575
0
661
0
1630
0
223
0491
0
8
0
68
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13502
0
13348
0
12185
0
12125
0
9544
0
* الشعر اختطفني من النثر حتى أكاديميًّا.
* عشتُ بين الرواياتِ زمنًا، مطالعةً وبحثًا.
* ليس بين الإنسان ولغته حربٌ وإثباتُ ذات.
* برزت على الساحة الشعرية أصواتُ شاعراتٍ متميّزاتٍ لا يُشبهنَ إلَّا أنفسهنَّ.
* الجهات الرسمية لا تنفق إجمالًا على الثقافة والأدب…
* باتت الأكثرية تركض لاهثةً للوصول إلى الشهرة على حساب الأدب وحُرمة اللغة ومسؤولية الحبر والقلم.
* “نبضُ الأزرق” هو نبضُ البحر فيَّ ونبضُ الحبرِ فيَّ.
حوار -هناء الحويصي.
بنبضها الأزرق وأحرفها المشبعة بالشعر والدلالة، جاءت من ضفاف الكلم لتملأ فرقد بهجةً وأدبًا. مؤلفة الكتاب النقدي “شعرية السرد وسيميائيته”، وكاتبة دواوين .(العاشرة فجرًا، وسط البلد، دانيال أو صلاة استسقاء الحبيب، دمشقي وأنت، ونبض الأزرق).
نُرحّب في فرقد الثقافة والأدب بالكاتبة والأكاديمية اللبنانية عبير حسن علام، فيا أهلًا ومرحبًا.
1– “المناخ النفسي ضرورة ملحة في حياة الشاعرة والأديبة” ماذا عن المناخ البيئي، حدثينا عن مدينة الهرمل البقاعية؟
إذا شئتِ وصفَ مدينتي شكليًّا وخارجيًّا، فيمكنكِ اختصار ذلك بعبارة من ثلاث كلمات: “واحةٌ في صحراء”. أمَّا حين تدخلينها وتتجوَّلين في حاراتها وتتمشَّين في شوارعها وتتنشَّقين نسيمها، وعندما تنفض قطراتُ مطرِها الغبارَ عن روحك، وبعد أن يجري نهرها بعينَيكِ تحت حفيف الأشجار الوادعة على ضفَّتيه، فلن تغادركِ.. ستحيا فيكِ ما حييتِ. وهذا ما أدركتُه بعدما انتقلتُ منها للعيش في العاصمة. وقد تجذَّرَ فيَّ حبُّها أكثر فأكثر بعد أن اغتربتُ عن لبنان. من آخر ما كتبتُه فيها: “لا مثنَّى في لهجة ضيعتي.. إمَّا أن تتوحَّدَ وتتعدَّدَ في النهر أو تفنى”.
الهرمل مدينةٌ تجمعُ بين طابع المدينة وطابع الريف. فيها من كلﱢ شيءٍ شذرة ولا تشبه إلا نفسها.
إنَّ احتضانَ الهرمل الوافدَ إليها _بحيث تتَّسع عند مدخلها وكأنَّها تفتح يديها لعناقك_ يجعلها عصيَّةً على النسيان، ويجعلكَ تغصُّ لِفراقها وأنت تغادر حتى إذا كنتَ غريبًا عنها. فكيف بمن وُلِدَ وترعرعَ فيها؟! بِرغم المسافات التي تفصلني عنها، فإنَّ نسيمَها يدغدغ روحي ونهرَها يجري في كياني وحفيفَ الحورِ فوق عاصيها يهمسُ لقلبي سمفونياتٍ عذبةً من شوقٍ ولهفةٍ وحُبٍّ ولوعة فراق. ثمَّ أنََها كانت بالطبع موطن الحُبِّ الأوَّل والذكريات التي لا تُنسى، وفيها العائلة وبدايةُ تَشَكُّل العلاقات الاجتماعية والإنسانية والصداقات التي تدوم.
ورغم ذلك، فإنَّني لم أتنبَّه إلى تأثيرها في وجداني وكتابتي إلَّا بعد اغترابي عنها وعن لبنان بشكلٍ عام. يظهر ذلك الأثر بِشكلٍ واضح في بعض نصوص كتابي الأخير “نبض الأزرق” حيث كتبتُ: “أخبرني عن بيتي، عن أهلي، عن وطني، عن ولدي، عن تربةٍ في حديقة أبي دفنتُ طيَّها كبدي. عن أمّي، ببالِ فيروزَ هناك، تسابقُ إليها الشمسُ القمر”.
و”لم أعرفْ سِواكَ كائنًا نهريًّا شجَريًّا شجَنيًّا كَمِثلِ تماوُجِ روح النسائم الألوهية في قريتِنا المائية”.
