
حوار _ عبدالعزيز طياش المباركي
* رؤية المملكة 2030م وضعت لتكون خارطة طريق شاملة للتحول الوطني.
* تميز الخطاب المعاصر للدولة السعودية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، بربط الماضي بالمستقبل.
* نجاح التحول الاقتصادي والاجتماعي مرهون بمدى إسهام المواطنين في تحقيق مستهدفاته.
* أسهم نظام هيئة البيعة في تنظيم انتقال المسؤولية والسلطة داخل الأسرة الحاكمة على أسس واضحة.
* هذا الذي منح الرؤية مصداقية ثقافية وشعبية.
* التعليم وسيلة للحفاظ على القيم المؤسسة للدولة.
جاءت رؤية المملكة 2030 بوصفها خارطة طريق شاملة للتحوّل الوطني مستندة إلى جذور عميقة تشكّلت منها ملامح الدولة السعودية منذ يوم التأسيس، حين لم يكن البناء فعلَ لحظة، بل مشروع دولة ممتدّ في الزمن. وفي الخطاب المعاصر للدولة، برز هذا الوعي بوضوح في الربط بين الماضي والمستقبل، بما يعزّز الإحساس بالهوية، ويمنح مسار التحوّل بعده الثقافي والاجتماعي.
في هذا السياق، نلتقي في حوار «شخصية العدد» عبر مجلة «فرقد الرقمية» ضمن ملحق يوم التأسيس مع سموّ الأميرة الدكتورة الجوهرة بنت فهد بن محمد، المتخصّصة في اللغة العربية والفلسفة، ومؤسسة جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن وأول رئيسة لها؛ حوارٌ يفتح النقاش حول دور التعليم في وصل التأسيس بالهوية الوطنية، وترجمة الانتماء إلى مسؤولية فاعلة في حاضر الوطن ومستقبله.
*يوم التأسيس عبارة عن جذر عميق تشكلت منه ملامح الدولة السعودية
– يمثل يوم التأسيس الجذر الأول للدولة السعودية.. كيف تقرأ سموكم هذا اليوم في علاقته بما تعيشه المملكة اليوم من نهضة وتحول شامل؟
يمثل يوم التأسيس السعودي نقطة مفصلية في التاريخ الوطني، إذ يعود إلى عام 1139هـ /1727م حين أسس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى، واضعًا اللبنات الأولى لكيان سياسي مستقر يقوم على الوحدة الشرعية، والاستقلال، ولا يقتصر الاحتفاء بهذا اليوم على كونه حدثًا تاريخيًا، بل تجاوز ذلك ليصبح مدخلًا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، خاصة في ظل ما تشهده المملكة العربية السعودية اليوم من نهضة شاملة وتحولات عميقة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
على ذلك، فإن يوم التأسيس لا يُقرأ كحدث عابر، بل كجذر عميق تشكلت منه ملامح الدولة السعودية عبر مراحلها المتعاقبة، فعلى الرغم مما مرت به الدولة السعودية من تحديات وسقوط وقيام، فإن الخيط الناظم بينها ظل حاضرًا ويتمثل في: وحدة القيادة، والهدف في بناء دولة قوية ومستقرة قائمة على التوحيد، والتلاحم بين القيادة والمجتمع بوصفه مصدرًا للشرعية والقوة والقدرة على التجديد، مع الحفاظ على الثوابت.
وتؤكد هذه الاستمرارية أن الدولة السعودية الحديثة ليست في قطيعة مع الماضي، بل امتداد طبيعي لجذورها التاريخية التي انطلقت مع يوم التأسيس.
وعلى ذلك، فإن المملكة العربية السعودية تعيش اليوم مرحلة تحول تاريخية كبرى تتجسد في رؤية المملكة 2030م التي تهدف إلى تنوع الاقتصاد، وبناء اقتصاد معرفي مستدام، وتمكين الإنسان السعودي، وتعزيز جودة الحياة، والانفتاح الثقافي والحضاري مع الحفاظ على الهوية الوطنية.
ويمكنني قراءة هذه التحولات بوصفها تجليًا معاصرًا لروح التأسيس، فكما كان الهدف في بدايات الدولة هو بناء كيان قوي ومستقر، فإن الهدف اليوم هو بناء دولة طموحة مزدهرة وفاعلة عالميًا تستند إلى تاريخها، وتستثمر في مستقبلها.
