966
0
663
0
648
0
550
0
431
0
12
0
8
0
6
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13576
0
13420
0
12254
0
12157
0
9604
0

وليد الحداد*
في صباحٍ لا أتذكّر إن كان حقيقيًا أم إعلانًا ممولًا، سأقفُ ذات يومٍ أمام مرآتي، وأكتشف أن قلبي يحملُ ملصقَ ضمانٍ منتهي الصلاحية.
سأضحك حينها، وأتذكّر تلك الليلة التي دخلتُ فيها متجرَ المشاعر لأول مرة… كمن يدخلُ مصحّةً نفسيةً متنكرةً في هيئة مركز تسوّق.
الدفع عند الاستلام
لم يكن المتجرُ في حيٍّ معروف، بل كان مختبئًا بين صيدليةٍ تبيع الفيتامينات، ومحلٍّ لتصليح الهواتف المكسورة.
وهذا وحده كان كافيًا لأفهم طبيعة المكان؛
فالقلوب والهواتف تتشابه أكثر مما نظن… كلاهما يسقط فجأة، ثم نقضي العمر نبحث عمّن يسترجع الصور دون أن يسألنا:
“كيف حدث الكسر؟”
كانت الواجهةُ لامعةً بشكلٍ مبتذل، تتدلّى فوقها لوحة إلكترونية ضخمة تومض كل ثانيتين..
“اشترِ شعورًا واحدًا واحصل على خيبةٍ مجانية!”
تحتها مباشرةً عبارة أصغر
“الدفع عند الاستلام متاح للمترددين عاطفيًا”
دخلتُ بدافع الفضول، أو الوحدة… لا فرق بينهما بعد الثلاثين.
رنَّ جرسٌ خافتٌ عند الباب، فخرج رجلٌ نحيلٌ يرتدي بدلةً سوداء وربطةَ عنقٍ بلون الخيبة القديمة.
ابتسم لي ابتسامة موظفٍ تدرب طويلًا على إخفاء احتقاره للبشر.
قال:
— أهلًا بك في “هايبر المشاعر”. هل لديك بطاقة ولاء؟
قلت:
— لا أملك حتى ولاءً بشريًا، فكيف ببطاقة؟
ضحك بطريقةٍ محفوظة، ثم سلّمني عربةَ تسوّقٍ صغيرة كُتب عليها
“احذر… بعض الأحاسيس قابلة للكسر”
في الداخل، كانت الرفوف تمتدُّ بلا نهاية، كأن المتجر بُني فوق ذاكرة البشرية كلّها.
قسمُ الحب في اليمين، وقسمُ الندم في المنتصف، أما الحنين فكان في الخلف، قرب المخزن، لأن الطلب عليه موسميٌّ ويزداد ليلًا.
مررتُ برجلٍ عجوز يجرّ عربةً ممتلئة بالاعتذارات.
سألته مازحًا:
— هل لديك مناسبة؟
تنهد وقال:
— متزوّج منذ خمسةٍ وعشرين عامًا.
وفي قسم “الإعجاب السريع”، كانت فتاةٌ تجرّبُ نظراتٍ مختلفة أمام المرآة، بينما يساعدها موظفٌ يقول:
— هذه النظرة تناسب العلاقات القصيرة، أما تلك ففيها التزام زائد وقد تُخيف الرجال.
ضحكتُ رغمًا عني.
ثم وصلتُ إلى أكثر الأقسام ازدحامًا
قسم “الاهتمام المؤقت”.
العروض فيه كانت جنونية
ثلاثُ رسائل صباحية مجانية مع كل اشتياقٍ مصطنع،
وقسيمةُ خصمٍ على المكالمات الطويلة التي تنتهي بعبارة:
“أنت تستحق الأفضل”
يا لسخرية البشر…
حتى الجملُ التي تكسرنا صارت تُقال بخدمة عملاء ممتازة.
أذكر أنني توقفتُ طويلًا أمام علبةٍ زجاجية أنيقة، بداخلها شعورٌ صغير يتوهّج بلونٍ دافئ.
اقتربتُ لأقرأ الوصف
“حبٌّ حقيقي — إصدار محدود”
أسفل العبوة تحذيرٌ صغير
“قد يسبب التعلّق، الأرق، الغيرة، والكتابة بعد منتصف الليل”
لمستُ العلبة بحذر، فظهرَ صوتٌ إلكتروني:
— هذا المنتج غير قابل للاسترجاع بعد الكسر.
حينها فقط… تذكّرتُها.
تذكّرتُ تلك المرأة التي دخلت حياتي كإعلانٍ مفاجئ أثناء مشاهدة فيلمٍ حزين.
كانت تضحك بثقةِ شخصٍ لم يدفع ثمن قلبه بعد.
وحين أحببتها، فعلتُ ما يفعله الحمقى دائمًا
أعطيتها النسخة الأصلية مني… دون تغليف.
في البداية، كانت تعاملني كتحفةٍ نادرة،
ثم كقطعة أثاث،
ثم كفاتورةٍ متأخرة.
وحين غادرت، لم تقل “وداعًا”،
بل تركتني معلّقًا في المنتصف، كإشعار بنكي يقول:
“فشلت عملية الدفع… يُرجى المحاولة لاحقًا”
أفقتُ من شرودي على صوت الموظف:
— هل ترغب بتجربة المنتج قبل الشراء؟
قلتُ بسخرية:
— جرّبت النسخة البشرية سابقًا، وما زلتُ أسدد الأقساط النفسية.
ابتسم ابتسامةً باردة، ثم أخذ العلبة من يدي ووضعها بعناية على الرف، كمن يعيد متفجراتٍ إلى مكانها.
تابعتُ جولتي حتى وصلتُ إلى قسمٍ صغيرٍ معتم، فوقه لافتة مكتوب عليها
“منتجات معادة من العلاقات السابقة”
هناك… رأيتُ أشياءَ مرعبة.
ثقةٌ مهشمة.
وعودٌ مستعملة.
وأحلامٌ عليها آثار خدوش.
وقلبٌ صغير كُتب عليه بقلمٍ أحمر
“استُعمل مرة واحدة فقط”
لا أدري لماذا شعرتُ أن ذلك القلب يشبهني.
اقترب مني عاملُ النظافة وهمس:
— لا تطل الوقوف هنا… أغلب الزبائن يعودون للبكاء.
ثم أضاف وهو يمسح الأرض:
— نحن لا ننظف المتجر من الغبار… بل من آثار البشر.
عند المحاسب، سألني الشاب بمللٍ قاتل:
— نقدًا أم شبكة؟
قلت:
— وهل تقبلون الدفع بالخذلان؟
ردّ دون أن يرفع رأسه:
— طبعًا… أغلب عملائنا يدفعون بهذه الطريقة.
وقبل أن أغادر، ناولني كيسًا صغيرًا مجانًا.
سألته:
— ما هذا؟
قال:
— عيّنة تجريبية من “السلام الداخلي”.
فتحتُ الكيس في البيت لاحقًا…
فوجدته فارغًا.
ضحكتُ طويلًا تلك الليلة، ضحكةً تشبه سقوط مبنى قديم.
ومنذ ذلك اليوم أدركتُ شيئًا غريبًا
أن البشر لا يبحثون فعلًا عن الحب،
بل عن شخصٍ يوافق أن يدفع ثمن هشاشتهم بالتقسيط.
أما المشاعر الحقيقية…
فلا تُباع، لأن أصحابها يخسرون تجارتهم دائمًا.
*كاتب من السعودية