2
0
5
0
7
0
2
0
0
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13715
0
13561
0
12383
0
12212
0
9713
0

أبو بكر بن مخاشن *
تخيّل أنك تقف على رصيفٍ موحش، تترقب قطاراً وعدوك أنه آتٍ لا محالة. تمضي ساعةٌ، ثم ساعتان، يتخللها صمتُ القضبان وريحُ الانتظار. ثم تكتشف، في مشهدٍ سينمائي قاسٍ، أن المحطة نفسها أوصدت أبوابها منذ سنين.
هكذا يُعانقنا الخذلان: ليس غياباً عابراً، بل انهياراً للعالم الذي شيّدناه في يُتم أنفسنا. إنه أن تكتشف أن اليد التي ظننتها سنداً، كانت مجرد سراب؛ وأن الصدر الذي أودعتَه أسرارك، لم يحفظ منها شيئاً؛ وأن الحضورَ الذي استنجدت به في أوهَنِ لحظاتك، لم يكن سوى غيابٍ جالسٍ في كامل المكان.
أقسى ما في الخذلان ليس تغيّر الآخر، بل انقلابُ مرآتنا نحوه. نحن لا نبكي الإنسان الذي مضى فحسب، بل نبكي النسخةَ التي ابتكرناها له في مخيلتنا، والمستقبلَ الذي رصّعناه على جدار الأماني. إنه فقدانٌ مزدوج: رحيلُ جسد، وموتُ وهمٍ كان أجمَل.
ليست الطيبة خطيئة، ولكن الطيبة بلا بصيرةٍ سيفٌ مصلتٌ على رقبة صاحبها. حسن الظن فضيلة، والثقة ليست ضعفاً، لكن الخلل يبدأ حين يتحول حسن الظن إلى إغماضٍ متعمد عن بوادر الريح، وحين يصبح الحب عذراً لتبرير ما لا يُبرر. غالباً لا نُخذل لأن الآخرين بارعون في التمويه، بل لأننا نجيد – بألم – صناعة التبريرات لهم: نرى تناقضهم فنقول: “لعلَّه منهكٌ”، نلمس جفاءهم فنفسر: “عساه يمرُّ بمحنة”، نسمع وعداً منكسراً فنهتف: “الأيام قد أجبرته”. إلى أن يصحو الضمير ذات صباح على حقيقة مرة: أننا لم نكن نمنح فرصاً، بل كنّا نؤجل لحظةَ مواجهة الحقيقة.
والحكمةُ المحضةُ ليست أن تشك في البشر أجمعين، بل أن تمنحَ كلاًّ منهم رتبته وفق ما يثبته الفعل، لا وفق ما تتمناه النفس. فالمعادن تَظهر حين تتعارض المصلحة مع المبدأ، وحين يصير الوفاء مكلفاً، وحين يخلو المسرح من المتفرجين الذين يصفقون. الكلماتُ تزيّن الإنسان، لكن المواقفَ تكشفُ جوهرَه.
والخذلان لا يجرح ثقتنا بالآخرين وحدهم؛ بل يُحدث شرخاً في ثقتنا بأنفسنا. يزورنا سؤالٌ ثقيلٌ بعد الصدمة: “كيف لم أنتبه؟”، ثم تتوالى لوم الذات: كيف وثقتُ؟ كيف أحببتُ؟ ولماذا وهبتُه كلَ هذا المكانِ في روحي؟
وهنا، علينا أن نضعَ حَدّاً لهذا التحقيق القاسي. فالإنسان يتحول بسرعة من ضحية الغدر إلى جلاد نفسه. لكن تذكر: لسنا قادرين على قراءة الغيب قبل انكشافه. بعض الحقائق لا تُرى إلا بعد أن تُعاش. الخطأ في التقدير لا يعني الغباء، والثقة لا تعني السذاجة، والحب ليس جريمة يُعاقب عليها القدر. المطلوب ليس أن تكره نسختك القديمة، بل أن تبني فوقها نسخةً أكثر وعياً.
لا تطلب من الجرح أن يلتئم في يومه الأول. لا تستعجل إخفاء الألم؛ ابكِ إن احتجت، اكتب لتُفرغ ما يعتمل في صدرك، تحدث إلى من يأمن به. المشاعر التي لا تجد متنفَّساً تتحول إلى سمومٍ بطيئة. والاعتراف بالألم ليس استسلاماً، بل هو شجاعةُ من يعرف أن العبور يبدأ بالوقوف عند حافة الهاوية. اكتب لتَفهم، لا لتنتقم. اجعل الكتابة مرآةً لا سيفاً. فبعض الكلمات تستحق أن تبقى بينك وبين الورق؛ لأن نشر الجرح في لحظة الغضب قد يمنح الآخرين حقاً في تفسير ألمك، قبل أن تنتهي أنت من فكِّ رموزه.
ليس كل رحيلٍ خذلاناً، وليست كل نهايةٍ معركةً. تنتهي العلاقات لأن البشر يتغيرون، أو لأن المسارات لم تعُد تتقاطع. الفرق شاسع بين الخيانة والعجز، وبين الإساءة والاختلاف. هذا الفهم يمنعنا من تحويل كل غياب إلى كراهية.
لكن، مع ذلك، توجد علاقاتٌ لا تحتاج إلى تفسير، بل إلى إسدال الستار. حين يصبح القرب استنزافاً، وحين تجد نفسك تقدم اعتذاراً عن خطايا لم ترتكبها، فقط لتحافظ على شخصٍ لا يحافظ عليك، فهنا يصير البقاء هو الخيانة الحقيقية للذات. تعلّم كلمة “كفى”. وضعُ الحدود ليس قسوة؛ بل هو إعلانٌ هادئٌ أن للروح حرمةً، وللكرامة مكاناً لا ينبغي لأحدٍ تجاوزه.
لا تجعل شخصاً واحداً يختصر لك البشرية كلها. أخطر ما يفعله الخذلان هو التعميم. يخونك رجل فتقول: “كل الرجال لا يُؤتمنون”، ترفضك امرأة فتهتف: “الحب كله وهم”. لكن التجربة الفردية ليست تشريعاً للحياة. لا تمنح إنساناً واحداً سلطةً مزدوجة: أن يؤذيك، ثم يُقرر كيف ستنظر إلى كل من سيأتي بعدك. فهذا ظلمٌ لنفسك، وللأرواح التي لم ترحل إليك بعد.
ما بعد الخذلان: بصيرةٌ لا قسوة
التعافي الحقيقي ليس محواً للذاكرة، بل تحويل الجرح إلى معرفةٍ راسخة. تتعلم أن تراقب الأفعال لا الأقوال، وأن تقول “لا” حين تكون “نعم” خيانةً لذاتك. تتعلم أن تثق، ولكن بوعي؛ وتعطي، ولكن دون أن تفقد مركزك.
أصعب ما بعد الخذلان هو الخوف من تكراره، فتدخل علاقاتٍ جديدة وأنت تحمل القديمة في حقائبك، تبحث عن الخطر في كل إشارة. التعافي لا يعني ثقةً عمياء، بل علاقاتٍ بوعيٍ لا بخوف، وبحدودٍ لا بجدران. فالحدود تحميك، أما الجدران فتحرمك من الوصول، ومن أن يصلوا إليك.
اصنع من الخذلان معرفةً، لا سجناً. كل تجربة مؤلمة تحمل سؤالاً جوهرياً: “ماذا سأفعل بما حدث لي؟”. يمكنك أن تجعلها سبباً للانغلاق، أو سبباً للنضج. انتقل من سؤال “لماذا فعل بي ذلك؟” إلى سؤالٍ أنفع: “ماذا تعلّمت عن نفسي؟ وكيف سأختار بوعيٍ أكبر؟”. هذه ليست محاولةً لتجميل الألم، بل هي استعادةٌ للمعنى؛ لأننا لا نملك تغيير الماضي، لكننا نملك أن نقرر ما الذي سيعنيه هذا الماضي لنا.
ثم يأتي يومٌ…
لا تعود فيه بحاجة إلى الانتقام، ولا تنتظر اعتذاراً، بل يصبح غيابُ من خذلك عادياً كنسيمٍ عابر. تستعيد أيامك التي كانت معلقة باسمه، وتملؤها ببهائك أنت. عندها تدرك أنك لم تتجاوز الشخص فحسب، بل تجاوزت النسخةَ منك التي كانت تنتظر خلاصه.
لا تؤجل أحلامك. انهض وفيك بعض الألم، اعمل وفيك بعض الحزن، واحلم رغم أنك لم تعد تثق كثيراً. الأمل ليس أن تضمن غداً جميلاً، بل أن تؤمن بأنه ممكن. لا تجعل خيبةً واحدةً تقنعك بأن الحياة كلها خيبات. فلعلَّ ما فقدته بالأمس كان مجرد محطةٍ في طريقٍ طويل، يؤدي إلى ما لم تعرف أنك ستجده غداً.
حين يتحول الخذلان إلى بوّابة
ربما لا تأتي بعض الخيبات لتخبرنا أن الناس سيئون، بل لتخبرنا أننا بشرٌ نخطئ في القراءة ونبالغ في التوقّع. الدرس الأجمل ليس أن نصبح أكثر قسوة، بل أكثر وضوحاً. أن نبقى طيبين ولكن غير ساذجين، محبين ولكن غير مستنزفين، نثق ولكن بوعي.
سيأتي يومٌ تنظر فيه إلى الخذلان من مسافةٍ تأمّلية، فلا تسأل: “لماذا فعل بي ذلك؟”، بل تقول: “كان مؤلماً، لكنه علّمني كيف أرى”. عندها، ستعرف أن بعض النهايات ليست نهاية الحياة، بل نهاية الوهم. والحقيقة، مهما كانت قاسية، أرحمُ من سرابٍ طويل. والقلب الذي نجا من الخذلان ليس مكسوراً إلى الأبد؛ بل هو قلبٌ تعلّم أخيراً أن يحب الآخرين، دون أن ينسى أنه هو الآخر يستحقُّ الحب. وهنا، عند هذه العتبة، يبدأ التعافي الحقيقي.
* كاتب يمني