مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

الكاتبة: حصة بنت عبد العزيز* في المساحة الهادئة التي تسبق النوم، حيث يهدأ العالم …

الأم كراوِية أولى.. دور الحكاية قبل النوم في تكوين الطفل

منذ 6 أيام

63

0

الكاتبة: حصة بنت عبد العزيز*

في المساحة الهادئة التي تسبق النوم، حيث يهدأ العالم الخارجي ويخفُت ضجيجه، تتقدّم الحكاية بوصفها أول خطاب أدبي وثقافي يدخل وجدان الطفل. هناك، قرب سرير صغير وصوتٍ مألوف، تقف الأم لا بوصفها مُربية فحسب، بل كراوِية أولى، تمارس فعل السرد بوصفه فعلَ حبٍّ ومعرفة في آنٍ معًا.
الحكاية قبل النوم: أكثر من طقس يومي.. ليست الحكاية التي ترويها الأم لطفلها قبل النوم مجرّد عادة عابرة أو وسيلة تهدئه، بل هي ممارسة ثقافية عميقة تؤسس لعلاقة الطفل باللغة والخيال والمعنى. عبر هذا الطقس اليومي، يتعلّم الطفل الإصغاء، وتتشكّل لديه البذور الأولى لفهم السرد، وتسلسل الأحداث، وبناء الشخصيات. إنّها لحظة تربوية صامتة، تعمل دون ضجيج أو أوامر.
الصوت الأمومي وبناء الأمان اللغوي: 
قبل أن يفهم الطفل دلالات الكلمات، يفهم نبرتها. صوت الأم، بإيقاعه الحنون وتلويناته العاطفية، يمنح اللغة طابعًا آمنًا ومحبّبًا. هنا تتأسس الثقة الأولى بالكلمة، وتتحوّل اللغة من أداة توجيه إلى مساحة احتواء. ومع التكرار، يصبح هذا الصوت ذاكرةً داخلية ترافق الطفل، وتشكّل علاقته الوجدانية بالكلام والحكاية.
الخيال.. البوابة الأولى لمعرفة العالم: 
تفتح الحكاية باب الخيال بوصفه أداةً للفهم لا للهروب.. في عالم القصص، تتكلّم الحيوانات، وتنتصر القيم النبيلة، وتُختبر المشاعر في سياقات رمزية آمنة. هذا الخيال يمنح الطفل القدرة على تخيّل بدائل للواقع، وفهم التعقيد الإنساني، والتعامل مع مشاعر الخوف، والفقد، والأمل، دون صدمة مباشرة. هنا تتجلّى القيمة التربوية العميقة لأدب الطفل حين يُقدَّم عبر السرد الأمومي.
القيم في نسيج الحكاية: 
لا تأتي القيم في الحكاية الجيدة بوصفها دروسًا مباشرة، بل تنمو داخل النسيج السردي. يتعلّم الطفل التعاطف من خلال التماهي مع الشخصيات، ويتعلّم الصبر عبر الرحلات الطويلة، ويدرك معنى العدالة من نهايات تُنصف الخير. هذه القيم، حين تُقدَّم عبر القصة، تكون أكثر رسوخًا وتأثيرًا من أي خطاب وعظي مباشر.
الأم بوصفها حارسة الذاكرة الثقافية: 
حين تختار الأم حكايةً ما، أو تعيد رواية قصة سمعتها في طفولتها، فهي لا تنقل نصًا فقط، بل تنقل ذاكرة ثقافية كاملة. الحكايات الشعبية، وقصص الجدّات، والأساطير الصغيرة، تشكّل رصيدًا رمزيًا غنيًا يسهم في بناء هوية الطفل اللغوية والثقافية. بهذا المعنى، تغدو الأم وسيطة ثقافية، تحمل التراث من جيل إلى آخر عبر فعل السرد الحميم.
من الإصغاء إلى حب القراءة: 
يمهّد هذا الطقس اليومي لعلاقة الطفل بالكتاب..  فالطفل الذي ينشأ على الإصغاء للحكايات، ينشأ غالبًا بشغفٍ تجاه القراءة. الكلمات التي سكنت خياله ليلًا، سيبحث عنها لاحقًا في الكتب.. وهكذا تتحوّل الحكاية من فعل شفهي إلى مدخل أساسي لبناء قارئٍ واعٍ ومحبٍّ للأدب.
في مواجهة هيمنة الشاشات: 
في زمنٍ تهيمن فيه الشاشات على عالم الطفل، تبدو حكاية ما قبل النوم فعلَ مقاومة ثقافية هادئة. إنها استعادة للإيقاع البطيء الذي يحتاجه الخيال لينمو، وللحضور الإنساني الذي لا يمكن للتقنيات أن تعوّضه. فالحكاية لا تحتاج إلى مؤثرات بصرية معقّدة؛ يكفي صوتٌ صادق وقصة متقنة لتفتح أفقًا إنسانيًا واسعًا.

خاتمة.. الحكاية بوصفها بذرة أولى: 
ليست كل الأمهات كاتبات، لكن كل أمّ راوِية محتملة. في لحظة الحكاية قبل النوم، تُزرع بذور اللغة، والخيال، والقيم، والهوية. قد ينام الطفل سريعًا، لكن الحكاية تبقى يقِظة في داخله، تُعيد تشكيل وعيه بالعالم، وتعلّمه منذ البداية أن للكلمات قدرةً على الاحتواء، وللحياة حكايةً تستحق أن تُروى.

*كاتبة سعودية
@7aerh_4

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود