مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبد الجبار الخليوي*   وُلد في ثادق؛ تلك البلدة التي يختلط فيها صفاءُ السماء …

عَمِيدٌ لَمْ يُعْتَمَدْ

منذ 28 دقيقة

1

0

عبد الجبار الخليوي*

 

وُلد في ثادق؛ تلك البلدة التي يختلط فيها صفاءُ السماء بخشونة الأرض؛ فكان قلبه منذ الصغر معلقًا بشيءٍ لا يُرى؛ ولا يستطيع أن يصفه؛ كأنما يناديه من وراء حجاب الأيام؛ لم يكن صاحبنا كسائر أقرانه من الصبية؛ إذ من حسن حظه كانت لعبته المفضلة كتابًا؛ ومجالُه الرحب رفوفَ مكتبة والده (طيب الله ثراه)؛ حيث تقف المجلدات الكثيرة شامخةً كجبالٍ صامتة؛ تنتظر من يتنزه بين سهول صفحاتها؛ ومن بين صفوف الكتب فتح لأول مرة كتاب (البداية والنهاية فارتجف داخله بشيء غامض؛ لم يفهمه؛ كأن التاريخ نفسه يهمس له بهدوء:

أنت لك شأنٌ إن شئت

كبر صاحبنا وهو يتنقّل بين كتب التراث الكثيرة؛ رغم صغره؛ بدأ ينهل من لغةٍ عتيقةٍ لا ترضى بالسطحية أبداً؛ حتى اكتشف شعر (الفرزدق)؛ انبهر به انبهار العاشق حين يلمح وجه محبوبته لأول مرة؛ اشترى ديوانه خفيةً عن أبيه؛ وراح يُخفي أوراقه بين صفحات كتبه الدراسية؛ لا خوفًا من العقاب؛ بل رهبةً من أن يُطفأ ذلك الضوء الذي اشتعل في داخل نفسه؛ وكان يعلم جيداً أن والده لا يعترف بالشعر والشعراء؛ ويرى في الشعر ترفًا؛ بل فساداً للعقول وللبشرية؛ أما هو فكان يراه قدرًا.

وفي ليالٍ طويلة؛ كان يُجرّب أن ينظم بيتًا أو بيتين؛ خفيفين؛متعثرين؛ لكنهما يحملان صدقًا لا يُدرّس؛ وكان إذا أخطأ ابتسم؛ كأنما يقول لنفسه:

يكفيني أني بدأت هذا المشوار

ومن أجمل ما بقي في ذاكرته عن أيام بلدة ثادق؛ تلك الرحلات البرية لخارجها؛ ففي إحدى الليالي جلس مع صديقين له؛ والقمر كان مكتملاً؛ يسكب ضوءه بكل حرية على الرمال؛ كفضةٍ سائلة ساد صمتٌ قصير؛ ثم قال صاحبنا:

تعالوا؛ ليخبر كلٌّ منا الآخرين عن أمله وطموحه في هذه الحياة..

فقال الأول: أريد أن أملك من الإبل ما يملأ الفيافي؛ وقال الثاني: أحلم أن أطوف كل بلاد الدنيا؛ لا يحدّني مكان؛ أما صاحبنا فنظر إلى القمر طويلًا؛ ثم قال بصوتٍ خافتٍ كأنه يخشى أن يسمعه أحد:

أريد أن أكون (عميد الأدب كـ (طه حسين)…

ضحك صديقاه.. لا سخريةً من طموحه الجشع؛ بل دهشةً من حلمٍ بدا أكبر من الليل نفسه؛ أما هو فظلّ صامتًا؛ كأنما عقد بينه وبين القمر عهدًا ألاّ يُنكث.

مضت الأيام والشهور؛ وتخرج في الثانوية العامة؛ ثم توجه للرياض لإكمال دراسته؛ وفي صدره ذلك الحلم القديم؛ والتحق بجامعة الإمام؛ لكنه تعثّر؛ وسقط أول سقوطٍ له؛ ولم يكن الفشل يومها مجرد نتيجة؛ بل كان صفعةً أيقظته على قسوة الطريق.

حاول بعزم الأمل القيام من جديد؛ حتى قُبل في جامعة الملك سعود بالرياض؛ لكن في القسمٍ العلمي؛ بعيدٍ كل البعد عن الأدب الذي يسكنه ويعشقه؛ كان يجلس في محاضراته كالغريب عن أهله وناسه؛ كان يسمع ولا يُصغي؛ يرى ولا يُبصر؛ حتى أدرك أن الجسد قد يكون في مكان والقلب في مكانٍ آخر؛ أما صاحباه؛ فإن الأول اشتغل بالتجارة وأمتلك من الإبل ما شاء الله؛ وأما الآخر تمكن من زيارة كثير من البلدان؛ بسبب وظيفته التي تضطره للسفر دائماً

ولم ينجح صاحبنا في الانتقال إلى كلية الآداب؛ فانطفأت في داخله نارٌ؛ أو هكذا ظن في نفسه كما يعتقد؛ وعُرضت عليه عدة وظائف؛ عسكرية ومدنية؛ ولم يقبلها؛ لكنه وافق على العمل في قسم جوازات الرياض؛ يرتب أوراق الناس؛ بينما كانت أوراقه هو مبعثرةً في داخله؛ تبحث عن معنى لها؛ ويقولون:

(إذا صدق الحلم لا يموت؛ لكن ربما يمرض)

بعد سنواتٍ من الصمت الثقيل؛ قرر أن يخرج من حدود ما فُرض عليه؛ فشدّ رحاله إلى مدينة بيروت؛ مدينة الحروف والموضة؛ والضجيج الجميل؛ وهناك التحق بجامعةٍ تدرّس الأدب؛ كأنما عاد أخيرًا إلى نفسه التي أضاعها.

وفي بيروت كتب كما لم يكتب من سابقاً؛ لم يعد يُخفي أوراقه؛ ولم يعد يخشى أحدًا؛ فأصبح الشعر عنده ليس مجرد هواية يتسلى بها؛ بل لغة حياة تنبض فيها روحه؛ فنظم القصائد؛ وألقى بعضها بين أقرانه بزهو وتفاخر؛ فلفت الأنظار؛ ثم استوقف القلوب؛ وشيئًا فشيئًا؛ أصبح اسمه يتردد في المجالس الصغيرة؛ ثم في المنتديات الأدبية المشهورة؛ حتى غدا يُشار إليه بالبنان؛ لا لأنه بلغ (عمادة الأدب) كما كان يحلم؛ بل لأنه صدق في الطريق إليها.

وفي إحدى الليالي؛ وهو يتأمّل القمر من نافذةٍ نائيةٍ عن بلدته ثادق؛ ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ وادعة؛ وهمس في سريرته:

ربما لم أصبح (طه حسين لكني صرت أنا.. فالحمد لله…

*كاتب من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود