مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د. شاهيناز العقباوي* يُعدّ أدب اليافعين أحد أهم أنماط الكتابة الموجّهة للفتيان و …

أدب اليافعين.. وتعزيز روح الولاء والانتماء

منذ شهرين

67

0

د. شاهيناز العقباوي*

يُعدّ أدب اليافعين أحد أهم أنماط الكتابة الموجّهة للفتيان والفتيات الذين يقفون في المرحلة الفاصلة بين الطفولة والشباب؛ تلك الفترة التي تلامس حدود الحلم وتمهّد لبوابة الرشد. وقد نشأ هذا النوع الأدبي استجابةً لتحولات اجتماعية ونفسية وثقافية فرضتها حياة الأجيال المتعاقبة. ويمكن وصف أدب الناشئة بأنه الأدب الذي لا ينسجم تمامًا مع عالم الطفولة، ولا يستقيم إدراجه ضمن أدب الكبار، فهو أدب العبور من الطفولة إلى البلوغ؛ المرحلة التي تُبنى فيها الشخصية ويُهيّأ الفرد ليكون عضوًا فاعلًا ومشاركًا في المجتمع.

يتميّز أدب اليافعين باللغة المشوقة، والحوار الفني القريب من مشاعر هذه الفئة العمرية، مع تركيزه على موضوعات تتماس مع اهتماماتهم: البحث عن الذات، الصداقة، التحديات الاجتماعية والعاطفية. كما يستعين بالخيال العلمي والواقعية معًا لتقديم حلول لمشكلاتهم، وترسيخ مهارات حياتية، وصقل ذائقتهم الأدبية في مرحلة هي الأشد حساسية وتأثيرًا من حياتهم.

وقد برز أدب اليافعين في منتصف القرن العشرين بوصفه مرحلة متميزة من أدب الأطفال، مع تنامي الوعي بخصوصية هذه الفئة العمرية، واتساع دائرة الأعمال الفنية الموجهة لهم. وتميز بطابعه الخيالي والتعليمي، ولغته الملائمة، واهتمامه بالقضايا الوجدانية والعاطفية، إلى جانب تطوّره ليغدو نوعًا أدبيًا مستقلًا له تقنياته وأُطُره الخاصة، حتى خُصصت له جوائز عالمية مثل جائزة هانز كريستيان أندرسن.

ولم يكن ظهور أدب اليافعين حدثًا عابرًا، بل ضرورة حتمية لملء فراغ حيوي في حياة هذه الفئة المهمة. فهو يقدم لهم ما يحتاجون إليه بلغة ميسّرة، دون مباشرة أو وعظ، مع إفساح المجال لترسيخ قيم راسخة، من أهمها تعزيز روح الولاء والانتماء؛ وهي من أهم المحاور التي ينبغي الالتفات إليها عند الكتابة لهذه الفئة.

يعتقد البعض أنّ أدب اليافعين موجّهٌ لتحقيق أهداف أخلاقية أو تعليمية فحسب، بينما يتجاوز جوهره ذلك إلى هدف أسمى: بناء جيل واعٍ قادر على تغيير مستقبل أوطانه، ودفعها نحو آفاق أرحب من الازدهار. ولا يتحقق هذا الهدف صدفة، بل يقوم على أسس مدروسة تُرسّخ القيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية والتاريخية بطريقة غير مباشرة، عبر بناء قصصي جذاب، يقدم حلولًا متنوّعة ضمن رؤية واحدة: بناء متكامل يرتقي بالناشئة نحو الأفضل.

هذا السعي البنائي لا ينهض به المبدع وحده، لكنه يظل حجر الزاوية، إذ يضع لبنات العمل القصصي الأوليّة بما يحمله من أهداف واضحة وأخرى ضمنية، تُسهم في ترسيخ روح التغيير، وتغذية قيم التجديد، ودعم العمل الجماعي، والبحث الدائم عن الأفضل. وكل ذلك يوجه نحو إعداد شاب اليوم ليكون رجل المستقبل وصانع التغيير.

ويأتي أدب اليافعين مكمّلًا سائر عناصر بناء الشخصية، فهو يسعى إلى التكامل مع بقية المؤثرات في حياة الشاب، ويتبادل معها تأثيرًا إيجابيًا لتعزيز أفضل النتائج الممكنة. وبرغم إدراك الكثيرين لقيمته، إلا أنه لا يحظى بالاهتمام الكافي، ولا بالترويج الذي يضمن انتشار الأعمال التي تدعم هذا التوجه بوضوح. إن الحاجة ماسة لزيادة الإنتاج القصصي الذي يتبنى هذا المسار دون مواربة، ويعلن هدفه منذ البداية: تعزيز الولاء والانتماء، وبناء وعي وطني مستنير.

عربيًا، نحن أحوج ما نكون إلى ترسيخ هذه القيمة في نفوس جيل اليوم والأجيال القادمة، لنواكب التحولات العالمية ونمضي نحو مستقبل قادر على الصمود والتقدم. ما يميز هذا التوجه القصصي هو بساطة عرضه، ووفرة موضوعاته، وقدرته على الوصول إلى اليافعين بسهولة، إضافة إلى أهمية نشره ودعمه بالوسائل المتاحة، ليس فقط ليكون عنصرًا مساعدًا، بل محورًا أساسيًا في كثير من الأعمال.

إن الدور الذي يؤديه أدب اليافعين في ترسيخ قيمة الانتماء والولاء لم يكن يومًا جديدًا، بل هو دور أصيل، وإن بدا متواريًا خلف السرد الإبداعي. فهذا الأدب، وإن حمل ملامح الخيال أحيانًا، إلا أنه محمّلٌ بصفات وأمنيات وأهداف كبرى، ينتظر القارئ اليافع اكتشافها واستثمارها؛ ليتجاوز حدوده الشخصية نحو رحابة خدمة وطنه، ومجتمعه، وأسرته، ليغدو فردًا منتجًا، مبدعًا، ومختلفًا.

*كاتبة مصرية
@EsmailShah74540

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود