533
0
210
0
1589
0
878
0
186
0
5
0
11
0
12
0
9
0
15
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13560
0
13403
0
12238
0
12150
0
9592
0

الكاتب: أحمد بنسعيد*
مقدمة
أدب الطفل مسؤولية ثقافية وتربوية وجمالية كبرى. والكاتب الذي يتوجّه إلى الطفل إنما يشارك – شاء أم أبى – في تشكيل وعيه، وذائقته، وخياله. من هنا يظهر فارق جوهري بين كاتبٍ مجدِّد يغامر ويبتكر، وكاتبٍ مقلِّد يكتفي باستنساخ ما كُتب من قبل، مع تغيير الأسماء والعناوين فقط.
هذا المقال محاولة لفهم المسارات ومصارعة الزمن، وتشجيع التحوّل من التقليد إلى التجديد، خدمةً للطفل أولًا وأخيرًا.
أولًا: من هو الكاتب المُجَدِّد في أدب الطفل؟
التجديد رؤية قبل أن يكون تقنية؛ لذلك لا يبدأ الكاتب المجدِّد بالسؤال: ماذا كتب الآخرون؟ بل يبدأ بالسؤال الأهم: من هو طفل اليوم؟ وما الذي يشغله؟ وكيف يفكّر ويحلم؟ وما الذي يخيفه ويقلقه؟
إنه يدرك أن طفل اليوم ليس طفل الأمس، وأن عالمه مشبع بالصورة، والتكنولوجيا، والأسئلة الكبرى، وبالقلق أيضًا. لذلك فإن التجديد عنده ينبع من وعي عميق بتحوّلات الطفولة، لا من الرغبة في مخالفة السائد فقط.
خصائص الكاتب المجدِّد:
يمكن رصد ملامح الكاتب المجدِّد في أدب الطفل من خلال:
ابتكار الفكرة: لا يعيد إنتاج الإبداع ذاته الذي كُتب آلاف المرات، بل يبحث عن زوايا جديدة للصراع والحلم.
احترام عقل الطفل: لا يستخفّ بذكائه، ولا يقدّم حلولًا جاهزة أو نهايات مباشرة.
اللغة الحيّة: لغة بسيطة لكنها غير مسطّحة، موسيقية دون تصنّع، وقادرة على إنتاج الدهشة.
الشخصيات المركّبة: طفل يخطئ، ويتردّد، ويخاف، ويفشل، ثم يتعلّم… لا بطلًا مثاليًا من ورق.
التجريب الواعي: في الشكل، وفي السرد، وفي المزج بين الأنواع (قصة + شعر + لعبة + سؤال)…
أثر التجديد في الطفل:
الكاتب المجدِّد:
يفتح باب التساؤل لا باب التلقين.
يوسّع خيال الطفل بدل أن يقيّده.
يزرع حبّ القراءة لا الخضوع للنص.
إنه يكتب ليصنع قارئًا حرًّا، لا متلقّيًا ذا طاعة عمياء.
ثانيًا: من هو الكاتب المُقَلِّد في أدب الطفل؟
التقليد في عمقه خوف مقنّع. وغالبًا لا يكون التقليد خيارًا واعيًا، بل نتيجة:
الخوف من الفشل.
الرغبة السريعة في النشر.
الاعتقاد بأن “ما نجح مع غيري سينجح معي”.
فيتحوّل النص إلى ظلٍّ باهت لنصوص أخرى.
مظاهر التقليد:
من أبرز علامات الكاتب المقلِّد:
تكرار الحبكات المستهلَكة دون إضافة حقيقية.
شخصيات نمطية: الطفل الطيب دائمًا، الشرير دائمًا، والحل السحري في النهاية.
سرد مباشر: القصة تتحوّل إلى درس فجّ.
لغة ميتة أو مستنسخة من كتب قديمة لا تناسب طفل اليوم.
الارتهان للسوق: يكتب ما يُطلب، لا ما يحتاجه الطفل.
خطورة التقليد على الطفل:
الخطر لا يكمن فقط في ضعف النص، بل في أثره البعيد:
قتل الدهشة والسؤال.
تنفير الطفل من القراءة.
تكريس صورة نمطية عن الأدب بوصفه مملًّا أو تعليميًّا جافًّا.
وهنا تكون الخسارة مزدوجة: نص لا يعيش، وطفل لا يقرأ.
ثالثًا: لماذا ينتشر التقليد في أدب الطفل؟
لا يمكن تحميل الكاتب وحده المسؤولية؛ فهناك أسباب بنيوية، منها:
ضعف التكوين المتخصّص في أدب الطفل.
غياب النقد الجاد الذي يفرز ويقيّم.
دور نشر تبحث عن السريع والمضمون.
مسابقات تكافئ الكمّ لا الجودة.
في مثل هذا المناخ، يصبح التجديد مغامرة، ويغدو التقليد طريقًا آمنًا.
رابعًا: من التقليد إلى التجديد… هل من طريق؟
الكاتب المقلِّد ليس بالضرورة كاتبًا فاشلًا، بل كاتب لم يكتشف طريقه بعد. والانتقال ممكن جدًّا عبر:
القراءة الواعية المنفتحة: لا للاستهلاك، بل للتحليل والفهم.
الاحتكاك الحقيقي بالأطفال: الاستماع لهم، لا التخمين عنهم.
الكتابة المنتظمة: كما في المبادرات الجادة التي تراكم التجربة وتكشف الطريق الخاص لكل مبدع (كما هو الحال في الكتابة الحرة أثناء مبادرة “أسبوع الكتابة للطفل”).
التحرّر من هاجس النشر: فالنص الجيد الجديد يجد طريقه ولو تأخّر.
قبول النقد؛ لأنه مرآة التطوّر لا أداة هدم.
خاتمة:
الكاتب المجدِّد في أدب الطفل لا يُولد كاملًا، بل يُصنع بالصبر، والصدق، والمحبّة الحقيقية للطفل. أمّا الكاتب المقلِّد، فإن بقي في دائرة النسخ، فلن يضرّ غير نفسه… لكن إن تحوّل، وامتلك شجاعة السؤال والتجريب، فقد يصبح أحد صُنّاع الدهشة القادمين.
*كاتب للأطفال من المغرب