278
0
968
0
522
0
738
0
109
0
55
0
71
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12671
0
12199
1
12089
0
11319
5
9057
0

شوقية الأنصاري*
لم يعد أدب الطفل في زمن الانفتاح الثقافي المعاصر مجرّد وسيلة للتسلية أو الوعظ الأخلاقي أو أداة للتربية ونشر المعرفة، بل شُرّعت نوافذه الثقافية التفاعلية لتتشكل من خلاله شخصية الطفل المثقف، ومؤشرات ثقته على مهاراته واضحة، وعلى لغة وعيه شاهدة، فتكشف الحقائق عن طفل قارئ منغمس في معرفته وتاريخه وثقافته بحكمة راشدة، ومنسجم مع تراثه وقيمه بصورة متوازنة.
ومن بين المناهج الحديثة التي يمكن أن تسهم في قراءة تلقي الطفل لأدب الطفل وتفاعله معه، وتأخذ زاوية تأملية حول تأثير الأدب في تفكير الطفل وتحسين سلوكه، إنها نظرية التلقي وجمالية أبعادها من فلسفة للمسافة تنكشف، لنقف على ملاحظات رياضية، في قياس حدود قرار الطفل العطافي والعقلاني لما بعد التلقي الحر والتوجيه الواعي.
تقدم قصة (الإيثار والإيجابية) نموذجًا تطبيقيًا لهذا التوظيف، حيث تستحضر ذلك الحدث التاريخي العظيم (بناء المسجد النبوي) في إطار النواة الأولى لتلقي السرد القصصي بصوت الأسرة الواعية المتحضرة، فتشارك الطفل وتوجَّهه، بما يتوافق مع براءة الطفولة للتلقي.
هذا يجعلنا نقف على تفكيك فلسفة المسافة من خلال النص الجيد، الذي لا يفرض معناه فرضًا، ولا يترك المتلقي تائهًا، بل يمنحه مساحة آمنة للتأمل والفهم والإدراك، فالمسافة هنا ليست انقطاعًا وتشتّت، بل شرطًا للفهم من خلال التأمل والربط والتحليل والمقارنة، فسرها الفيلسوف (بول ريكور) بقوله: “المعنى لا يُعطى جاهزًا، بل يُبنى عبر مسافة تأويلية بين النص والقارئ”، ومن خبرة تربوية تلحظ الطفولة ونماء تفكيرها، أجد أن هذا المفهوم بحد ذاته بالغ الأهمية لتنمية مواهب الأطفال، وتوظيف استراتيجي لأدب الطفل من منطلقات معرفية وتربوية؛ لأن الطفل بحاجة لنص يتعايش معه، يقرّبه من القيمة الجوهرية للتحسين المستدام، دون أن يصدم وعيه أو يُلْغيه، بل يحفزه وينبهه ويوقظ حسّه.
تعالج القصة حدثًا جوهريًا في السيرة النبوية، فهي لا تقدّمه بوصفه سردًا تاريخيًا مباشرًا، بل من خلال حوار أسري مبسط متعايش بمواقف يومية، وأسئلة الأطفال حولها تتصاعد، وهنا تتحقق مسافة واعية بين قدسية الحدث (بناء المسجد النبوي) وبساطة التلقي الطفولي، وهو ما ينسجم مع رؤية (غادامير) الذي يرى أن “المسافة الزمنية ليست عائقًا للفهم، بل شرط من شروطه” فالطفل لا يشعر بأن التاريخ بعيد عنه، بل يراه ممتدًا في قيم التعاون والإيثار التي يعيشها يوميًا.
تمكّن الأديب من هندسة أحداث القصة بأبعادٍ زمكانية، وهيأ لكل طفل تأمل حدوده قبل اتخاذ قراره، حتى إذا انكشفت بالحوارية عمق الفكرة السردية، جاء دور الأسرة من مسافة راشدة لتضبط ضجيج البدايات، وتكشف عن دهشة جمالية لفلسفة الطفل الراوي، وتَلقّيه المشهد من مسافة رقمية تقنية، إلى مسافة حدود الجلسة العائلية، وانسجام المشاعر متوسّم بالصدق على الملامح.
لقد نجح الأديب في توظيف قصته لتترجم التلقي بجمالية الحوار لا بالتلقين والحفظ، فخلت القصة من أسلوب الوعظ المباشر، فالأب في النص لا يلقّن، لا يأمر، بل يحاور ويقصّ ويترك المجال للتفكير، لتنتهي القصة بمحاكاة صوت الآذان موجَّه للطفل من الطفل، وهو ما يؤكد احترام رأيه لتفتح له آفاقا نحو فلسفة التلقي التي ترى أن القارئ شريك في بناء المعنى، وصفها (آيزر) بقوله: “النص الأدبي لا يكتمل إلا بفعل القارئ”.
ومن ذكاء كاتب القصة دمجه للألعاب والتقنية كمسافة ذكية لا قطيعة، تحضر في عدة عناصر معاصرة لترف العائلة كالهاتف المحمول والألعاب الإلكترونية، لكنها لا تُدان أو تُقدّس، بل تُوظّف تربويًا ضمن سياق أسري واعٍ، وهذا ينسجم مع الفلسفة التربوية الحديثة التي يؤكد فيها (جون ديوي) أن: “التربية ليست إعدادًا للحياة، بل هي الحياة نفسها”، فالطفل لا يُعزل عن واقعه، بل يُرشَد إلى كيفية التفاعل الإيجابي معه.
ويظهر عنصر الجمال بوصفه مدخلًا للقيمة، من خلال لغة القصة الواضحة، الهادئة المناسبة للمرحلة العمرية المقدمة له، وتساندها رسوم غير مفرطة، برمزية تدعم هوية الطفولة، وتحافظ على طابعها الطاهر، وهو ما أشار إليه (إيمانويل كانط) في حديثه عن التذوق الجمالي: “المتعة الجمالية تقوم على مسافة تمنح الحرية دون تملّك”، فيتفاعل الطفل مع القيمة من باب الجمال لا الخوف أو الرهبة.
أخيرًا، تؤكد قصة (الإيثار والإيجابية) أن أدب الطفل قادر على نقل القيم الكبرى، وتبسيط التاريخ، وبناء وعي أخلاقي واجتماعي، عبر احترام فلسفة المسافة التي تجعل من الطفل قارئًا مفكرًا، لا مجرد حافظ أو مقلِّد، وهي بذلك تمثل نموذجًا جديرًا بالاحتفاء في ميادين ثقافة الطفل، لما تحمله من توازن بين التربية والجمال، وبين السيرة والحياة اليومية.
كاتبة وباحثة الدكتوراه في أدب الطفل – سعودية

الأديب د. مصطفى غنايم
التعليقات