966
0
399
0
327
0
828
0
395
0
6
0
6
0
3
0
2
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13575
0
13419
0
12253
0
12157
0
9603
0

وليد عيد المضحوي*
هبط الليل، ومعه خمدت حركة تجوال الناس في أزقة الحي.
بدتِ الشّوارع في تلك الليلة ساكنةً، تغطّ في سكونٍ غريبٍ على غير عادتها؛ فالجلبة كانت تملؤها حتى في ساعات الليل، ونهارها صخبٌ لا يتوقف. فمنذ قدمتُ من قريتي الصغيرة، وهذا الحي عامرٌ بالحركة في المدينة، كما كانت تقول جدتي عند وداعنا:
– «انتبهوا لعيالكم، فشوارع المدينة ليست مثل شوارع القرية، لا يضيعوا في عرصاتها»!
حين رأيتُ الشوارع على هذه الحال، قلت في نفسي:
– «لعلّ هناك حدثًا مهمًّا هذه الليلة».
ثم عقّبت على نفسي: «لكن أصدقائي لم يخبروني بشيء من هذا القبيل».
تساءلت بحيرة:
-«هل ماتوا جميعًا»؟
توالت الأسئلة في رأسي، تبحث عمّا وراء هذا الغياب المفاجئ والغريب لأهالي الحي عن الشوارع:
– «يا ترى هل صدر قرار بحظر التجوال؟ وهل عادت أيام كورونا مرة أخرى»؟
هزّتني الأفكار المتلاحقة التي تدق ناقوس الخطر، ودفعتني إلى استقصاء الأمر، والوقوف بنفسي على مشهد الشوارع الخالية، التي لم يبقَ فيها سوى القطط وأنا.
في تلك الليلة، لم يمت أحد، لكن الحيّ كلّه بدا كأنه يحتضر، أو أنّ ساكنيه قد هاجروا عن بكرة أبيهم، ولم يبق إلا أنا أتخبط في تيه الأسئلة والقلق!
كل شيء من حولي؛ من هدوء، ومكان خالٍ، ينذر بأن ليلتي ستكون أحداثها قاسية، ووقعها على نفسي عسيرًا.
خرجتُ من منزلي؛ فالأمر لا يُطاق. لم أعتد الوحدة إلا داخل منزلي. فمنذ انتقلت من قريتي الصغيرة إلى المدينة المليئة بالصخب والحركة، لم أعتَدْ على مثل هذه الأجواء الساكنة التي تشبه صمت المقابر وسكونها.
وبينما كنت أسير في الشارع بمفردي، شعرتُ كأن الموت يحيط بالمكان، يتضور جوعًا، ويريد أن يلتهم الحي وأهله! ولعلهم شعروا بذلك، فاختبؤوا داخل منازلهم هربًا من خطرٍ قادم سيهلكهم، ولم يشعروني به… ربما لأنني غريب عنهم، هكذا قلت في نفسي معللًا سبب أن الجميع اختفى إلا أنا وقطط الحي…
أجوب الشارع عرضًا وطولًا، وفجأة – في نهايته – لمحت شخصًا هناك، بدا كأنه شبحٌ خرج من مقبرة. اقتربتُ منه، فرأيته يعرج، كأنه لا يسير إلا على قدم واحدة، يتوكأ على عصا بيده اليمنى… دبّ الخوف بقلبي من منظره، فعُدت مسرعًا إلى منزلي، وجلست على عتبة الدار… أنفاسي تتسارع، تكاد تفرّ من بين ضلوعي، وتتكور أمامي فوق الإسفلت من رهبة الموقف، ومنظر ذلك العجوز الذي كأنه قادم من زمن أغبر. قلت بصوت مرتعش:
«يا للهول من أجواء هذه الليلة العصيبة»!
«كيف الخلاص»؟!
تذكرت أنني بمفردي، بعد أن غادر أهلي لزيارة أحد أقاربنا في القرية، فازدادت وحشتي وحشةً، وبقيتُ وحدي أصارع حظي التعس البائس، الذي لم أشهده يبتسم لي عندما تضيق عليّ الحياة.
وبينما أنا غارق في تساؤلاتي، رأيته مقبلًا من زاوية الزقاق المؤدي إلى منزلي، يسير بتؤدة نحوي. تجمّدت في مكاني، فلم أستطع النهوض ولا الحراك. وكلما اقترب، جف قلبي وزاد خفقانه أقوى من قبل، حتى دهمني الصداع من زيادة نبضات قلبي.
اقترب أكثر، ولم أعد أميّز ملامحه، بسبب عمامته التي تغطي نصف وجهه. ظهره منحنٍ، لا يستطيع أن يرفع قامته، كأن الزمن قد فتّت عموده الفقري، فجعل هيئته كراكعٍ في صلاته.
عندما وقف أمامي، وبادرني بالتحية، بدأت ملامحه تتضح لي، فإحدى عينيه غائرة داخل رأسه، لا وجود لها، تبدو كأنها نقطة صغيرة مغلقة، والأخرى جاحظة والدمع يسيل منها، ولا يتوقف، قطع تركيزي في مراقبته وتأمل تفاصيل ملامحه، وسألني بصوت متهدج عن اسم الحي الذي أسكنه. أجبته بصوتٍ ينضح منه الخوف:
«حيّ الزهور».
فضحك بملء شدقيه، ثم قال:
«الموت يحيط بالزهور من كل جانب، والذبول مصيرها. فخذ أهلك يا بني، واسرِ بهم قبل أن تصبح في قائمة الموتى، ويأتي الصبح عليك وأنت من الفانين».
مشى خطوات، ثم التفت إليّ، وقال:
– «إني لك من الناصحين».
قذف كلماته ومضى، وتركني أتمرغ في حيرةٍ مقلقة وذهولٍ عجيب.
حاولت اللحاق به، لكن العتمة كأنها ابتلعته، وأخفته عني.
غاب شبحه، وبقيت عباراته تطنّ في أذني. وكلما اشتدّ طنينها، كاد قلبي يتوقف، وسيطر الهذيان على لساني، فصرت أنطق بكلمات غير مفهومة، كأنها طلاسم!
أخذت أدعو الله، وأبتهل أن يبعث خيوط الفجر، وأن يتنفس الصبح، فتعود الحياة إلى هذا الحي الغارق في موتٍ وشيك. لم يكن في خلدي همٌّ إلا أن ينقشع الليل، وتشرق الشمس، وأنا في أحسن حال، فأحزم حقائبي، وأتبع أثر أهلي إلى القرية، هاربًا من جحيم هذه الليلة الغريبة.
بدأتُ أرتجف، وأقرأ المعوذات، وأصرخ في ابتهالاتي ودعواتي:
– «يا الله، أنقذني، خذ بيدي… يا رب، أنا عبدك الضعيف، لا ملجأ لي سواك… لا أريد أن يأخذني الموت وأنا بعيد عن أهلي».
شعرت – وأنا أدعو – كأن جسدي يطفو فوق ماء البحر، تلفظني أمواجه إلى شاطئه، وتختفي الأصوات كلها، فلا يبقى إلا هدير البحر وصوت ذلك العجوز؛ يمتزجان معًا، في حين يخرج أنينٌ موجع من بين أضلعي…
– «خالد… خالد… خالد…خالد…».
نداءٌ قويّ يناديني باسمي، يصل إلى أذني بوضوح، ويدبُّ في جسدي، كأنه يعيدني إلى الحياة. قفزت من فراشي، وارتميت في حضن أمي أبكي.
أسرع والدي، وأحضر كوبًا من الماء، وغسل وجهي، وأنا أتشبث بأمي، وهي تقبّلني وتردد دعواتها وتحاول بعثَ الطمأنينة إلى داخل نفسي:
«بسم الله عليك يا يمّه، ربي يحميك، ويحرسك، ما الذي حلّ بك، أخبرني»؟
إخوتي الصغار تملؤهم الرهبة من المشهد… هدأت روحي حين تيقنت أن ما عشته لم يكن إلا أضغاث أحلام. أخبروني أنهم طرقوا الباب كثيرًا، بعدما وجدوا المفتاح في القفل من الداخل، فظنوا أن مكروهًا قد أصابني، فكسر والدي الباب.
خرجتُ إلى الشارع، بعد أن تحررت من جحيم تلك الليلة المزعجة، فوجدته ينبض بالحياة، ويتدفق بالحيوية… فحمدت الله أن الموت لم يأتِ بعد.
* كاتب من السعودية