2–” مع الشعر وبفضله عثرت على الكثير مما كان خبيئًا عني.. ماذا يقدم الشعر للشاعر؟
يقدِّمُ له حياةً…
عشتُ بين الرواياتِ زمنًا، مطالعةً وبحثًا. قرأتُ منها الكثير وكتبتُ عنها العديد من الأبحاث والقراءات النقدية. استهوتني الروايةُ طويلًا وما زالت تستهويني. كذلك ما زلتُ أُحِبُّ النثر وأعشقُ كتابته وأجدُني فيه.
إلَّا أنني يومَ دخلتُ محراب الشعر اختطفني. يهمُّني هنا التأكيدُ على أنني لستُ شاعرة. أنا ما زلتُ أحاولُ في الشعر وأحبو على أولى درجات سُلَّمِه. فالمشوارُ طويلٌ مُتشعّبٌ كرحلة الداخل في غاباتٍ عُذرية، والاكتشافاتُ الكثيرةُ ما زالت أمامي ولم تبدأ بعد. وأولى بوادرها أنَّ الشعر اختطفني من النثر حتى أكاديميًّا؛ فبعد أن كانت رسالة الماجستير خاصَّتي في الرواية وكان من الطبيعيﱢلأطروحة الدكتوراه أن تذهب في الاتّجاه عينه، نحَت بي الدربُ إلى الشعر.
وذلك لتأثُّري بكتابة ثلَّةٍ من الشعراء اللبنانيين الشباب، أذكرُ منهم على سبيل المثال لا الحصر: “حسن المقداد”، و”علي الرفاعي”، و”كميل حمادة”.
مع الشعر وفيه اكتشفتُ عوالمَ خبيئةً. وقد أصبحَ من تفاصيل يوميَّاتي، بحيث أقرأ الشعر وأستمع إليه يوميًّا. ويمكنني أن أؤكّدَ لكِ أنَّ حياةً دون الشعر ليست كالحياة مع الشعر. إنَّه نورٌ خالصٌ يملأ حياتك رؤًى وحكمةً وتجلّيًا. أهداني الشعر العاصفَةَ والسكينة معًا. وقد غيَّرَ حتى من طباعي. صرتُ ألجأُ إليه وأجدُ فيه الملاذ والتشافي والاستغناء والغِنى.
بعبارةٍ واحدة: الشعرُ أنشودة الحياة وأيقونة الوجود.
٣– ما أثر الأستاذ سهيل الطشم على فكر وثقافة عبير علام؟
الأستاذ والمُربّي الفاضل سهيل الطشم _رحمه الله_ لم يكُن مُدرِّسًا وحَسْب، ولم يكن قبَسًا من نورٍ فقط. بل كان نورًا وشمس صباحٍ لكلِّ طلَّابه، وأنا واحدةٌ منهم. لم يكن التدريس بالنسبة إليه مهنةً، بل رسالة اجتماعية وفكرية يحملها ويوصلها بِشغف العاشق المُريد. فقد كان على صلةٍ وثيقةٍ بطلَّابه وأهاليهم؛ ما جعل عملية دراسة الأدب تمتدُّ إلى خارج المدرسة وتتداخل مع حياة الطالب في المنزل وبين أُسْرته. شملتني هذه القاعدة بفضل الصداقة القائمة بينه وبين أبي. لكن قبل ذلك، وقبل أن يُدرﱢسني الأستاذ سهيل مادَّة اللغة العربية في الصفِّ التاسع، كان أستاذي السابق كلَّما تقدَّمتُ إليه بموضوعٍ إنشائيٍّ يقول لي: من كتبَه لك!؟ أمَّا الأستاذ سهيل، فقد انتبه إلى موهبتي في الكتابة ورعاها ونمَّاها. لا أنسى أنَّه ذات يومٍ –وكان عيد الأمﱢ قد اقترب_ كتبَ لي على ورقة التعبير الكتابيﱢ _الذي طلبَ منَّا أن نكتبه_: “هنِئَتْ أمٌّ أنتِ بنتٌ لها”. وكان طلَّاب صف البكالوريا _وكان صفَّ شهادة رسمية آنذاك_ يخبرونني أنَّه يقرأ عليهم موضوعات التعبير التي أكتبها ويقول لهم: تعلَّموا كيف تكون الكتابة. أذكرُ أنَّني وقفتُ لـِ (تسميع الدرس) أمامه في بداية ذلك العام الدراسي، حيث تنتقل من دراسة نصوصٍ بسيطة إلى فهم الأدب ودراسته، ولم أكن أقتنع بالحفظ (طبعًا ما زلتُ لا أقتنعُ به وأرفض استخدامه نهجًا مع طلَّابي). خانتني ذاكرتي وأنا واقفةٌ أمامه، فما كان منّي إلَّا أن أعدتُ الدرس كما فهمتُه بالطريقة التي شرحه هو بها، فصفَّق لي وهنَّأني، وأشاد أمام زملائي بقدراتي في الفهم والتحليل…
ثمَّ كرَّت الأيام وعلَّمني أساتذةٌ آخرون إلى أن وصلتُ بعد سنتين إلى صف البكالوريا، وكنتُ أتفوَّق على زملائي في مادَّتَي الأدب العربيّ والأدب الفرنسيّ وأسجّل العلامة القصوى. فبلغَني أنَّ الأستاذ الأسبق يقول للأستاذ سهيل: عبير تلميذتي. وسألَني أبي _ وقد كان مشرفًا (ناظرًا) في الثانوية_: من هو أستاذك؟ فأجبته على الفور: الأستاذ سهيل هو أستاذي وهو صاحب الفضل عليَّ.
التحقتُ بالجامعة وبقيَ أستاذي يُتابعني، وكنتُ ألجأ إليه وأسأله. وكان قد قرأ كتاباتي قبل ذلك بسنوات وشجَّعني على الاستمرار في الكتابة. نلتُ شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها والتحقتُ بالدراسات العليا. وكان أن مرضتُ مرضًا شديدًا قبل امتحانات نهاية السنة. أمضيتُ في المشفى وقتًا طويلًا. ولمَّا غادرتُه كان جسمي متورمًا وشعري قد تساقط، ولم أكن أرى بشكلٍ واضح. كان الأستاذ “سهيل” يجلس معي لِساعات ونتناقش في الأبحاث المطلوبة منّي. ثمَّ يغادر، فتجلس معي أختي لأقرأ عليها ما أودُّ كتابته وتقوم هي بكتابة ما تسمعه على الحاسوب. وبعد طباعة البحث كنتُ أعيد عرضَه على أستاذي ليعطيَ الموافقة النهائية. وكان عليَّ أن أتقدَّم بمشروع بحث الماجستير إلى الجامعة فيما الوقت يداهمني وقد خسرتُ معظمه في المشفى. فما كان من أستاذي إلَّا أن اصطحبني مع أبي إلى البروفيسور “علي مهدي زيتون” _وهو علَمٌ وعلَّامةٌ في النقد_ وشرح له وضعي. خرجتُ ذلك اليوم من دارة البروفيسور “علي زيتون” وفي ذهني مخطَّطٌ للبحث ورحتُ أعمل عليه بسرعة بمساعدة أستاذي وإشرافه دائمًا.. لقد أنقذني أستاذي في ذلك اليوم.
خلال رحلة إعداد رسالة الماجستير كنتُ أطلعُه على ما أنجِزُ من الرسالة. كان البروفيسور “علي زيتون” يقيمُ خلال تلك السنوات جلسات نقدية دورية حول الروايات التي تصدر حديثًا. كان البروفيسور يخبرني بتاريخ الندوة ويوفّر لي الرواية المرصودة لها، فأقرأها وأعدُّ ورقةً نقديَّةً حولها. وفي كلِّ ندوة كان يرافقني والدي والأستاذ سهيل وأرى هناك _بينما ألقي مضمون ورقتي على الحضور_ التماعَ الفرح والزهو في عيونهما.
لم تنتهِ رحلتي مع الأستاذ سهيل بمناقشة رسالة الماجستير حيث حضر ككل أبٍ فخورٍ بابنته، سعيدٍ بحصاد السنين. بل بقيَ إلى جانبي، يتابع ما أكتُب وينتظر حصولي على الدكتوراه بِحرص أُبوَّته ولهفته المعهودة.
إلى ذلك أثَّرَ الأستاذ سهيل في منهج تفكيري ورؤيتي إلى القضايا الأدبية منها والفكرية والاجتماعية. كان يناقشني في كلﱢ تساؤلاتي التي كنتُ أطرحها عليه ويبتسمُ قائلًا: يا بنت، أنتِ ماركسية!
لـِ “سهيل” من اسمه النصيب الكبير؛ فقد يسَّر لي دروبي وذلَّل العقبات التي واجهتُها دون أن ينسى إعطائي الدرس والعبرة عند كلﱢ تجربةٍ أخوضها. كان أبًا روحيًّا لي، وما يزال. كان يرشدني حتى اجتماعيًّا. لا أنسى مثلًا حين قال لي في إحدى جلساتنا: “يمكن للرجل المتعلّم المثقَّف أن يرتبط بامرأةٍ عادية بل حتى أمّيَّة، أمَّا الأنثى، فلا تستطيع أبدًا الارتباط بمن هو أدنى منها علمًا وفكرًا وثقافةً”.
لم يكن “سهيل” يومًا أستاذًا فحَسْب. لم ينادِني مرَّةً بِغير “يا ابنتي”. أستذكره في مواقف كثيرة اليوم وأهدي روحه الخضراء أسمى تحيَّاتي. “سهيل”، لا يمكنني اختصاره بكلمة ولا بكتاب. لعلَّ دموعي تفصحُ عمَّا في وجداني له من دون الناس وتجدد وعدي له بأنَّني لن أنساه مع حييت وبأنَّه يرافقني في كلﱢ خطوةٍ إلى الأمام ولكلِّ إنجازٍ أحقّقُه.
4- شاركينا أسماء كتب لا تزال ملامحها مرسومة في باطن طفولتك…
إن كنتُ سأتحدَّث عن الطفولة بمعناها الحرفي، فإنَّ الأمر فيه طرافةٌ؛ لأنَّ العناوين الأولى قد تكون مضحكةً لمن سيطَّلع على هذا الحِوار. لكن بالنسبة لي، هي نوستالجيا رائعة، تجربتي مع الحروف الأولى، حيث كان والدي يُحضرُ إليَّ الكثير من قصص الأطفال. لا أنسى بينها قصَّةً نسيتُ عنوانها حرفيًّا، لكنَّ موضوعها كان يدور حول الساعة والوقت. وأتذكَّر أنني قرأتُ بعدها قصَّةً بِعنوان “بسبوس الأعرج”، وهي تحكي مغامرات قِطﱟ قد جُرِحَت قائمتُه. والقصَّة مكتوبةٌ بطريقةٍ تجعلُك تتعاطف مع القطﱢ تارَّةً وتغضبُ منه تارَّةً أخرى وتضحك على مقالبه معظم الأحيان. وبعد ذلك قرأتُ قصَّةً تروي يوميات قطعة معدنيَّة بين الحصَّالةِ والمتجر وأيدي الأطفال وجوارير الدكاكين. كانت قصَّةً مؤثّرةً جدًّا وأكثر من رائعة. هذه القصص التي رسخت في ذاكرتي من الطفولة المبكرة أكثر من سواها لشدَّة تأثيرها فيَّ.
ثمَّ انتقلتُ إلى قراءة قصص “توفيق يوسف عوَّاد” ورواياته ومؤلَّفات “مارون عبُّود”. في تلك الفترة قرأتُ كذلك “جبران خليل جبران” وبعض مؤلَّفات “ميخائيل نعيمة”. أنهيتُ تلك المجموعات كلَّها في صيف 1990 وكنتُ حينها في العاشرة من عمري. في ذلك الصيف قرأتُ “كليلة ودمنة” كذلك. كلُّ هذه العناوين أثَّرت في تكوين شخصيَّتي لا سيَّما مؤلَّفات “جبران خليل جبران” و”توفيق يوسف عوَّاد”.
واستمرَّت قراءاتي لكلﱢ ما يقعُ في يدي من كتُب ومجلَّاتٍ. أذكر من الروايات “قشتمر“، و”مجدولين” وروايات “نجيب محفوظ” و”إحسان عبد القدوس”. في تلك المرحلة كانت في مكتبة والدي روايتان ضخمتان، واحدةٌ بعنوان “كيف سقينا الفولاذ” والثانية بعنوان “إبنة النار”. وقد أنهيتُ الأولى بعد جُهدٍ ووقتٍ طويل. أمَّا الثانية، فكنتُ أعود إليها مِرارًا لكنَّني لم أنهِ قراءتها حتى الآن!
وعندما انتقلتُ إلى المرحلة الثانوية، لم تسلَم مكتبة المدرسة من غزواتي شبه اليومية. وهكذا قرأتُ خلال ثلاث سنوات معظم الكتب الأدبية التي كانت تكتظُّ بها رفوف المكتبة. حتى أنَّني غيرَ مرَّة انشغلتُ بإنهاء مطالعة كتابٍ بدلًا من التحضير لامتحان اليوم التالي. أذكر على وجه التحديد يوم كان مُقرَّرًا لليوم التالي امتحانٌ في الفلسفة، وكنتُ قد حصلتُ بعد محاولاتٍ مُستميتة على ديوانٍ ضخمٍ جدًّا يتضمَّنُ معظمَ قصائد “نزار قبَّاني”. في ذلك اليوم غرقتُ في صفحات الديوان وتناسيتُ امتحان الفلسفة. في تلك المرحلة كنتُ أستمعُ إلى قصائد الشاعر السوريﱢ “عمر الفرَّا”. أمَّا خلال مرحلة “الليسانس”، فقد حفرتْ في شخصيَّتي روايات “أحلام مستغانمي” وأغنيات “زياد الرحباني” و”خالد الهبر” و”الشيخ إمام”. أمَّا “مرسيل خليفة” الذي كنتُ أستمعُ إليه منذ صِغَري، فلا يزال المؤثّرَ الأوَّل. وفي الشعر كنتُ أقرأ “جوزيف حرب” في تلك المرحلة.
٥- “الفصاحة ترتبط بالتذكير” هل استطاعت المرأة أن تتحرر من فحولة اللغة؟
ليس بين الإنسان ولغته حربٌ وإثباتُ ذات. بل على العكس تمامًا، كلُّ ما تريده في الحياة تحصلُ عليه بالحُبِّ.. بالضمﱢ، لا بالكسر.. واللغة لا تشذُّ عن هذه القاعدة.. ثمَّ إنَّ الجندرة ليست مبحثًا للتداول هنا.. اللغة لأبنائها وليست للأنثى أو للذكر أو للأنثى والذكر.. هي لغة الإنسان.
وبالعودة إلى الفصاحة أعيدُ وأقول: اللغةُ تُسلِمُ قيادها بالحبِّ.. كلَّما أعطيتَها قدَّمت لك، وكلَّما أحببتها وهبَتْكَ كنوزًا لا حصرَ لها، وكلَّما وفيتَ لها بادلتكَ بِفتحِ أبواب أسرارها على مصراعَيها. لا يتعلَّق الأمر بمن تكون أو بماذا تكون أو بهويَّتك الجنسية. أطلِعُكِ الآن مثلًا على سرٍّ؟ كنتُ أدرسُ الأدب الفرنسيَّ في الجامعة لأنَّني أحبُّ هذه اللغة حُبًّا جمًّا ولأنَّني ضليعةً فيها. لكن خلال دراستي في السنة المنهجية الأولى كنتُ أزور أصدقائي في محاضرات الأدب العربيّ. وكان أن وقعتُ في حبِّ اللغة العربية وأدبها من حيث لا أدري. بل لقد عشقتُها إلى درجةٍ جعلتني أغيّرُ مسار دراستي وأتحوَّلُ إلى دراسة الأدب العربيّ.. وأجِدُ في ذلك ردًّا على من يستسهلون الكلام على صعوبة اللغة العربية. لا أقول إنَّها لغةٌ سهلة، لكنَّها لغةٌ إن أخلصتَ حُبَّكَ لها توَّجتكَ بِتيجان دُرّها المكنون. ورغم إصراري على رفض الطرح وتأكيدي أنَّ الأمر ليس سبقًا بين الجنسين، لكن يمكننا تذكُّر أسماء كثيرة لِنساء يُشهد لهنَّ بالفصاحة والقدرات العالية والموهبة في التعامل مع اللغة. منهنَّ على سبيل المثال لا الحصر في الإبداع نثرًا “أحلام مستغانمي” وشِعرًا “روضة الحاج”، و”آيات جرادي” و”هبة علاء الدين”، وفي النقد الكبيرتان “خالدة سعيد” و”يمنى العيد”.
٦- هل على الشاعر أن يقيم وزنًا لرأي الآخرين.. عندما يتعامل مع لحظة انفجار القصيدة؟
ليس على الشاعر أن يتعامل إلَّا مع انفجاراته الداخلية، فهي وحدَها التي تصنعُ توهُّجَه. للمتلقّي أن يقرأ أو لا يقرأ، أن يُعجَب أو لا يُعجَب، وللناقد أن يتتبَّعَ خطوات الإبداع. وقد كتبتُ في سياقٍ مُوازٍ: “الشعر يقول ويمشي على أثره المنظَرون والنُّقَّاد، وليس العكس. ففي البدء كان النصُّ، في البدء كان الشعر“.
٧- يقول أدونيس “لو قارنّا بين جيل ما سمي الحداثة وما تكتبه المرأة العربية الشابة اليوم فأنا أفضل شعر المرأة وقد سبقتنا بكثير؛ لأن المعنى العميق المخبوء بدأ يظهر في شعر المرأة وليس الرجل..” هل ما زالت المرأة الشاعرة تقلق من وجودها على الساحة الشعرية أم زال هذا الشعور في عصرنا الحالي؟
لقد قرأتُ للمُفكّر العظيم “أدونيس” معظمَ مؤلَّفاته في النقد، وتابعتُ عدَّة لقاءاتٍ معه. لا أعرفُ المناسبة التي صرَّحَ فيها برأيهِ هذا. وأكنُّ لِفكره وآرائه كلَّ الاحترام. ونحن نستقي منه وننهل من منابعه الصافية الغزيرة.
لكن كما ذكرتُ آنفًا، الأمرُ يتعلَّق بالإنسان ولا يتعلَّقُ بالتصنيف الجندري. كلُّ إنسانٍ مُبدِعٍ لديه استعداداتُه وموهبتُه التي يصقلُها بالقراءات والتفكُّر ولا يُهمِلُها، ليس عليه أن يقلق بشأن وجوده وحضوره أدبيًّا.
وقد برزت على الساحة الشعرية أصواتُ شاعراتٍ متميّزاتٍ لا يُشبهنَ إلَّا أنفسهنَّ في صدورهنَّ لغةً وشعرًا عن المعنى الذي ارتدنَه وأردنَ الإفصاح عنه. تحضرُني أسماءٌ مُتوهّجة على الساحة اللبنانية، كالشاعرة “حنان فرفور” والشاعرة “أسيل سقلاوي“. هذا لا ينفي الحديث عن ظاهرةٍ سلبيةٍ تفشَّت مؤخَّرًا وساعدت في تفشّيها وسائل التواصُل. فبرزت أصواتُ نشاز. وهي للأسف _وأقولها بصراحة_ أصوات نساء. فقلَّما تجدين بين الرجال من يدَّعي كونه شاعرًا. المؤسف أنَّ موجة الاستخفاف التي نشهدها على مواقع التواصل قد طالت الأدب بشعره ونثره، وأنَّ المهووسين بالشهرة وجدوا في الأدب سلَّمًا يتسلَّقونه إلى غاياتهم. وأرى أنَّ من واجب النقَّاد كبح جماح هذه التجاوزات. كما أنَّ مجتمع الجمهور معنيٌّ بهذا الأمر، لأنَّنا بتنا نجدُ أيَّ أحدٍ لا صفة معنوية أو أدبية له (يطوﱢب) أيًّا كان شاعرًا ويَهبُهُ الألقاب الطنَّانة الرنَّانة المجَّانية. ويحضرني هنا كأبلغتعبيرٍ عن هذه الحالة ما يقوله الشاعر اللبنانيُّ “حسن المقداد”:
“في الكلامِ المُباحِ والمتماهي
كامتداحِ الهواةِ نصَّ الهُواةِ”
٨- يقول جراهام جرين في مذكراته عن الرواية “كتابة رواية تشبه وضع رسالة في زجاجة وإلقاءها في البحر، وقد تقع في أيدي أصدقاء أو أعداء غير متوقعين”. ما رأيك في من يستسهل كتابة الرواية، وهل يوجد لدينا تصنيفات نقدية واضحة للرواية؟
سأبدأ بالإجابة من حيث انتهى سؤالكِ.. نعم، بالطبع هناك تعريفات وتصنيفات واضحة لا لبسَ فيها للرواية وأنواعها. ومع وجود التصنيفات الواضحة يبقى التعريف قابلًا للتطوُّر والتغيُّر بتغيُّر المعطيات المتعلّقة بمواكبة التغيُّرات المتسارعة؛ ما ينعكس مباشرةً على الرواية. وهذا يُذكّرني دائمًا بتعريف الناقد والروائيﱢ السوريﱢ “نبيل سليمان” الذي يقول إنَّ “الرواية فنٌّ هجينٌ، بمعنى أنَّه يلتهم فنونًا ومعارف ويتخلَّق في لغات” وأنَّها “جنسٌ أدبيٌّ بلا تخوم، غول، بحر مفتوح، أفق مفتوح. وسواء في الرواية العربية أم في سواها، الآن أو في الأمس القريب، فالرواية مُشرعة على التاريخ والفلسفة والشعر… لذلك ثمَّة من يتحدث عن موت الرواية أو تبديلها كأفعى لجلدها، بِفعل علاقتها بالأجناس الأدبية وغير الأدبية”. وهو يرى أن “ليس للرواية مهمَّة محدَّدة، كلُّ شيءٍ يمكن أن يكون مهمَّة الرواية”. وهكذا يتأكَّد لنا أنَّ قدرات الرواية على التجدُّد والتخلُّق في كيانات وأساليب جديدة أو طارئة، لا حصر لها. أنا لا أرفض مقولة إنَّ الرواية بطل هذا الزمان. لكن بقدر ما يعود هذا التصنيف إلى ما شهدَته الرواية وتشهدُه من إقبال واهتمام ودراسات وبحثٍ، بقدر ما يعود إلى انفضاضنا نحن العرب عن الشعر الذي هو ديوان العرب. وفي توصيفٍ تمثيلي (إن صحَّ التعبير) لِتوضيح الفكرة، يمكننا تشبيه الرواية والشعر بالوالدَين اللذين مهما ابتعد عنهما الأبناء فهم لصيقون بهما، واللذين لا يمكن المقارنة أو المفاضلة بينهما في درجة الحُبِّ أو في الانتماء.
أمَّا فيما يتعلَّق باستسهال كتابة الرواية، _وهنا لا بدَّ من الاستطراد إلى التصنيفات_ فمن المؤسف أن تكون الإجابة نعم، ومن المؤسف أكثر أنَّ عجلة التطوُّر هي أحد الأسباب. كيف ذلك؟ سأجيبك: إنَّ وسائل التواصل الاجتماعي ومنصَّاته أصابت الناس بهوَس الشهرة، فباتت الأكثرية تركض لاهثةً للوصول إلى الشهرة وإن كان ذلك على حساب الأدب وحُرمة اللغة ومسؤولية الحبر والقلم. أنتِ ترينهم يدمّرون حياتهم الأسرية ومظهرهم بين الناس من أجل الظهور، فهل سيأبهون لِأمر الأدب!؟ واقعُ الأمر أنَّ وسائط التواصُل أدخلت إلى الساحة الأدبية عددًا هائلًا من الدُّخلاء على الأدب. وقد اعترضتني عدَّةُ مواقف لا تُنسى على هذا الصعيد لا مجال للدخول في تفاصيلها الآن. لكن من خلالها ومن خلال تجارب أصدقائي في الوسط الأدبي وما نشهده في الواقع وفي العالم الافتراضي، يمكنني أن أؤكّد لكِ أنَّ بين من يظنُّون أنفسهم الآن يكتبون الرواية من لا يعرف الفرق بين القصَّة القصيرة جدًّا والومضة، ومن لا يعرف الفرق بين القصَّة القصيرة والخاطرة، ومن لا يعرف الفرق بين النوفيلا والرواية أو حتى الفرق بين النوفيلا والمقالة! المشهد باختصار كوميديا سوداء. أنا على يقينٍ مِن أنَّ مَن يقومون بذلك لديهم فراغٌ هائلٌ في حياتهم، وكان أن كتبوا خاطرةً فشجَّعهم أحدهم ممَّن لا علاقة له بالأدب أساسًا. ولو كنتُ في موقع توجيه النصيحة لنصحتُ هؤلاء بأن يملأوا وقت فراغهم بالقراءة، وأن يقرأوا عشرات بل مئات الكتب قبل أن يجازفوا بكتابة حرف، وألَّا يستسهلوا في القراءة كذلك فيقرأوا أيَّ مجموعة أوراقٍ تقع في يدهم. لأنَّه من الأهمّيَّة بمكان أن نفهم ماذا نقرأ وندركَ لماذا نقرأ. فالقراءة العشوائية أيضًا ضارَّة لمن لديه مُخطَّطٌ لِمشروعٍ أدبي.. القراءة العشوائية للهواة. وأنصحهم أخيرًا بالصدق مع أنفسهم: إن كنتم هواةَ مُطالعة _وهذا أمرٌ عظيمٌ يُحترَم_ فهذا ليس بالضرورة دليلًا على أنَّكم أدباء المستقبل. وإلَّا فسيصبح الجميع كُتَّابًا ولن يجدوا قُرَّاءً لهم! كيف يعرف المرء ما إذا كان مشروع أديبٍ أم لا؟ بالصدق مع نفسه والإخلاص لها أوَّلًا من خلال النقد الذاتي القاسي والبنَّاء، ثمَّ باستشارة أهل الاختصاص وسؤالهم، ثمَّ بالاستماع إلى النقد الحقيقي والرأي الصادق من الآخرين حتى إن لم يتوافق ذلك الرأيُ مع تطلُّعاته، بدلًا من الاحتفاء بالآراء المتزلّفة ممَّن هبَّ ودبَّ وممَّن ليسوا أهلَ اختصاص.. لكنَّ المرء يميلُ لِمن يُضحكه…
ثمَّة أمر لا بدَّ من ذكره هنا، وهو أنَّ الجمهور يتحمَّل جزءًا كبيرًا من المسؤولية. وأعني تحديدًا جمهور وسائل التواصل، الذي يُطبّلُ لأيﱢ خربشةٍ ويرفع صاحبها إلى مصاف الأدباء. كما أنَّ القيّمين على المواقع والمجلَّات الإلكترونية يتحمَّلون الجزء الأكبر، إذ يستقبلون كلَّ ما يردُ إليهم وينشرونه دون أدنى التفات إلى المعايير الأدبية أو حتى المهنية التي تفرضها عليهم مهنتُهم في الإعلام. وفي هذه وتلك، فإنَّ وسائل التواصل ليست مُذنبة؛ فهي مجرَّد أداة. عنيتُ أنَّ كيفية استخدامنا إياها تذهبُ بالشأن الأدبي إلى نتائج لا تُحمد عُقباها، بينما كان وما زال بإمكاننا أن نستخدمها في الطريق الصحيح ولِخدمة الأدب الرَّصين والجاد.
وإن أردتُ الذهاب أبعد _وفي اختصارٍ للمشهد بِعامَّةٍ_ يمكنني أن أنسبَ معظم ما نعانيه من تردﱟ على جميع المستويات _وفي الفنﱢ كما في الثقافة والأدب_ إلى تعويم المواقع والصفحات والأشخاص وكلِّ ما من شأنِهِ تسطيحُ المفاهيم وتغييبُ القيَم وتسخيفُ القضايا. إنَّه ما نشهده من إحلال السخافة محلَّ الثقافة بما يخدم المخطَّطات الرامية إلى اقتلاعنا من جذورنا.
