الأكثر مشاهدة

شذى الجاسر* تعيش لمى بين جدران المدينة الباردة، تشعر كورقة في مهب الريح، بين غرب …

غربة

منذ 27 دقيقة

1

0

شذى الجاسر*

تعيش لمى بين جدران المدينة الباردة، تشعر كورقة في مهب الريح، بين غربتها ومحاضرات الجامعة وصراع اللغة، كانت تشعر أن روحها تذوب في الضجيج.

في أحد أيام الخريف، طلبت أستاذتها كتابة مقال عن “الوطن”. جلسَت في زاوية المكتبة، تبحث عن كلمات تعبّر عن شوقها لقهوة أمها، وعن رائحة المطر على تراب دولتها، لكن الكلمات الإنجليزية كانت قاسية، باردة وغريبة.

قرّرت أن تكتب بلغتها العربية أولاً، انسابت الكلمات كالنهر، حاملةً عبق ذكرياتها وأشواقها لصوت المؤذن في الفجر، عن يد جدتها وهي تمسح على شعرها وتحكي لها بعض القصص، عن جلستها مع أبيها تحت الشجرة التي تسكن عند باب منزلها، عن رائحة المطر التي تنبع من تراب منطقتها الجبلية.

وبعد مضي وقت رأت المقالة وأخذت تترجمها إلى الإنجليزية وإن كانت مشاركتها متأخرة لكنها أتت، وجدت نفسها حينها تترجم روحها، وأنها لم تفقدها، بل كانت تنتظر أن تتكلّم اللغة بطلاقة أكثر، رأت الدهشة في عيون زملائها عندما قرأت جزءاً من مقالها، كيف حملت كلماتها رائحة أرض بعيدة وحرارة شمس لم يروها.

في تلك اللحظة، وجدت لمى نفسها في المساحة الفاصلة بين لغتين، بين وطنين، لم تعد الغريبة الضائعة، بل أصبحت الجسر.

عرفت أن هويتها لم تكن شيئاً تفقده في المنفى، بل كنزاً تحمله أينما ذهبت، لتبني به عالماً جديدًا وتجدد به عوالم بداخلها.

*كاتبة من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود