9
0
11
0
18
0
26
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13596
0
13440
0
12273
0
12169
0
9619
0

أبوبكر بن مخاشن *
الحمد لله الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه يُرجع الأمر كله.
كان اليوم ثقيلًا كأنَّ الزمنَ قد توقَّف عن السَّير، وغَشِيَ البلادَ سحابٌ من الهمِّ والكآبة.. فخرجتُ كعادتي ألتمسُ في الطبيعةِ ما يَسُرُّ الخاطر، ويُنعشُ الروح. لكن الأجواءَ كانت مكظومةً، كأنَّها صدرٌ حبيسُ الأنفاس، والحرُّ لافحٌ كلهبِ الجحيم، والرطوبةُ تخنقُ الأنفاس.. فلا ظلَّ يروق، ولا منظرٌ يسرُّ، فكدتُ ألوذُ بسيارتي هاربًا من هذا السَّأم.
فجأةً.. يا للعَجَب! كأنَّ حوريةً هبطت من السَّماء السابعة، أو كأنَّ نجمًا انقطع عن العَنقودِ فتدلَّى! تغيَّرَ الجوُّ بلمح البصر، وانقلبَ الكدرُ إلى صفاء، والظلامُ إلى ضياء. يا سبحانَ مقلِّبِ القلوب والأبصار!
إذْ بفتاةٍ شرقيةٍ، كأنها قِطعةٌ من القمر، أو زهرةٌ نادرةٌ من بساتين عُمان.. عيونٌ كعيون المها، تُذهلُ الناظرَ وتُسكره، وبشرةٌ قمحيةٌ تشرقُ كالشمس في رابعة النهار.
نظرتْ إليَّ بنظرةِ اندهاشٍ وفضول، وأنا أقفُ مشدوهًا لا أطرفُ جفنًا، كأني واقفٌ بين الخيالِ والواقع.. فقلتُ في نفسي: يا ليتَ الزمنَ يتوقفُ عند هذه اللحظة!
ثمَّ اقتربتُ منها، وكلي شجونٌ وأحلام، وسألتها: “هل أنتِ من أهل المكلا أو ضواحيها؟” فأجابتْ بصوتٍ ملوكيٍّ عذب: “بأي صفةٍ تسأل؟”.
فقلتُ بقلبٍ خافقٍ: “أنا الضائعُ في خريطةِ جمالك، التائه في مدينةِ أحلامك.. لا أعرفُ من أكون ولا من أينَ أتيت. .كلُّ ما أعرفه أنكِ يا سيدةَ النساء، وأني أبحثُ عن ظلي تحتَ ضوئك”.
فردتْ قائلةً، وكلماتها كالسهام: “أيًّا كان ما تقوله، فأنت لا تعدو أن تكون رجلًا من الشارع، فاحترمْ نفسك!”.
فأجبتُها بانكسارٍ مُتَّقد: “لقد فقدتُ كرامتي منذُ أن وقعتْ عيناي عليكِ.. فمهما قلْتِ، فأنتِ أعجوبةٌ طاغية، خلقتِ في هذا الكون الواسع لتُذهلي العقولَ الأبصار”.
فلما سمعتْ ذلك، ابتسمتْ ابتسامةً كأنها فجرٌ يتنفس، وقالتْ: “ألا تخشى أن يلمَّ بكَ أحدٌ من المارة؟”.. فقلتُ بثقةٍ تغمرُ روحي: “وكيف أخافُ وأنا أمامَ معجزةٍ إلهية؟ لو نزلَ عليَّ أشدُّ العذاب، فصمتي أمامكِ كفرٌ بجمالٍ ربانيٍّ يستحقُّ التسبيح!”.
فتوردتْ وجنتاها خجلًا، وزادها الحياءُ بهاءً وحسنًا.. حتى جعلتْ ذلك الشارعَ العادي كأنه من شعاعِ النجوم، يفوقُ بهاءً شوارعَ هوليوود وهونغ كونغ وشرق فرنسا وإيطاليا.. ويضيءُ كأنه جنةٌ معلقة.
ثم تقدَّمتْ خطوتين، وهمستْ بكلماتٍ كالعسل: “ما اسمك؟” فقلتُ بتوترٍ يعصرُ قلبي: “أبوبكر”.. فقالتْ: “لعلها صدفةٌ، لكنها أجملُ صدفةٍ في حياتي”.
فاجتمعتْ قواي وسألتها: “وما اسمكِ أنتِ؟” فأجابتْ بصوتٍ كخريرِ الماء: “اسمي مُهرة”.
فجأة.. رنَّ المنبه! فانتبهتُ من حلمي، وكأنما انكسرَ سحرُ العالم من حولي.. لكن قلبي ظلَّ يرفرفُ فرحًا، كأني عشتُ لحظاتٍ من الجمالِ الخالد.
فكيف كان شعوركم وأنتم تنتقلون معي بين المحطات؟ هل سيتحققُ ذلك الحلمُ الذي أشبهَ بالخيال؟ لا يزالُ اسمُها يدوِّي في أذني: مُهرة… فهل ألقاها يومًا؟ أسألُ اللهَ الذي جمعني بها في عالم الأحلام أن يجمَعني بها في عالم الأيام.
لعلَّها تأتي ذاتَ يومٍ، فتُشرقُ الدنيا بهجةً وسعادة..
والحمد لله رب العالمين.
*كاتب يمني