مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

بقلم: علي نفنوف التشكيلية السعودية مهدية آل طالب رواية لملامح الإنسان المعاصر في …

سريالية سردية.. مهدية أبو طالب

منذ 6 أشهر

182

0

بقلم: علي نفنوف

التشكيلية السعودية مهدية آل طالب
رواية لملامح الإنسان المعاصر في نعيق الغربان
حين وقفت أمام هذه اللوحة، شعرت أنني أمام حكاية غامضة تتكشف ببطء.. توقفت لحظة وقررت أن أقرأها بعيني وبثقافتي، لعل قراءتي تلتقي مع ما تشير إليه الفنانة أو تتقاطع مع عوالمها الداخلية.. فاللوحة ليست مجرد صورة صامتة، بل هي نص مفتوح على التأويل يتيح لكل مشاهد أن يكتب حكايته الخاصة من خلال تفاصيلها.
الفنانة السعودية مهدية آل طالب تمتلك تجربة لافتة في إنتاج الحكايات البصرية الحية.. أعمالها لا تقدم الفكرة جاهزة ولا تسلم المعنى للقارئ تسليمًا مباشرًا، بل تتركه يبحث ويؤول ويتساءل.. هي لا تقدم وجبة سريعة تقرأ دفعة واحدة، بل رحلة طويلة تتكشف طبقاتها مع الوقت وتزداد غموضًا كلما أوحت بالرمز أكثر.. أسلوبها قائم على الرمزية والسريالية معًا، تروي قصصها عبر لغة اللون الواحد أو عبر تدرجات متقاربة تتناغم فيما بينها لتخلق حالة شعورية متماسكة.. تضع المتلقي في قلب القصة وما يميزها أنها لا تكتفي بتصوير المشهد، بل تمنحه أبعادا نفسية وفلسفية تجعل اللوحة مسرحًا حيًا للخيال والأسئلة الوجودية.
تنتمي هذه اللوحة إلى السريالية الرمزية المعاصرة.. حيث تتجسد عناصر الحلم واللاوعي في تكوين بصري يفيض بالرموز والإشارات.. بعيدًا عن الواقعية المباشرة أو التعبيرية الانفعالي، فهي لوحة تحمل رؤية عميقة للإنسان في زمن يعيش فيه بين التكرار والاغتراب وفقدان الهوية.
تحكي اللوحة مشهدًا لنساء خمس متشابهات حتى التطابق وجوههن مكررة وأجسادهن جلست في صف واحد.. كأنهن استنساخ متكرر لإنسان فقد فرديته وتفرده، تحمل كل امرأة غرابًا أسود يحوم بين يديها مثل رسول غامض يذكر بالموت والقدر والنبوءة.. تظهر الرؤوس من فتحات في الأعلى بينما تستقر الأجساد في الأسفل في مشهد يوحي بالانفصال بين الفكر والجسد وبين الروح والواقع.. ومن الأعلى تتدلى كائنات هجينة وأقنعة تشبه مناقير الطيور كأنها أشباح خفية تراقب المشهد من عالم آخر.. أما المصابيح المعلقة فوق الرؤوس فقد انطفأ نورها لتتحول إلى رموز للصمت والعجز عن الوصول إلى الحقيقة.
ألوان اللوحة تلعب دورًا محوريًا في بناء الحكاية، فقد اختارت الفنانة ألوانًا باهتة مائلة إلى الأخضر والرمادي لتعطي إحساسًا بالبرودة والرهبة.. فيما تكسر الأحذية الحمراء للنساء والطيور السوداء هذا السكون بحدة لونية تلفت الانتباه وتثير القلق في الوقت نفسه.. إنها لعبة توازن بين الغموض والوضوح بين الظل والضوء وبين الحياة والموت.
الرموز النفسية والفلسفية في اللوحة واضحة ومتعددة.. تكرار الوجوه يكشف عن فقدان الهوية في عالم يستنسخ البشر ويذيب خصوصيتهم.. الغربان ترمز إلى الغموض والمصير الحاتمي.. المصابيح المطفأة توحي بغياب الإلهام والمعرفة، أما الكائنات المعلقة فهي أشباح اللاوعي التي تثقل الذاكرة الجمعية بالخوف والقلق.. كل عنصر في اللوحة ليس مجرد تفصيل زخرفي، بل هو مفتاح لمعنى أعمق يتجاوز حدود المشهد.
إن هذه اللوحة ليست عملًا منفردًا.. بل تأتي ضمن سلسلة أعمال للفنانة مهديه آل طالب تحمل عنوان نعيق الغربان، حيث اختارت الفنانة أن تجعل من الغراب بطلًا رمزيًا يعبر عن الموت والغموض والقدر، وعن ذلك الصوت الخفي الذي يرافق الإنسان في رحلته بين الحياة والفناء.. في هذه السلسلة تواصل الفنانة بناء عالمها السريالي الرمزي عبر مشاهد تعكس فقدان الهوية وتكرار الوجوه وتكشف عن المسافة الموحشة بين الفكر والجسد والروح والواقع.
سلسلة نعيق الغربان تضع المشاهد أمام تجربة بصرية وفكرية تتجاوز حدود التذوق الجمالي.. لتصبح مساحة تأمل نفسي وفلسفي يواجه فيها الإنسان أسئلته العميقة عن المصير والهوية والمعنى وتبرهن أن الفن في صورته المعاصرة ليس مجرد ألوان وخطوط.. بل هو لغة تكشف اللاوعي وتفكك صمت الواقع وتضيء الجانب المظلم من التجربة الإنسانية.
#علي_نفنوف
#مهدية_آل_طالب
#فن_عربي
#فن_سعودي

‏Mahdih Al-Talib

من أعمال الفنانة والنحاتة
جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود