مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبد الجبار الخليوي* كانوا أربعةَ شبابٍ؛ من بينهم صاحبنا الشاب جابر؛ جمعتهم الطرق …

ثَقَافَةُ الجَرَائِد

منذ 5 ساعات

4

0

عبد الجبار الخليوي*

كانوا أربعةَ شبابٍ؛ من بينهم صاحبنا الشاب جابر؛ جمعتهم الطرقُ البعيدة قبل أن تجمعهم مدينةُ الرياض؛ أتوا جميعهم من بلدةٍ صغيرةٍ بعيدة؛ كلُّ واحدٍ منهم يجرّ حقيبةً خفيفة؛ لا تحمل سوى بعض الثياب؛ ورسائلَ وداعٍ كتبتها أمّهاتهم بأيدٍ مرتجفة وعيون ماطرة؛ ومحمّلةٍ لهم بالدعاء والخوف والرجاء؛ وكان كلُّ واحدٍ منهم يخفي في داخل نفسه حلمًا أكبر من عمره؛ وأوسع من الطريق الذي جاء منه.

لم يكونوا متشابهين؛ فأحدهم كثيرُ الصمت بلا سبب؛ لا يُحرك لسانه إلاّ بذكر الله والصلاة والسلام على النبي المختار ؛ كأن الكلمات أثقل من أن ينطق بها؛ أو يُعبر عنها؛ والثاني يضحك كثيراًليُخفي شدة قلقه على مستقبله؛ أما الثالث فكان يرى في هذه المدينة بابًا أخيرًا للنجاة من شر؛ قد كان قادماً نحوه؛ في حين كان الرابع (جابر) ينظر إلى الأفق نحو جهة الشمال الشرقي دائمًا؛ كأن قلبه لا يزال معلّقًا هناك؛ عند آخر الكلمات التي قيلت له في ساعة الوداع؛ في بلدتهم البعيدة.

مع ذلك فقد صنعت الغربة بينهم ما لا تصنعه سنواتُ القُرب والنسب؛ ففي المدن الكبيرة عادة يُصبح الغريبُ لأخيه الغريب وطنًا صغيرًا دون شعور منهما.

في بداية وصولهم للرياض؛ حلوا الأربعة ضيوفاً على عزبة (أبو دايل)؛ في منطقة تُسمى (البطيحة)؛ تقع قرب مصلى العيد؛ حتى يتدبروا أمورهم فيما بعد؛ فكانت ليالي الرياض القديمة جميلة؛ كانوا يجلسون فوق سطح العزبة؛ يحتسون الشاي الرخيص؛ ويتقاسمون خبز التميس؛ والذكريات التي لا تنتهي والحنين للبلدة؛ وكانت أضواء المدينة تمتدّ أمامهم بلا نهاية؛ ليس مثل بلدتهم البعيدة؛ التي تنام مبكراً؛ لكن تمتدّ في نفوسهم أسئلةٌ كثيرة على مدار الساعة؛ في الليل وفي النهار؛ منها:

هل ستتّسع لهم هذه المدينة؟ وهل تكفي الأحلام وحدها ليبدأ الإنسان حياةً جديدة في غربة؟

لكن في الحقيقة أن هؤلاء الشباب وصلوا إلى مدينة الرياض في زمنٍ كانت المدينة تتمدّد وتكبر فيه بسرعة عجيبة جداً؛ فأسواقها بدأت تزدحم؛ وشوارعها بدأت تتسع؛ وأنوارها لا تعرف النوم؛ بينما هم يحاولون أن يجدوا لأنفسهم مكانًا صغيرًا يأويهم بين جدران هذا الاتساع الرهيب.

التحق كل واحد منهم بتخصص مختلف عن الآخر؛ في كليات جامعة الرياض؛ فأحدهم مولع بالأدوية والعقاقير الطبية؛ فالتحق بكلية الصيدلة بكل سهولة؛ وآخر كان يعشق الهندسة بجنون؛ خصوصاً الهندسة الكهربائية؛ وثالث بارع في علم الإدارة وعلومها؛ أما جابر فكان شغوفًا بالمحاسبة ومعرفة تحليل الأرقام منذ صغره؛ فكان الطريق أمامه سهلاً للالتحاق بكلية التجارة.

بعد مرور ثلاثة أسابيع من وصولهم للرياض وانتظامهم في الجامعة؛ واستلامهم مصروف الشهر وبدل السكن من إدارة الجامعة؛ شكروا العم (أبو دايل) وأعضاء العزبة على ما قدموه لهم من حسن ضيافة ووقفةٍ صادقة ومساندةٍ كريمة؛ بعدها استأجروا منزلًا شعبيًا متواضعًا للغاية؛ يقع في حي (الصالحية)؛ قريب من (دوار الخرج)؛ ويُعتبر من أحد أحياء الرياض القديمة؛ كان المنزل يتكوّن من غرفتين صغيرتين جداً؛ ومطبخٍ في الحوش؛ بُني من ألواح (الشينكو)؛ إضافة إلى دورة مياه ضيقة عند مدخل باب المنزل؛ وفي الحقيقة أن هذا المنزل لا يتسع لأكثر من شخصين؛ ومع ذلك حشر الأربعة أنفسهم بداخله؛ متقاسمين ضيق المكان وثقل الأيام؛ وكانت جدران الغرف باهتة؛ والمكيف يصدر صوتًا؛ يشبه أنينًا متواصلًا؛ لكنهم رأوا في المنزل وطنًا مؤقتًا؛ أسمه (العزبة).

قرروا شراء سيارة مستعملة من حراج السيارات الواقع في حي (الملز)؛ ووقع اختيارهم على سيارة نوعها مازدا 929 موديلها 1970؛ بلونٍ فضي أكلت الشمس بعض لمعانه؛ فتركته كالمصاب بالجدري؛دفعوا قيمتها مجتمعين؛ كلٌ منهم دفع ما استطاع؛ لم تكن السيارة مجرد وسيلة نقل لهم؛ بل كانت فردًا خامسًا في هذه الحكاية؛ نفعتهم في حرّ الرياض الشديد وفي أمطارها الكثيرة في الشتاء؛ رغم تعطلها في الطريق عدة مرات؛ لكنها بصراحة حملت أسرارهم وحفظت حكاياتهم وضحكاتهم وأغانيهم القديمة.

لقد قسّموا المسؤوليات فيما بينهم في العزبة؛ بدقة عجيبة؛ حتى كأنهم يديرون مؤسسة تجارية صغيرة لا عزبة في أحد أحياء الرياض القديمة؛ فواحد منهم مسؤول عن تموين العزبة؛ يحفظ أسعار الأرز والسكر والزيت والشاي في البقالات أكثر مما يحفظ أسماء المواد الجامعية؛ والثاني مسؤول عن جميع أنواع الطبخات؛ فهو شيف العزبة؛ وكان يفتخر أمام الآخرين بأن (رزّ طبخته نثري)؛ بطريقة لا ينافسه فيها أفضل مطعم بخاري؛ والثالث يتولى شراء خبز التميس وفول الجرة من (حلة العبيّد) مع الفجر؛ ثم يعود؛ ورائحة الفول تسبق خطواته إلى باب العزبة؛ أما جابر فكانت مهمته غسيل الصحون والقدور والكاسات؛ وهو المسؤول الثقافي غير المعلن في العزبة؛ إذ يشتري لهم الجرائد يوميًا؛ على حساب ميزانية العزبة؛ الرياض؛ الجزيرة والشرق الأوسط؛ ويتأكد ألا تضيع صفحة واحدة؛ ويحرص جداً على الملاحق الثقافية الأسبوعية.

كانت الجرائد يومها جزءًا مهماً في حياة الناس اليومية؛ ولا تقل أهمية عن الطعام والشراب بالنسبة لهم؛ كأن المجتمع كله مثقف؛ يقرأون كل شيء أمام أعينهم بنهم؛ بداية الأخبار السياسية؛ ثم ينتقلون إلى الأخبار الاقتصادية؛ فالرياضة؛ ثم المقالات الثقافية وصفحات الوفيات والإعلانات التجارية؛ والصور الكاريكاتيرية؛ وأحيانًا يحتدم النقاش والجدال بينهم بسبب مقال لكاتبٍ ما؛ أو حول خبرٍ سياسي سخيف في آخر الصفحة؛ حتى يبرد الشاي وهم لا يشعرون.

وكانت الجرائد القديمة في العزبة تمتلك حياةً أطول من أعمار الأخبار نفسها؛ فلا تنتهي مهمتها بانتهاء القراءة الأولى؛ بل تُبعث من جديد فوق السفرة المفروشة على الأرض في أوقات الوجبات الثلاث؛ تُفرش صفحات الجرائد بعناية تحت الصحون وأكواب الشاي؛ لا لحماية المفرش من آثار الطعام فحسب؛ بل لأنها ستُقرأ مرةً أخرى بين اللقم والأحاديث العابرة، لقد كانت الجريدة فردًا من أفراد المائدة؛ لها حضورها الذي لا يقل عن حضور الخبز والرز ورائحة المرق المتصاعدة من القدور.

ترى الواحد منهم يلتقط الأخبار بعين ولقمة الرز بالعين الأخرى؛ يتابع عنوانًا سياسيًا عريضًا بينما أصابعه لا تزال تغمس الخبز في صحن الفول أو في صحن المرق؛ كأن العالم كله يجلس معهم حول السفرة؛ حتى الإعلانات الصغيرة المكدسة في الزوايا؛ إعلانات بيع الأراضي والسيارات والوظائف والبيوت؛ كانوا يقرؤونها بشغفٍ غريبٍ ومؤثر؛ كأن كل سطرٍ فيها يحمل احتمال نجاة؛ أو نافذةً ضيقة على مستقبلٍ أفضل؛ وربما أعاد أحدهم قراءة إعلانٍ متواضعٍ أكثر من مرة؛ لا لأنه ينوي الشراء؛ بل لأنه كان يبحث بين الكلمات عن حلمٍ مؤجل؛ أو حياةٍ يتخيل أنه سيبلغها في يوم ما؛ أما ثقافة الكلمات المتقاطعة فهذا شغف بعضهم؛ وحدث عنه ولا حرج.

وكانت لحبر الجرائد رائحةٌ مألوفة لديهم؛ تعلق بالأصابع وبذاكرة البيوت؛ تختلط برائحة الشاي والهيل والطعام الساخن؛ حتى تبدو الجريدة كأنها جزءٌ من دفء المنزل؛ لا مجرد أوراقٍ تُطوى وتُنسى.

وفي ليالي الشتاء الباردة؛ حين يهدأ صخب المدينة؛ يجلسون على الأرض متحلقين حول إبريق الشاي الأحمر؛ وأحدهم يقرأ بصوت مرتفع مقالًا أدبيًا؛ والثاني يعترض؛ والثالث يضحك؛ وجابر يدوّن عبارة أعجبته في دفتر صغير يحتفظ به تحت وسادته.

كانوا رغم ضيق الحال أصحاب كرامة عالية؛ إذا تأخر دعم الجامعة عن أحدهم اجتمعوا وحسبوا ما بقي معهم من المال بدقة مذهلة؛ ثم دفعوا الفائض له؛ يلغون الكماليات فورًا؛ لكنهم لا يتخلون أبدًا عن شراء الجرائد أو الشاي أو البنزين الضروري للجامعة.

وفي نهاية كل شهر؛ يغسلون سيارتهم جماعيًا؛ أمام باب العزبة؛ يتبادلون الضحك والمزاح والاتهامات فيما بينهم؛ فيقول أحدهم للآخر: (أنت السبب في خراب القير.. وأنت تسوق وكأنك في رالي.. وأنت من (يفحط).

ثم ينفجرون ضاحكين بصوتٍ مرتفع؛ حتى يطلّ عليهم جارهم العجوز مبتسمًا.

مع مرور السنوات تغيّرت أشياء كثيرة؛ لقد نجح بعضهم وتعثر البعض الآخر؛ لكنهم تخرجوا تباعًا؛ وافترقت بهم السُبل مثلما افترقت بهم المدن وطرقها التي ذهبوا إليها من أجل العمل؛ فشرقوا وغربوا في وطنهم؛ مملكة الإنسانية؛ طلباً للرزق؛ لكن تلك المرحلة بقيت معلّقة في ذاكرتهم؛ كأجمل فترة من الزمن عاشوها؛ لأن الإنسان لا ينسى الأيام التي كان فيها فقيرًا في المال؛ غنيًا بالصحبة؛ ممتلئًا بالحلم؛ ومؤمنًا أن الحياة ما زالت في بدايتها.

* كاتب من السعودية 

ajalkhelaiwi@gmail.com إيميل:

@Aj_Alkhelaiwi إكس:

@al_manarah_ إنستغرام:

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود