31
0
70
0
77
0
113
0
424
0
الرياض_فرقد تستضيف هيئة الأدب والنشر والترجمة، سلطنة عُمان الشقيقة كضيف شرف للدورة المقبلة من معرض الرياض الدولي للكتاب 2023، والذي سيقام تحت شعار "وجهة ملهمة" خلال …
12047
0
11791
0
11054
0
10250
5
8326
0
إعداد أشواق الرقيب
ترتبط السياحة بالثقافة عبر تداخلات معقدة ومتعددة الأبعاد، حيث لا تقتصر العلاقة على التنقل من مكان إلى آخر فحسب، بل تشكل حلقة اتصال حيوية تجمع بين الأماكن ذات الطابع الأدبي والتاريخي، والواقع الحي للأزمنة والأمكنة التي تحتضن هذه الثقافات. فالسياحة الثقافية تجمع بين السفر والترحال، والتعرف العميق على ثقافات الشعوب المختلفة، ما يتيح استكشاف التراث المتنوع والمتشابك بين محطات التاريخ والجغرافيا. هذا التراث لا يقتصر على المظاهر الخارجية، إنما يتناول القيم والأفكار والعادات التي تُنسج في نسيج حياة المجتمعات.
في مجلة فرقد سنناقش مفهوم (السياحة الثقافية) وتداعياتها وما يرتبط بها من أمنيات وتطلعات، الشعوب. من خلال طرح المحاور الآتية على نخبة من أصحاب الرؤى في المشهد الثقافي:
– كيف تقيمون انعكاس الزيارات المتبادلة محليًّا وعربيًّا لإثراء المشهد الثقافي، وما النتائج المأمولة في هذا الجانب؟
– هنالك تكرار وروتينية في مواسم السياحة الثقافية.. ما تعليقك على هذا الرأي وكيف يتم تجاوز هذا المشهد السنوي المكرر؟
– ما التطلعات والأمنيات حول مستقبل السياحة الثقافية؟
صناعة الثقافة أكبر من مجرد ترفيه

يفتتح حوارنا الناقد والأديب د. حسن النعمي بقوله:
لا أعلم إن كان مصطلح السياحة الثقافية ملائمًا للحالة الثقافية، لكن لا شك أن تبادل الزيارات الثقافية مهم جدًا في تنشيط الحركة الثقافية ومد جسور التواصل، سواء عبر المشاركات الرسمية أو المبادرات الفردية. فكرة السياحة تنم عن فعل ترفيهي أكثر منه صناعة ثقافية. لذا يجب أن نفرق بين أمرين، أولًا صناعة الثقافة، ثانيًا تلقيها، من حيث الصناعة فلا ينطبق عليها ممارسة الترفيه السياحي، أما من حيث التلقي فهذا وارد أن تكون الثقافة مسألة ترفيه ثقافي، خاصة في جانب السينما والمسرح.
من هذا المفهوم أرى أن فعل الثقافة (صناعة الثقافة) أكبر من مجرد ترفيه؛ إذ هو بناء معرفة تتحقق بوسائل مختلفة، منها تبادل الزيارات بين الدول، سواء كانت عبر ممارسات فردية أو مؤسسية.
ويمكن أن تكون القراءة وخاصة القراءات في المجال الإبداعي الشعري أو السردي سياحة إبداعية، كونها تندرج تحت مبدأ التلقي، فجانب من جوانب التلقي الذي لا يخلو من سياحية في الإبداع سواء كان محليًا أو عربيًا أو أجنبيًا.
ومن تجاربي الخاصة، عندما قرأت لأول مرة في حياتي رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، أيامها كنت ما زلت طالبًا في الثانوية، لم أبرح بعد مدينة أبها التي درست فيها التعليم العام قبل الانتقال لمدينة جدة لإكمال دراستي الجامعية.
قرأت رواية زقاق المدق، وأبحرت معها في تصوير المكان، القاهرة كما صورها نجيب محفوظ، بأدق التفاصيل. كنت أقرأ وأتخيل تركيبة التفاصيل. بعدها بسنوات زرت القاهرة وحرصت على زيارة زقاق المدق، فوجدته أقل حيوية مما كان في الرواية. منها تعلمت أن واقع الرواية مختلف عن الواقع المادي، وأن الرواية عالم متخيل موازٍ للواقع، وصلتها بالواقع مجازية ليس إلا. وأختم بقولي: إن مفهوم السياحة تجاري، لا أحسبه ملائمًا للثقافة إلا من باب المجاز الواسع!
السياحة الثقافية تعزيز للتراث الوطني
وترى الناقدة الدكتورة سحر المعنا أن التطلعات لمستقبل السياحة الثقافية تتماشى مع رؤية المملكة العربية السعودية 2030. ولخصت أبرز هذه التطلعات عبر نقاط عدة أهمها:
١- أن تصبح المملكة من أهم الدول الجاذبة للسياحة الثقافية في العالم العربي والإسلامي والعالمي، عبر إبراز تراثها الغني وتاريخها العريق.
٢- استثمار المواقع التراثية والتاريخية.
٣- تطوير المواقع التاريخية والثقافية مثل: العلا، الدرعية، مدائن صالح، وجدة التاريخية لتكون مقاصد سياحية عالمية بمعايير متقدمة.
٤- تعزيز الصناعات الثقافية والإبداعية.
أما عن الأمنيات والطموحات الثقافية فترى ضرورة الحفاظ على الهوية الثقافية السعودية، وأن تسهم السياحة في تعزيز الاعتزاز بالتراث الوطني، لا أن تؤدي إلى تغريبه أو تشويهه. كذلك دمج التقنيات الحديثة في عرض التاريخ والثقافة دون المساس بجوهر الأصالة. وأخيرًا التبادل الثقافي البناء.
التكرار والنمطية يقلل من الفاعلية الثقافية

ويؤكد الباحث والدبلوماسي د. خالد راشد حمود على أهمية السياحة الثقافية بقوله:
تُعدّ السياحة الثقافية جسرًا للتقارب بين الشعوب، وأداة لإثراء الهوية الوطنية وتعزيز الحوار الحضاري، وقد شهدت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة حراكًا ملحوظًا في هذا المجال، عبر مواسم ومهرجانات تستعرض تنوّعها التراثي والفني والفكري. وأسهمت الزيارات المتبادلة محليًا وعربيًا في تنشيط هذا الحراك، بما يعكس صورة السعودية المتجددة والمنفتحة على العالم. إلا أن بعض الفعاليات لا تزال تعاني من التكرار والطرح النمطي، ما يقلل من فاعليتها الثقافية. ولتجاوز ذلك، يُقترح تطوير فعاليات إبداعية تستلهم الموروث بأساليب معاصرة، وتُشرك المجتمعات، وتوظّف تقنيات الواقع المعزز والافتراضي، إلى جانب إطلاق مهرجانات متنقلة ومسابقات لصناعة القصص وتحويلها إلى محتوى بصري، مع دعم الشراكات الثقافية الدولية والمحلية ودمج الفنون الحديثة بالفلكلور. وقد بدأت المملكة بالفعل بتطبيق بعض هذه المقترحات، مثل مبادرة “أدب العلا” وتجارب الواقع التفاعلي في بعض المواقع التاريخية، لكنها لا تزال في طور البناء والتجريب، وتحتاج إلى مزيد من التوسيع والتكامل لتتحول إلى منظومة مستدامة تُعزز الحضور الثقافي السعودي إقليميًا وعالميًا.
الزيارات الثقافية استثمار في الإنسان والهوية

فيما يرى الأستاذ عبد الله الغرابي رئيس نادي الرحالة العرب، أن الزيارات المتبادلة تسهم في إبراز التنوع الثقافي داخل المملكة، وتعزز من مفهوم الهوية الوطنية الجامعة. أما على الصعيد العربي، فهي تفتح الباب أمام مبادرات مشتركة في مجالات الأدب والفنون والتراث والبحث، ما يعزز من مكانة الثقافة كقوة ناعمة تجمع ولا تفرق. ومن أبرز النتائج المأمولة لهذه الزيارات: إطلاق مشاريع فكرية وفنية مشتركة، وتكوين بيئات ثقافية جامعة، وتمكين الطاقات الشابة، إضافة إلى دعم السياحة الثقافية وتعميق القواسم المشتركة بين المجتمعات العربية. إن الاستثمار في الزيارات الثقافية المتبادلة ليس ترفًا، بل هو استثمار في الإنسان والوعي والهوية. وهي، بلا شك، خطوة استراتيجية نحو مشهد ثقافي أكثر إشراقًا واتساعًا.
أما عن التكرار والروتينية فيرى أن جوهر المواسم الثقافية قائم على التجديد والدهشة، لا على إعادة تدوير ذات الأنشطة والأسماء والأفكار. فالثقافة السياحية بطبيعتها متجددة، ترتبط بالسياق الزمني والمكاني، وتنهل من قضايا المجتمع وهمومه وتطلعاته. أما أن تظل الفعاليات في نمطية لا تتغير، فهذا ما يفرغها من معناها، ويحوّلها إلى واجب موسمي لا أكثر. وعن التطلعات حول مستقبل السياحة الثقافية يجيب:
٠ أن تعكس التجربة السياحية الهوية الثقافية الأصيلة للمكان.
٠ أن تتحول من المشاهدة إلى المشاركة والتفاعل.
٠ أن تتنوع التجارب بحسب خصوصية كل منطقة دون تكرار.
٠ أن تُدار الفعاليات برؤية مستدامة تحفظ التراث وتراعي البيئة.
٠ أن تُدمج الثقافة بالتقنية لتقديم تجربة حديثة وجاذبة.
التوازن مطلب بين الأصالة والابتكار والمحلي والعالمي
وتشاركنا الرأي وكيلة كلية العلوم والآداب بجامعة نجران، د. وضحى آل ورقش بقولها: إن الزيارات الثقافية المتبادلة هي رئة المشهد ونافذة التكامل، تُعدُّ رافدًا مهمًّا يُنعش المشهد الثقافي، ويمنحه أبعادًا معرفية وروحية تتجاوز مجرد التنقل الجغرافي.
فالزيارات محليًا تعزز الإحساس بالوحدة الوطنية وسط تنوُّع المناطق، وتُعيد اكتشاف الخصوصيات التراثية التي تثري الوعي الجمعي. أما عربيًا، فتمثِّل السياحة الثقافية جسرًا للتقارب، يعزز من فرص تشكيل تكتل ثقافي يحفظ الهوية ويواجه تحديات العولمة. أما عن التكرار والروتينية في المواسم فترى صواب هذا الرأي إلى حد ما، فتجيب: لقد أصبحت بعض المواسم الثقافية -رغم الجهود المبذولة- أقرب إلى “عُرف سنوي” يكرر نفسه بشعاراته وبرامجه، دون أن يقدم تجديدًا نوعيًا أو خطابًا ثقافيًا متقدِّما، ثم إن المشكلة لا تكمن فقط في تكرار الفعاليات، بل في غياب الرؤية التجديدية والبعد التفاعلي الحقيقي مع الجمهور.
ولتجاوز هذا المشهد، لا بد من التفكير في السياحة الثقافية ليس كحدث موسمي، بل ممارسة مستمرة مرتبطة بالتعليم، والاقتصاد الإبداعي، وريادة الأعمال الثقافية.
أما عن التطلعات حول مستقبل السياحة الثقافية فترجو أن يتحقق نوع من التوازن: بين الأصالة والابتكار، بين المحلي والعالمي، بين الماضي والمستقبل. فالسياحة الثقافية ليست استهلاكًا لما مضى، بل إعادة خلقه بلغة الحاضر واحتياجات الغد.
التنوع الجغرافي من محفزات الإبداع

ومن جهته يؤكد الأديب والقاص جمال الدين من السودان على دعم التنوع التضاريسي للإبداع بقوله:
تعنى الثقافة السياحية بتجربة الفنانين والمبدعين بالانتقال والعيش في أماكن جديدة وسط المجتمعات المحلية والتعرف على نمط العيش والموروث الثقافي والفنون في تلك المجتمعات. واستلهام التجربة في إبراز كل ذلك في المنجز الإبداعي.. المملكة العربية السعودية بما حباها الله من أنعم عظيمة.. فهي مركز الكون.. قبلة العالم الإسلامي.. منبع الحضارات القديمة . جاءت الرؤيا في ظل قيادة شابة ملهمة تحلم وتحقق ليشهد العالم التطور والتحولات الكبيرة التي طالت صنوف و مناحي الحياة.. الاقتصادية.. الاجتماعية.. الثقافية.. استطاعت أن تقدم وجهًا جديدًا مشرقًا بالنور أبهر العالم.
إن اهتمام القيادة بوزارة الثقافة و السياحة يبرز العناية التي توليها الدولة لإيجاد براز هذا الوجه وتعزيز مكانته بوضع الخطط ورصد التمويل، ثم يأتي دور المبدعين لتنزيل البرامج والخطط على أرض الواقع.
إن دعوة وانتخاب المبدعين و المؤثرين في شتى أجناس الإبداع من أقطار الأرض. من الشرق الأقصى والغرب والمحيط الإقليمي، وحتى أولئك المبدعين الذين هاجروا إلى المملكة طلبًا للرزق لتجربة السفر السياحي، والتعرف على الحضارة العربية الأصلية ومواقع التراث العالمي والتعرف على الفنون والفلكلور، هو بمثابة الشرارة التي تطلق المخيلة لتلعب دورها في عكس صورة حية للعالم. العالم الذي دعته المملكة بحب وهي تحتضن نهائيات كأس العالم 2034. لا بد أن يستفز المبدع منظر الجبال والشلالات والأطلال والقصور والكهوف والأودية في عسير الجنوب أو أجا وسلمى في الشمال أو سهول تهامة أو أحياء جدة التاريخية والبحر ودرة العروس أو يلفت نظره دقة تصميم زي شعبي، أو حرفية صناعة قوارب الصيد في الشرقية أو رقصة شعبية على نغم حجازي، تلك لقطات تختزنها ذاكرة المبدع وحالما تختمر تخرج في ضربة فرشاة أو رنة وتر موسيقي أو منحوتة فنية أو فيلم أو قصة أو رواية وقصيدة.
ما بين التكرار والحصاد فرصة قائمة للابتكار
فيما تطمح الأديبة والناقدة ندى الغامدي إلى أن تتحول السياحة الثقافية في المملكة إلى مسار اقتصادي ومعرفي مستدام، يُسهم في رفع جودة الحياة، من خلال تعليقها على محاور القضية، حيث أفادت:
تُعد السياحة الثقافية إحدى الركائز الأساسية في بناء جسور التواصل بين الشعوب، ومن أبرز الوسائل التي تستعرض من خلالها الدول تاريخها وهويتها الثقافية، عبر تراثها وموروثها وفنونها الشعبية وعاداتها الاجتماعية. في المملكة العربية السعودية، شهد هذا النوع من السياحة اهتمامًا متزايدًا ضمن مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030، ما جعل من الثقافة والتراث أحد عناصر القوة الناعمة التي تسهم في ترسيخ حضور المملكة العربية السعودية في الخريطة الثقافية السياحية العالمية. ويسهم تبادل الزيارات محليًا وعربيًا في تعزيز الحوار الحضاري، وبناء روابط ثقافية بين مختلف الشعوب. لا تكتفِ الزيارات بترويج التراث والموروث الشعبي، بل تُعد فرصة للتفاعل والتعلّم والاستلهام. من خلال هذه المبادرات، يستطيع الزائر العربي أو المحلي أن يتعرف على تنوع التراث في المملكة، ما يسهم في إثراء المشهد الثقافي ويوفر تجربة غنية تنسجم مع تطلعات الزوار المحليين والدوليين.
ويرى بعض المهتمين أن هناك تكرارًا في الأنشطة والمواسم الثقافية، وأنها تُقدَّم في كثير من الأحيان بنفس القوالب، رغم ما تَحَقق من جهود واضحة في إحياء السياحة الثقافية، وهذا ما يتطلب تطويرًا مستمرًا في آليات التخطيط أولًا ثم التنفيذ، من خلال:
• الاستفادة من تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز؛ لخلق تفاعل أكبر مع التراث.
• إشراك الشباب والمجتمعات المحلية في صياغة التجربة الثقافية.