٩- حدثينا عن نبضك الأزرق…
سأجيبُ على مستويَين مُتَّصلَين غير منفصلَين. الأوَّل: لماذا “نبض الأزرق”؟ أي الإرهاصات. والثاني: مضمون “نبض الأزرق”.
لم تكُن أولى إرهاصات “نبض الأزرق” أنَّني رأيتُ الموت من مسافة صفر حين غرقتُ في نهر العاصي، ثمَّ كانَ بَعدَ تلك الحادثة بِسنتَين أن أصيبَ كبدي بأزمةٍ صحّيَّةٍ لازمتُ خلالها المشفى لشهرَين لم تعُد حياتي بعدهما كما كانت.
طبعًا، أنا لا علاقة لي بكلِّ الخرافات والتخريفات. ولا أقتنع إلَّا بما يقوله العقلُ والمنطق. لكن ثمَّة أمور وأحاديث تجري لا لشيءٍ سوى أن تبقى في رأسك! فكان ذات مرَّةٍ أن قرأ أحد الأصدقاء شخصيَّتي وكفَّ يدي بعد أن أكَّد لي أنَّه لا يفعل ذلك إلَّا إذا أومضت الشخصيةُ التي أمامه بإشارات خفيَّة. قال إنَّه قرأ فيَّ أسرارًا. منها مثلًا أنَّني سأرحلُ عن بيروت سريعًا وفجأةً. أجبتُهُ: ذلك ما لا يمكن أن يحصل. فأجاب: لن يكون لكِ الوقت ولا القرار. بعدها بشهرين اندلعت حرب تمُّوز 2006 واضطررتُ لمغادرة بيروت على وجه السرعة. قال كذلك أنَّ في حياتي رجُلَين يَسنُدانني، وأنَّ أحدهما لن يُكمِل معي الطريق. خفتُ على أبي وأستاذي. بعد ذلك بِسنوات رحلَ أستاذي ورفيق رحلتي الأستاذ سهيل الطشمعن هذه الدنيا. قال ذلك الصديقُ الكثيرَ، ولكنَّني أذكرُ أنَّه ألمحَ كثيرًا إلى اللون الأزرق وإلى مرضٍ ما. إشارة هنا إلى أنَّه من الصعب جدًّا حين أحتاج فحوصاتٍ طبية أن يتمكَّن أحدٌ بسهولة من استخراج عيّنة دم من عروقي. لِذا فأنا لا أنزفُ دمًا، بل حبرًا.
بدايةً كنتُ أُحِبُّ البحر حُبًّا أفلاطونيًّا، فأكتفي بمشاهدة أمواجه عن الشاطئ أو عن الكورنيش البحري ولا أدخُلُه. طيلة ذلك الوقتِ لازمَني كابوسُ موت أبي حيثُ كنتُ أستفيقُ غارقةً بدموعي. ولم يتراجع ذلك الكابوس إلَّا بولادة ابني. كما لازمني كابوسٌ لا يمكنني وصفُه الآن ولا في أي وقتٍ لأنَّه عصيٌّ على الوصف. هو يُحَسُّ فقط على أقصى درجة رُعبٍ وانخطافٍ حيث الموج يرتفع فوقك ويغمرك في مبنًى من عشرات الطوابق على تلَّةٍ مُواجِهةٍ للبحر لتُدرِكَ أنَّ بيروت قد غرقَت كذلك! هذا الكابوس لا أعلم متى توقَّف لكنَّ آثاره عليَّ لم تنتهِ.
لِذا اتَّخذتُ القرار منذ سنوات بمواجهة خوفي وتعلُّم السباحة.. حتى أصبحتُ سمكةً لا حياةَ لها خارجَ الماء.
“نبضُ الأزرق” هو نبضُ البحر فيَّ ونبضُ الحبرِ فيَّ. هو نبضُ بحر بيروت ونهر الهرمل.. هو كذلك نبض الموت والحياة. وقد عرَّفتُهُ في الندوة الأولى التي أُقيمت حوله بأنَّه “كتابٌ، أو فلْنقُلْ هو رسائلُ في الحُبِّ على ضفَّة الموت، في الوطن على حافَّة الغربة”. عصارةُ سنواتٍ خبِرتُ فيها أهوالَ الموت والحربِ والغربةِ والحُب. كتبتُ فيه إيماني وقناعتي بأنَّ في الحُبِّ خلاصَنا من أدران هذا العالَم. نعم، ليس بالحُبِّ وَحده يحيا الإنسان.. لكن.. بالحُبِّ ينجو الإنسان”.
