9
0
11
0
18
0
26
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13596
0
13440
0
12273
0
12169
0
9619
0

محمد العميسي *
من الحتميّة أن يحرص التأريخ على توثيق النماذج الملهمة من الناس، أينما كانوا، وحيثما تواجدوا، ومهما كانت جذورهم ومنابتهم. فالتأريخ لا ينحاز إلى مكانٍ ولا يسير خلف الأسماء بقدر ما يتتبع الأثر الذي تركه الإنسان في محيطه وفي مسار الحياة. لذا، لا تزال صفحات التأريخ مفعمة بقصص أولئك الذين آمنوا بأن للحياة معنى يتجاوز حدود اللحظة التي يعيشونها، فارتقوا بذواتهم، وواجهوا ضعفهم، وصاغوا مسارهم بوعيٍ وإصرار.
نقرأ اليوم مثلًا عن شخصيات مُلهمة في القرون الأولى من البشرية، عن روّاد تفكير، وعن فلاسفة ومصلحين ومحاربين وشعراء، وعن أشخاص عاديين لم يحملوا لقبًا لامعًا، لكنهم حملوا رسالة، فخلّدهم التأريخ؛ لأنها كانت أكبر من وجودهم الزمني. ونقرأ أيضًا عن نماذج ملهمة في العصور المتأخرة، ممن أحدثوا تغييرات في العلم والمعرفة والإنسانية. وفي جميع تلك السِيَر، نجد القاسم المشترك: أفراد اختاروا أن يقفوا في مواجهة مصيرهم، لا على قارعة الطريق يراقبون خطوات القدر وهي ترسم لهم خطوط العيش.
النماذج الملهمة لا تولد جاهزة، بل تنضج في أتون التجارب، وتتشكل من مواجهة الصعاب، ومن الإيمان بأن لكل إنسان قدرة كامنة يمكن أن تتحول إلى أثر إذا وجد لها الإرادة والوُجهة. وهؤلاء لا يَسيرون في الطريق لأنهم مميزون، بل يصبحون مميزين لأنهم ساروا في الطريق حتى نهايته. من هنا يأتي التأريخ، لا ليجاملهم، بل ليشهد لهم، ويقدمهم للأجيال بوصفهم علامات مضيئة على طريق الإنسانية الممتد حتى يوم القيامة، وفق معايير واقعية ومنطقية لا تُعطي المجد إلا لمستحقيه.
وأتساءل: ما دام الإنسان — أيّ إنسان — قادرًا على أن يتفوّق على ذاته، ومؤهّلًا لصناعة الاختلاف وإضافة قيمة إلى الحياة؛ فلماذا يختار كثيرون الانزواء؟ لماذا يفضل البعض الوقوف في زاوية بعيدة، يكتفون بالمشاهدة بينما الأقدار تُعيد تشكيلهم، بدل أن يتصدّوا هم لصناعة أقدارهم، ويعيدوا توجيه مسار حياتهم بإرادتهم؟
ربما يعود ذلك إلى الخوف، أو إلى شعور داخلي بالعجز تربّى في النفوس عبر السنين. وربما إلى القناعة الزائفة بأن النجاح حكرٌ على فئة معينة، وأن الإلهام ليس إلا نصيبًا ممن كُتب لهم الوهج. غير أن الحقيقة أبسط وأعمق؛ فالقدرة على التغيير ليست امتيازًا، بل اختيار. والإنسان حين يقرر أن يتحرك خطوة واحدة خارج مساحة خوفه، يكتشف أن الطريق ليس مُستحبسًا كما كان يتخيل، وأن أبواب الإنجاز تُفتح غالبًا لمن يطرقها، لا لمن يكتفي بتأملها من بعيد.
إن العالم اليوم بحاجة إلى مزيد من النماذج التي تؤمن بقدرتها على الإضافة، وإلى مزيد من القلوب التي لا ترضى بالفرجة على حياتها وهي تمرّ دون أثر. فالأقدار — مهما عظُمت — ليست قوة منفصلة عن الإنسان، بل جزء من تفاعله مع واقعه. ومن يملك الإرادة يستطيع أن يحول خطه الصغير في الحياة إلى جملة لا تُنسى في ذاكرة الزمن.
هنا يكمن الدرس الأكبر: ليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون بطلًا خارقًا، بل أن يكون صادقًا مع ذاته، وأن يفتح باب الأثر ليعبر منه.. فالتأريخ لا يسأل: من أين أتيت؟ بل يسأل: ماذا صنعت؟
* كاتب يمني