ولا يقتصر يوم التأسيس على استحضار الماضي، بل يسهم في تعزيز الوعى الوطني لدى الأجيال الجديدة، وترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية تجاه الوطن.
بذلك يصبح يوم التأسيس جسرًا رمزيَا ومعرفيًا يصل بين البدايات الأولى والطموحات المستقبلية.
وفي ضوء ما أوضحته يتضح أن يوم التأسيس يمثل الجذر الأول للدولة السعودية، ليس فقط من حيث النشأة التاريخية، بل من حيث القيم والمبادئ التي ما زالت تحكم مسيرتها حتي اليوم.
وتظهر النهضة الشاملة التي تعيشها المملكة أن هذ الجذر لا يزال حيًا وفاعلًا يغذي الدولة الحديثة ويمنحها القدرة على التحول والتجدد بثقة وثبات، من هنا فإن قراءة يوم التأسيس في علاقته بالحاضر تكشف عن دولة تعرف تاريخها جيدًا وتبني مستقبلها بوعى واستمرارية.
* تميز الخطاب المعاصر للدولة السعودية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، بربط الماضي بالمستقبل.
كيف ترون استحضار التاريخ والعمق الحضاري في بناء خطاب الدولة المعاصر، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز؟
أرى أن عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، يعد مرحلة مفصلية في إعادة توظيف التاريخ الوطني والعمق التاريخي للمملكة العربية السعودية، ضمن خطاب الدولة المعاصر، بوصفه ركيزة من ركائز الشرعية، وبناء الهوية، وتعزيز الثقة في مسار التحول الوطني، وقد اتسم هذا الاستحضار بالوعى المنهجية، بعيدًا عن التناول العاطفي أو الاحتفائى المجرد.
وقد انطلق الملك سلمان حفظه الله، بحكم تكوينه المعرفي واهتمامه المبكر بتاريخ المملكة من رؤية تعتبر التاريخ عنصرًا مؤسسًا للشرعية السياسية، حيث جرى التأكيد على أن الدولة السعودية الحديثة هي امتداد تاريخي متصل منذ التأسيس الأول عام 1727م، لا كيان مستحدث.
ويظهر ذلك في إقرار يوم التأسيس بوصفه مناسبة وطنية مستقلة، تعيد ربط الحاضر بالجذور الأولى للدولة، وإبراز مسار الدولة السعودية عبر مراحلها الثلاث، بوصفها مشروعًا تاريخيًا واحدًا متجددًا.
وقد أسهم هذا التوجه في تعزيز مفهوم الاستمرارية التاريخية في الخطاب الرسمي، بما يعمق الوعى بشرعية الدولة وعمقها الزمني.
ويلاحظ الجميع أن في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز لم يستحضر التاريخ كوقائع سياسية فحسب، بل بوصفه عمقًا حضاريًا وثقافيًا متجذرًا في الجغرافيا والإنسان السعودي، وقد تجلى ذلك في العناية بالمواقع التاريخية والتراثية مثل الدرعية التاريخية وتطويرها بوصفها رمزًا حضاريًا لا مجرد أثر، ودعم المؤسسات المعنية بالتاريخ والتوثيق وفي مقدمتها دارة الملك عبد العزيز.. أيضًا إدماج السردية التاريخية الوطنية في المناهج التعليمية والخطاب الثقافي الإعلامي.
وهذا التوظيف ينقل الدولة من خطاب الهوية الدفاعية إلى خطاب الهوية الواثقة القادرة على الحوار مع العالم.
وقد تميز الخطاب المعاصر للدولة السعودية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز بربط الماضي بالمستقبل، حيث يقدم التحول الوطني بوصفه امتدادًا منطقيًا لروح التأسيس.
فكما سعت الدولة السعودية الأولى إلى بناء كيان مستقر في زمن الاضطراب، تسعى المملكة اليوم ـ عبر رؤية 2030م ـ إلى إعادة بناء نموذجها التنموي في عالم متغير، ويوظف التاريخ هنا بوصفه مصدر إلهام للتحول لا عائقًا أمامه، ودليل قدرة الدولة على التكيف والتجدد عبر الزمن.
كما أسهم استحضار العمق الحضاري في عهد الملك سلمان في إعادة تقديم المملكة للعالم، بوصفها دولة ذات جذور تاريخية ضاربة في القدم لا دولة ريعية حديثة النشأة، وفاعلًا حضاريًا يمتلك تجربة تاريخية في إدارة التنوع الجغرافي والثقافي، وقد انعكس ذلك في الخطاب الدبلوماسي والثقافي للملكة، حيث أصبح التاريخ جزءًا من القوة الناعمة السعودية.
* نجاح التحول الاقتصادي والاجتماعي مرهون بمدى إسهام المواطنين في تحقيق مستهدفاته.
كيف يمكن للمواطن السعودي اليوم أن يستشعر أنه شريك في “مرحلة تأسيس جديدة” تتعلق ببناء الإنسان والاقتصاد المعرفي؟
يمكن فهم التحولات التي تشهدها المملكة العربية السعودية اليوم بوصفها انتقالًا من مرحلة تأسيس دولة إلى مرحلة تأسيس الإنسان، حيث لم يعد المواطن متلقيًا للسياسات العامة، بل أصبح فاعلًا رئيسًا وشريكًا في صناعة المستقبل.
وعليه يتجلى استشعار المواطن لدوره في هذه المرحلة التأسيسية الجديدة عبر مسارات مترابطة تشمل البعد القيمي، والمؤسسي، والمعرفي، والاقتصادي.
وقد أعادت الدولة السعودية المعاصرة صياغة مفهوم المواطنة، حيث لم يعد مقتصرًا على الانتماء والولاء، بل امتد ليشمل المشاركة والمسؤولية، ويستشعر المواطن شراكته حين يدرك بأن التنمية لم تعد مشروعًا حكوميًا صرفًا، بل مشروعًا وطنيًا تشاركيًا، كما أن نجاح التحول الاقتصادي والاجتماعي مرهون بمدى إسهام المواطنين في تحقيق مستهدفاته، بذلك تتأسس مواطنة فاعلة تقوم على الوعى بالدور المطلوب، لا الاكتفاء بالانتماء الرمزي، وتتمثل الشراكة الحقيقية للمواطن في كونه محور الاستثمار الوطني، حيث ركزت السياسات العامة على: تطوير التعليم، وبناء المهارات المستقبلية، وتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل والمجال العام وتعزيز جودة الحياة والصحة والثقافة.
من هنا يستشعر المواطن شراكته عندما يرى أن الدولة تراهن عليه بوصفه رأس المال الحقيقي في مشروعها التنموي، وأن ما يقدم له من فرص يقابله مسؤولية في التطوير الذاتي والإسهام المجتمعي.
ففي إطار رؤية المملكة 2030م أصبح المواطن عنصرًا فاعلًا في التحول الاقتصادي من خلال ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والانخراط في القطاعات الجديدة كالاقتصاد الرقمي والسياحة، والصناعات الثقافية، وترسيخ ثقافة الإنتاج والعمل والابتكار.
من هنا تتجلى الشراكة في انتقال المواطن من دور المستفيد من الاقتصاد الريعي إلى دور المساهم في إنتاج القيمة المضافة.
وعلى ذلك، فقد شجعت الدولة أهم مرتكزات المرحلة التأسيسية الجديدة، وذلك بالبحث العلمي والابتكار، والتحول الرقمي، وبناء مجتمع المعرفة؛ ما جعل المواطن يستشعر شراكته عندما أدرك أن دوره لا يقتصر على استهلاك المعرفة، بل يمتد إلى إنتاجها وتوظيفها في خدمة التنمية الوطنية.
من خلال ذلك الرابط يدرك المواطن أن ما يعيشه اليوم هو حلقة جديدة في مسار تأسيسي ممتد وأنه جزء فاعل في كتابة فصل جديد من تاريخ المملكة العربية السعودية.
* أسهم نظام هيئة البيعة في تنظيم انتقال المسؤولية والسلطة داخل الأسرة الحاكمة على أسس واضحة.
بحكم انتمائكم إلى أسرة كان لها حضور في لحظة التأسيس الأولى.. كيف تنتقل فكرة “المسؤولية الوطنية” عبر الأجيال داخل الأسرة المالكة؟
المسؤولية الوطنية تعد أحد المرتكزات الأساسية التي قامت عليها الدولة السعودية منذ تأسيسها الأول، وقد تميزت الأسرة الحاكمة ليس بوصفها امتيازًا وراثيًا، بل بوصفها تكليفًا تاريخيًا، وأخلاقيًا يرتبط بفكرة الدولة واستمراريتها ويتم هذا الانتقال من خلال منظومة متكاملة من الآليات القيمية والتربوية والمؤسسية.
فيبدأ انتقال فكرة المسؤولية الوطنية داخل الأسرة الحاكمة من التنشئة المبكرة، حيث يربى الأبناء على إدراك أن الانتماء للأسرة الحاكمة يعني الارتباط الوثيق بخدمة الدولة والمجتمع، وتقوم هذه التنشئة على ترسيخ مفهوم الحكم بوصفه أمانة لا ملكية، وتعزيز قيم الانضباط والتواضع والالتزام بالمصلحة العامة، وربط الامتياز الاجتماعي بالمسؤولية لا بالمنفعة. بذلك تتشكل لدى الأجيال الجديدة قناعة مبكرة بأن دورهم مرتبط بخدمة الوطن قبل أي اعتبار آخر.
وتلعب الذاكرة التاريخية للأسرة دورًا محوريًا في نقل المسؤولية الوطنية، حيث تستحضر تجارب التأسيس، والتحديات التي واجهتها الدولة، والتضحيات التي قُدمت من أجل بقائها، وهذا بالطبع يتم من خلال الرواية الشفوية داخل الأسرة، الاحتفاء بالمناسبات الوطنية المرتبطة بتاريخ الدولة والإحالة المستمرة إلى نماذج قيادية سابقة بوصفها قدوة في تحمل المسؤولية، وتسهم هذه الذاكرة في خلق شعور بالاستمرارية التاريخية، يجعل الجيل الجديد يرى نفسه في سلسلة طويلة من الالتزام الوطني.
ولا يقتصر انتقال المسؤولية الوطنية على الخطاب القيمين، بل يتجسد عمليًا من خلال إسناد المهام والمسؤوليات للأجيال الجديدة بصورة تاريخية في مجالات إدارية أو سياسية أو اجتماعية.
ويتيح هذا التدرج: التعلم من التجربة والخطأ ضمن إطار مؤسسي منضبط، والاحتكاك المباشر بقضايا المجتمع واحتياجاته، وتحويل القيم المجردة إلى ممارسة عملية.
من خلال هذه الممارسات تتجذر المسؤولية الوطنية بوضعها يوميًا لا مجرد مبدأ نظري، وكما يعلم الجميع فقد أسهم الإطار المؤسسي للحكم في المملكة، لاسيما نظام هيئة البيعة، في تنظيم انتقال المسؤولية والسلطة داخل الأسرة الحاكمة على أسس واضحة.
وتمثل القدوة إحدى أهم آليات انتقال المسؤولية الوطنية، حيث يشكل سلوك القادة الكبار مرجعًا علميًا للأجيال اللاحقة.
ما أبرز القيم التي تأسست عليها الدولة السعودية الأولى.. وترون أنها لا تزال حاضرة في مشروع الدولة الحديثة اليوم؟
لم يكن قيام الدولة السعودية الأولى عام 1139هــ /1727م حدثًا سياسيًا معزولًا، بل تأسس على منظومة من القيم التي شكلت الإطار الناظم لمشروع الدولة وأسهمت في قدرتها على الاستمرار والتجدد، ويلاحظ أن هذه القيم لا تزال حاضرة بصور مختلفة في مشروع الدولة السعودية الحديثة، وإن تغيرت أدواتها وآلياتها.
وأهم هذه القيم من وجهة نظري، تتمثل في:
• قيمة التوحيد ووحدة المرجعية الدينية.
• قيمة بناء الدولة والاستقرار.
• قيمة المسؤولية والالتزام تجاه المجتمع.
• قيمة المرونة والتكيف مع المتغيرات.
• قيمة التلاحم بين القيادة والمجتمع.
• قيمة استقلال قراراها السياسي الوطني وعدم الخضوع للهيمنة الخارجية.
* هذا الذي منح الرؤية مصداقية ثقافية وشعبية.
كيف نجح مشروع الدولة الحديثة ــ برأيكم ــ في الجمع بين الوفاء للجذور التاريخية والانفتاح على مشروع التحديث الذي تقوده رؤية 2030م؟
بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، نجح مشروع الدولة السعودية عبر مراحله المختلفة، وبالأخص في مرحلة رؤية 2030م، في تحقيق توازن دقيق بين الوفاء للجذور التاريخية والانفتاح على التحديث والتنمية الحديثة، وهو توازن يشكل أحد أسرار الاستمرارية والتجدد في التجربة السعودية.
إن الوفاء للجذور التاريخية لم يقتصر على الاحتفاء الرمزي بالماضي، بل تمت ترجمته إلى قاعدة معرفية وأخلاقية للحاضر، من خلال:
• الاعتراف بدور التأسيس كمحور للهوية الوطنية، ما عزز الانتماء والشرعية التاريخية.
• استحضار قيم الدولة السعودية الأولى: الوحدة، والاستقرار، والمسؤولية تجاه المجتمع.
• الحفاظ على الرموز التاريخية والمواقع التراثية مثل الدرعية، بوصفها جسورًا تربط بين الماضي والحاضر.
• قد وفر هذا الاستحضار إطارًا ثقافيًا واجتماعيًا يمنح التحديث أساسًا راسخًا ومقبولًا اجتماعيًا.
ورؤية 2030م تمثل مشروع تحديث شامل، لكنها حافظت على الثوابت التاريخية والثقافية للدولة، إذ ركزت على:
• الاقتصاد: تنويع مصادر الدخل والحفاظ على الثروات الوطنية.
• التعليم: تطوير المهارات وفق المعايير العالمية، مع احترام القيم الدينية والثقافية وفي ضوء الشريعة الإسلامية.
• الحوكمة: تعزيز الكفاءة والشفافية ضمن إطار مؤسسات الدولة، بذلك تحولت التحديثات إلى أدوات لإحياء القيم التاريخية.
ولا شك أن الدولة السعودية الأولى رسخت فكرة الحكم مسؤولية تجاه المجتمع.
وأعتقد أن الجميع قد لاحظ أن رؤية المملكة 2030م حققت الشراكة الوطنية، من خلال:
تمكين المواطنين اقتصاديًا وثقافيًا، وإشراك الشباب والمرأة في صياغة المستقبل الوطني، وتعزيز الثقافة الوطنية والهوية الجمعية جنبًا إلى جنب مع الانفتاح على الابتكار العالمي.
هكذا تتحول القيم المؤسسة للمواطنة والمسؤولية إلى أدوات عملية للتحديث.
لذا، فإن المشروع السعودي نجح في الجمع بين الأصالة والتحديث ومرونته التاريخية بفضل الله سبحانه وتعالى، وتجربة الدولة السعودية الأولى، والثانية، والثالثة خير دليل على ذلك، حيث أظهرت القدرة على التكيف مع التحولات السياسية والجغرافية والاجتماعية دون تفريط بالثوابت.
ورؤية 2030م تعكس المرونة نفسها في صياغة استراتيجيات اقتصادية واجتماعية وثقافية حديثة متوازنة مع القيم الوطنية، كما أن القادة التاريخيين مثل الإمام محمد بن سعود، تركوا نموذجًا في الالتزام بالمسؤولية الوطنية.
والقيادة الحالية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، تستخدم القدوة نفسها لتعزيز القيم التاريخية أثناء مشروع التحديث، وهذا ما منح الرؤية مصداقية ثقافية وشعبية.
* رؤية المملكة 2030م وضعت لتكون خارطة طريق شاملة للتحول الوطني.
قدمت رؤية السعودية 2030م نموذجًا مختلفًا في إدارة التحول الوطني.. برأيكم، ما الرابط بين روح التأسيس الأولى، وروح التحول التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؟
إن روح التحول التي يقودها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، تتميز بسمات واضحة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
• الاستباقية: تحديد مجالات التغيير قبل تفاقم التحديات، سواء في الاقتصاد أم المجتمع أم التعليم.
• الشمولية: التعامل مع التحول كمنظومة متكاملة، تشمل الإنسان، الاقتصاد، المعرفة، الثقافة.
• الشراكة الوطنية: جعل المواطن شريكًا في التغيير، وليس مجرد إطار نظري.
وعلى ذلك، فإن رؤية المملكة 2030م وضعت لتكون خارطة طريق شاملة للتحول الوطني، وركزت على ثلاث ركائز رئيسة:
ـ اقتصاد مزدهر: التنوع الاقتصادي، دعم ريادة الأعمال، تطوير البنية التحتية الرقمية.
ـ مجتمع حيوي: تعزيز الهوية الوطنية، وتمكين الإنسان.
ـ وطن طموح: بناء مؤسسات فعالة، تعزيز الحوكمة والشفافية.
هنا يظهر الرابط: روح التحول تقود التنفيذ الديناميكي لهذه الركائز، بحيث تصبح الرؤية مشروعًا عمليًا ومستدامًا وليس مجرد أهداف على الورق.
* التعليم وسيلة للحفاظ على القيم المؤسسة للدولة.
يُعد مشروع جامعة الأميرة نورة نموذجًا لتحويل فكرة الدولة إلى مشروع حضاري إنساني.. كيف تنظرون إلى دور التعليم في استدامة منجزات التأسيس والرؤية؟
الحقيقة إن مشروع جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن يعد نموذجًا واضحًا لتحويل فكرة الدولة السعودية إلى مشروع حضاري إنساني، حيث أصبح التعليم أداة مركزية لاستدامة منجزات التأسيس ورؤية المملكة 2030م على حد سواء، حيث إن التعليم وسيلة للحفاظ على القيم المؤسسة للدولة.
فمنذ تأسيس الدولة السعودية الأولى، ارتبطت المسؤولية الوطنية بالقيم التي تتمثل في وحدة المجتمع، الاستقرار، والمسؤولية تجاه الإنسان.
وجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن تعمل على ترسيخ هذه القيم للنساء من خلال المناهج التعليمية والبرامج الثقافية، فالتعليم كما يعلم الجميع ليس مجرد نقل معرفة، بل وسيلة لغرس الانتماء الوطني والشراكة المجتمعية، ما يضمن استمرار مشروع الدولة القائم على المواطنة الفاعلة.
ورؤية المملكة 2030م وضعت تنمية الإنسان في صلب استراتيجيه، وهو ما يتحقق من خلال التعليم الجامعي المتميز الذي يتطلب إعداد كوادر مؤهلة علميًا ومهنيًا، وتدعم الاقتصاد المعرفي والتعزيز والابتكار، وريادة الأعمال كجزء من ثقافة التعليمية، وتوفير بيئة تعليمية متكاملة تواكب التطورات العالمية مع الحفاظ على الهوية الوطنية، وهذا ما تم توفيره في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وكنت شريكة في تأسيسها وإدارتها منذ التفكير في نشأتها حتى الانتهاء من إنشائها وانتقال الطالبات والكوادر التعليمية والإدارية والفنية إليها.
هكذا يتحول التعليم إلى جسر بين الجذور التاريخية ومتطلبات المستقبل.
* الانتماء للوطن مسؤولية شخصية وجماعية.
ما الرسالة التي ترون أن يوم التأسيس يوجهها لجيل الشباب.. في لحظة تاريخية تشهد فيها المملكة أكبر تحولاتها؟
أرى أن الرسالة التي يوجهها يوم التأسيس لجيل الشباب في لحظة تاريخية تشهد فيها المملكة أكبر تحولاتها.. تتمثل في:
أن يوم التأسيس ليس مجرد احتفال تاريخي، بل تذكير بقيم وأسس الدولة السعودية الأولى التي ركزت على الوحدة، المسؤولية الوطنية، الشجاعة، والإصرار على بناء الوطن والمحافظة على استقراره.
وللشباب يمثل هذا اليوم فرصة لفهم الجذور التاريخية واستيعابها، تلك الجذور التي أرست أسس المملكة، ومعرفة أن حاضرها هو امتداد لهذه التجربة التاريخية.
والرسالة الأساسية للشباب هي أن الانتماء للوطن مسؤولية شخصية وجماعية، فمن خلال استعراض مرحلة التأسيس، يتعلم الشباب أن النهضة لا تأتي إلا عبر الالتزام، العمل الجاد، والشراكة الفاعلة في المجتمع، فهذا يعزز روح المواطنة الفاعلة ويجعلهم شركاء حقيقين في مستقبل الوطن.
علمًا بأن الشباب ليسوا مجرد متلقين للتاريخ، بل أداة فاعلة في كتابة فصل جديد من تاريخ المملكة العربية السعودية، فهذا التحفيز يخلق شعورًا بالمسئولية تجاه التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة اقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا.
والاحتفاء بيوم التأسيس يذكر الشباب بأن التاريخ كان نتاج رؤية وإدارة وتصميم، وأنهم قادرون على ابتكار الحلول والمبادرات لمواجهة تحديات العصر.
ويعزز لديهم أن النجاح الوطني بعد توفيق الله مرتبط بالجدية، والإبداع والمثابرة، وأن كل جيل يضيف لمسيرة الوطن، وكل جيل يواصل البناء دون فقدان الهوية والقيم.
بهذه الطريقة يصبح يوم التأسيس رسالة حية للشباب، ليس فقط تذكر الماضي، بل دعوة للمشاركة الفاعلة في مشروع التنمية المستدامة.
* الأرض وحدها لا تخلق دولة دون تنظيم اجتماعي، قيادة فاعلة، ورؤية واضحة.
– هل ترون أن بناء الدولة يبدأ من الأرض أم الإنسان؟ وأيهما أكثر حضورًا في لحظة التأسيس الأول؟
أولًا: الأرض والكيان الجغرافي ركيزة لبداية أي دولة تحتاج إلى إطار جغرافي لتصبح واقعًا ملموسًا، فالأرض تمثل الحيز السياسي والقانوني والاقتصادي الذي يسمح بفرض النظام وتحقيق الأمن.
في لحظة التأسيس الأول، مثل الدرعية وغيرها من المواقع شكلت الأرض قاعدة ثابتة يمكن من خلالها تنظيم المجتمع وحماية الطريق، واستثمار الموارد المحلية.
لكن الأرض وحدها لا تخلق دولة دون تنظيم اجتماعي، قيادة فاعلة، ورؤية واضحة، تظل مجرد مساحة جغرافية، أما الإنسان فهو الذي يضع القوانين في ضوء ما شرعه الله، ويؤسس القيم ويدير شؤون الحكم، ويضمن الاستمرارية.
ففي لحظة التأسيس الأول للدولة السعودية لعبت القيادات المجتمعية والدينية؛ مثل الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب، دورا محوريًا في توحيد القبائل وتوجيه الولاءات، وغرس القيم الدينية والاجتماعية، وبناء الشعور بالمسؤولية الوطنية والانتماء الجماعي.
وعلى ذلك، يمكن القول إن الإنسان كان الأكثر حضورًا في التأسيس الأول، لأن القيم، الرؤية والشراكات المجتمعية، هي ما حولت الأرض إلى دولة فعلية، وليست مجرد مساحة جغرافية.
بذلك نستطيع أن نؤكد أن الأرض والإنسان عنصران لا ينفصلان، فالأرض توفر الإمكانات الاقتصادية والسياسية، والإنسان يمنحها المعنى والوظيفة والتنظيم.
ففي كل مراحل الدولة السعودية، نجد أن التركيز على الإنسان، كقيمة ومشارك أساسي في البناء الذي يضمن استدامة الدولة وتحقيق أهدافها التاريخية والمعاصرة.
وهذه الفلسفة تتجدد اليوم في رؤية المملكة 2030م، التي تجعل الإنسان محور التحول والتنمية مع استثمار الأرض والموارد في إطار معرفي حديث، ما يعكس استمرار المنطق التاريخي نفسه، لكن بأدوات معاصرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين…
د. الجوهرة بنت فهد بن محمد آل عبد الرحمن آل سعود.
مؤسسة ومديرة جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن سابقًا.
لا فض فوك ولا عدمنا بريق هذه الحروف المتألق في يوم التألق والانطلاق لتحقيق الرؤية والرسالة فإلى الإمام قدما يا سعودية الخير والعطاء والأمن والأمان