مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

 حصة بنت عبد العزيز* لم يعد الطفل يلتقي بالحكاية كما كان في زمن الصفحات الورقية …

أدب الطفل في ظلّ التكنولوجيا.. تهديد أم فرصة؟

منذ 4 أشهر

182

0

 حصة بنت عبد العزيز*

لم يعد الطفل يلتقي بالحكاية كما كان في زمن الصفحات الورقية الملونة.. فالشاشة اليوم حاضرة في تفاصيل يومه، تفرض إيقاعها، وتعيد تشكيل طرق التلقّي. ومع هذا التحوّل، يقف أدب الطفل عند مفترق طرق: هل تهدد التكنولوجيا علاقته بالكتاب، أم تتيح له طرقًا جديدة لجعل الحكاية أكثر جاذبية وتفاعلًا مع خياله؟
لطالما شكّل أدب الطفل مساحة أساسية لبناء الخيال، وتنمية الحسّ الجمالي، وغرس القيم بلغة غير مباشرة. فمن خلال القصة، يتعلّم الطفل الإصغاء، ويكوّن علاقته الأولى بالكلمة، ويكتشف العالم بخطوات هادئة.
غير أن التحوّل الرقمي، بما يحمله من سرعة وتدفّق بصري، جعل هذا الأدب يواجه منافسة شديدة، حيث تزاحم المتعة الفورية القراءة المتأنية، وتختصر المسافة بين البداية والنهاية.
تنشأ المخاوف من أن تقلّص هيمنة الصورة دور الخيال، وأن يتراجع حضور النص أمام محتوى سريع لا يترك أثرًا طويل المدى. فالطفل الذي يتلقى المعنى جاهزًا قد لا يجد الوقت الكافي للتأمل، ولا المساحة لبناء صلته الخاصة بالحكاية.
ومع ذلك، فإن النظر إلى التكنولوجيا بوصفها تهديدًا مطلقًا يظل حكمًا قاصرًا. فقد فتحت الوسائط الرقمية أمام أدب الطفل آفاقًا جديدة، وساعدت في وصول القصة إلى أطفال لم تكن القراءة جزءًا ثابتًا من عالمهم. كما أتاحت أشكالًا مختلفة من التفاعل، جعلت من النص تجربة أكثر حيوية، تجمع بين الكلمة والصورة والصوت، دون أن تفقد القصة جوهرها.
وفي المشهد العربي، بدأت تظهر تجارب رقمية تحرص على أن تبقى الحكاية في مركز الاهتمام، وأن تكون التقنية في خدمتها لا بديلًا عنها. في هذه المساحات، يتفاعل الطفل مع النص دون أن يُقصى دور اللغة، أو يُختزل الخيال في صورة جاهزة، فتظل القراءة فعلًا حيًّا، وإن تغيّر شكلها.
وتعيد هذه النماذج طرح السؤال الأهم: هل المشكلة في الوسيط أم في المحتوى؟ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في نقل أدب الطفل إلى الفضاء الرقمي، بل في الحفاظ على قيمته الثقافية والإنسانية وهو يعبر هذه المساحات الجديدة. فالتقنية، مهما تطوّرت، تظل أداة، أما الأدب فهو ما يمنحها المعنى والاتجاه.
إن أدب الطفل ليس ترفًا ثقافيًا، بل أحد المداخل الأولى لتشكيل الوعي وبناء الذائقة. وحين يُكتب بصدق، ويُقدَّم بوعي، يمكنه أن يرافق الطفل عبر مختلف الوسائط، دون أن يفقد قدرته على التأثير أو دفء الحكاية.
هكذا، لا يبدو أدب الطفل في ظلّ التكنولوجيا تهديدًا خالصًا، ولا فرصة مطلقة، بل مساحة اختبار لوعينا الثقافي وقدرتنا على الموازنة بين روح الحكاية ومتغيّرات العصر، حفاظًا على جوهر الطفولة مهما تغيّرت الشاشات.

*كاتبة سعودية
7aerh_4

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود