حالة المتلقي الشعورية؛ فهي تحتوي على ميزات، لا نجدها في الرسائل الإلكترونية، حتى وإن كانت الرسالة الإلكترونية قد تفوقت في مسألة سرعة وسهولة الوصول للمرسل إليه، لكنها مع ذلك قد أخلت بجودة المضمون، وأسلوب وجزالة البيان، وإحكام الصياغة، وما يرتبط بها من فرادة خط كاتبها، ورائحة عطره.. فهل لنا أن نعود إلى ظلال الورق؟
*كاتبة سعودية