9
0
11
0
18
0
26
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13596
0
13440
0
12273
0
12169
0
9619
0
نجود حسن *
منذ فجر الشعر كان القلق رفيقًا ملازمًا للشاعر يسير معه كما يسير ظله، ويصنع داخله صراعًا لا يهدأ بين ما يشعر به وما يستطيع قوله.
هذا القلق ليس مرضًا عابرًا، بل هو جزءٌ من البنية الداخلية للشاعر من طينته الأولى، من اشتباكه مع العالم، مع اللغة ومع ذاته.
الشاعر قلق لأنه يرى أكثر يشعر أعمق ويتألم بصمت، إنه لا يكتب القصيدة إلا وهو مأخوذ بهاجس أن ما يكتبه لا يُشبه ما يختلج في صدره؛
لذلك كثيرًا ما نجد الشعراء يلعنون القصيدة بعد كتابتها ويشككون في جدوى الشعر أصلًا، بل وينكرون على أنفسهم لقب “شاعر” في لحظات الانكسار.
قلق الشعراء يتجلى في صور متعددة:
هو قلق وجودي أمام العالم، حيث يشعر الشاعر بأنه لا ينتمي إلى هذا الواقع الصلد.
وهو قلق فني.. إذ يخشى أن يكون عاجزًا عن كتابة قصيدة تليق بما يحمله من رؤى.
وهو قلق داخلي.. يدور بين الشعور بالامتلاء الشعري والفراغ العاطفي، بين الرغبة في البوح والخوف من أن يُقال كل شيء ويبقى الجرح.
كثير من الشعراء تحدّثوا عن هذا القلق..
يقول المتنبي:
على قلقٍ كأن الريح تحتي
أوجهها جنوبًا أو شمالا
يصوّر المتنبي قلقه تصويرًا حسّيًا نابضًا بالحركة، فشبّه حاله بالراكب الذي تجري الريح تحته، لا يستقر على جهةٍ ولا قرار في حركة دائمة تُوحي بالاضطراب.
فالريح ليست ريحًا حقيقية، بل رمزٌ لما يختلج في نفسه من دوافع متعارضة وأفكار متقلبة، كأن نفسه ميدان لرياح تتنازع الاتجاه.
إذ يوهم المتلقي بقدرة الشاعر على توجيه الريح، لكنه في الحقيقة يُظهر عجزه عن توجيه ذاته أو مصيره، فتنقلب القدرة الموهومة إلى عجزٍ حقيقي، في مفارقةٍ فنيةٍ تعبّر عن عمق القلق الإنساني.
أما قلق سيد البيد، فالمفردة الشعرية عند الثبيتي تكشف عن قلق البدوي في رؤيته للحياة، قلقٍ يتجسّد شعريًا في تكثيف اللغة اليومية وشحذها بدلالات جديدة فتغدو الكلمة العادية عنده محمّلةً بطاقة رمزية وشعورية متفرّدة تُعبّر عن توتر الوجود ودهشة الاكتشاف في آنٍ.
يقول محمد الثبيتي:
قصائدي أينما ينتابني قلقي
ومنزلي حيثما ألقي مفاتيحي
ويقول الشاعر العراقي زكي العلي
لا أعرف ما اتَّفق الناسُ عليه
من تعريفٍ للشِّعر لكنه عصفورٌ قلقٌ
يجوبُ أزقةَ روحي، عشرةُ ثرثارينَ
يتكلمون في رأسي دفعةً واحدةً.
هنا يقدّم الشاعر تعريفًا شخصيًّا للشعر، لا عبر المفهوم بل عبر الإحساس، إذ يجعل الشعر كائنًا حيًّا مضطربًا، “عصفورًا قلقًا” يحلّق في أزقة الروح صورة تجمع بين الرهافة والاضطراب، بين الجمال والاختناق.
أما قوله “عشرةُ ثرثارينَ يتكلمون في رأسي دفعةً واحدة” فهو انتقال بارع من الصورة الخارجية (العصفور) إلى الصورة الداخلية (الضجيج الذهني)، ليُجسّد القلق الإبداعي الذي يعيشه الشاعر حين تتصارع بداخله الأصوات، الأفكار، والمشاعر، وكلّها تطالب بالتحوّل إلى قصيدة.
وحقيقة في عالم الشعر لا يكفي أن تكتب لتكون شاعرًا، فالشاعر بخلاف غيره من الكُتّاب يعيش في ظل قلق دائم، قلق يُولَد من صراع داخلي بين الرغبة في التعبير والخوف من العجز عن القبض على المعنى الهارب، هذا القلق ليس ضعفًا بل هو المحرّك الأول للعملية الإبداعية، وهو ما يمنح القصيدة نبضها الصادق.
١_ قلق الهوية الشعرية:
يبدأ قلق الشاعر منذ لحظة وعيه بذاته كشاعر: من أنا لأكتب؟ هل ما أكتبه شعر؟ وهل لي صوت حقيقي وسط هذا الضجيج؟ هذه الأسئلة تُلاحق الشاعر في بداياته وغالبًا ما تظلّ تسكنه حتى بعد نضجه، لكنها تتبدّل من خوف من السقوط إلى حرص على التفرّد.
٢_ قلق التأثير والخلود:
يحلم الشعراء بأن يُخلَّدوا عبر كلماتهم، أن تُخلّدهم أبيات مثلما فعلت الخنساء أو المتنبي أو السيّاب، لكن في زمن التسارع الرقمي يخاف الشاعر من أن يُبتلع صوته وسط سيل النصوص المتشابهة، فيكتب وهو يتساءل هل ستبقى قصيدتي بعد أن أفنى؟ هذا القلق لا يثنيه بل يدفعه إلى تهذيب نصه وتكثيفه لعلّ شيئًا منه يُقاوم النسيان.
٣_ قلق اللغة:
اللغة أداة الشاعر الوحيدة كثيرًا ما تخونه. فالمعاني تتكاثر، لكن المفردات تضيق والتراكيب تتهالك تحت وطأة الرتابة، هنا ينشأ قلق آخر: هل ما كتبته يعكس ما أردت قوله حقًا؟ ألهذا يلجأ الشعراء إلى المجاز؟ إلى الرمز؟ ألهذا يكتب بعضهم نصًا تلو الآخر، لا ليرضى، بل ليواصل المحاولة؟
٤_ قلق المعنى:
الشاعر لا يكتب ليصف العالم كما هو، لذا يرافقه قلق المعنى، إنه لا يرضى بالظاهر بل ينقّب خلف الحروف بحثًا عن الجوهر، عن لحظة إشراق تنبثق من بين السطور، عما يسميه المتصوّفون بـ”الدهشة الأولى” أو “الفيض”.
أخيرًا:
قلق الشعراء ليس خوفًا، بل حدسٌ شفيف بأنّ الكلمة قد تخون، وأنّ المعنى مهما برق لا يكفي اتساع القلب أو ثقل التجربة.
هو قلق من الفوت، من أن تمر لحظة الشعر دون أن تمسكها اللغة، قلق من الصمت حين يتكاثر على حواف القصيدة، ومن الضجيج الذي يبدد النبرة النادرة داخله.
هم لا ينامون على المعنى
بل يسهرون على جمرٍ من احتمالات
يسائلون البيت والوزن
ويخشون ألا يجيء المجاز في موعده
قلقهم هو اليقين الوحيد
أنّ الشعر لا يكتب.. بل يُكتَب بهم.
*كاتبة سعودية