• الربط بين التراث والحداثة بأسلوب عصري يعكس الهوية السعودية بروح
ونطمح إلى أن تتحول السياحة الثقافية في المملكة إلى مسار اقتصادي ومعرفي مستدام، يُسهم في رفع جودة الحياة، وتوليد فرص استثمارية. من أبرز التطلعات: تعزيز حضور التجارب الثقافية الأصيلة بما يتماشى مع الطلب العالي على هذا النمط من السياحة. إضافة إلى تحويل مواقع التراث إلى مساحات تعليمية وتفاعلية تجذب الأطفال والناشئة.
ختامًا، يقاس نجاح السياحة الثقافية بعمق التأثير، وتجدد الرؤية، واستمرارية الأثر.. ما بين التكرار والحصاد، تبقى الفرصة قائمة وحاضرة لتشكيل مشهد ثقافي حي ومتجدد، يعكس ثراء الماضي وطموح المستقبل.
التلاقح الثقافي يصنع من الجغرافيا خريطة وجدانية

أخيرًا نختتم حديثنا مع رئيس النادي الأدبي بنجران سعيد آل مرضمة الذي يعزز السياحة الثقافية كواحدة من تلك الظواهر التي تُقاوم النسيان، وتُراهن على أن الذاكرة الجماعية ليست مجرّد أرشيف، بل مصدر حياة متجددة. إنها ليست مجرد مواعيد على رزنامة الفعاليات، بل رحلة وعي، ووسيلة للانفتاح على الآخر، عبر بوابة الذات أولًا.
الزيارات الثقافية المتبادلة.. من التلاقي إلى التكامل.
حين يلتقي مثقف من نجران مع باحث من فاس، أو حين تتحاور فنون عسير مع موسيقى تونس، فإننا لا نتبادل فقط فنونًا وعروضًا، بل نُعيد –من حيث لا ندري– صياغة الوعي الجمعي العربي من جديد.
إن الزيارات الثقافية المتبادلة تشكّل العمود الفقري لهذه السياحة، بوصفها ساحة لاكتشاف ما نعرفه وما نجهله. فهي تذيب الفوارق الجغرافية وتفتح آفاق التعاون المعرفي، وتصنع من الجغرافيا خريطة وجدانية تتجاوز خرائط الحدود.
لكن هذا الأثر الإيجابي لا يتحقق إلا إذا كانت هذه الزيارات نابعة من مشروع ثقافي حقيقي، يحظى بالدعم المؤسسي والمجتمعي معًا. لا يكفي أن تُنظم الوفود والبرامج، بل يجب أن تُبنى على رؤية تعرف أن الثقافة ليست ترويجًا لصورة، بل بناء لقيمة.
والتحدي الحقيقي أمام السياحة الثقافية اليوم هو أن تتحول من “مهرجانات” إلى “مشروعات”.. أن تكف عن كونها حدثًا موسميًا، وتصبح فعلًا ممتدًا، يُربّى في المدارس، ويُناقش في الندوات، ويُستثمر في الإعلام.
إن التطلع الأكبر هو أن نرى كل مدينة، وكل منطقة، تخلق مشروعها الثقافي الخاص: مشروع لا يكتفي بعرض التراث، بل يُعيد قراءته بلغة العصر، ويشرك فيه أبناءها، لا كمستفيدين فقط، بل كمُنتجين وشركاء.
تمامًا كما فعلت “العلا”، حين مزجت بين أطلال التاريخ وأصوات الفن المعاصر، وخلقت حوارًا بين الزمنين. وكما فعلت فاس في أسواقها العتيقة التي احتضنت معارض الخط والحرف والفكر معًا.
أخيرًا: السياحة الثقافية، إذا أُحسن استثمارها، ليست فقط وسيلة لإحياء الماضي، بل أداة لصناعة المستقبل. إنها مرآة لهويتنا، وحقل نزرع فيه أسئلتنا، ونحصد منه وعينا.
فهي ليست محطة للتسلية، بل دعوة إلى إعادة اكتشاف الإنسان فينا…
الإنسان الذي يحمل الذاكرة في قلبه، ويصنع منها مستقبلًا أكثر وعيًا، وأكثر جدارة بالانتماء…
التعليقات