مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

حسن غريب أحمد* حين يصبح الأدب سؤالًا عن الإنسان ليس الأدب زينةً تُعلَّق على جدار …

«الأدب.. من متعة الحكاية إلى سؤال الوجود».حين يصبح الأدب سؤالًا عن الإنسان

منذ 6 ساعات

4

0

حسن غريب أحمد*

حين يصبح الأدب سؤالًا عن الإنسان

ليس الأدب زينةً تُعلَّق على جدار الحياة، ولا ترفًا لغويًا نلجأ إليه حين تضيق بنا ضرورات الواقع، وإنما هو في جوهره إحدى الطرق التي يحاول بها الإنسان أن يفهم نفسه والعالم من حوله. فمنذ أن عرف الإنسان الحكاية، لم يكن يرويها لمجرد التسلية، بل كان يبحث داخلها عن تفسير للخوف والحب والموت والعدالة والخيانة والأمل، وعن معنى لوجوده وسط عالم لا يمنحه دائمًا إجابات واضحة.

ولهذا فإن السؤال عن وظيفة الأدب ليس سؤالًا قديمًا انتهى زمنه، بل هو سؤال يتجدد كلما تغيرت الحياة، وكلما تبدلت صورة الإنسان، وكلما ظهرت وسائط جديدة للكتابة والتلقي.

فماذا نريد من الأدب اليوم؟

هل نريده مرآةً للواقع، أم نافذةً للهروب منه؟ هل ينبغي أن يظل مشغولًا بالإنسان وقضاياه، أم يصبح لعبة جمالية مكتفية بذاتها؟ وهل يستطيع النص أن يكون حرًا تمامًا دون أن يتحمل مسؤولية ما يتركه في وعي قارئه؟

ربما لا توجد إجابة واحدة، لأن الأدب الحقيقي لا يحب الإجابات الجاهزة، لكنه يستطيع أن يفتح الأسئلة التي يخشى الإنسان مواجهتها.

الأدب لا يغيّر العالم دفعة واحدة

ليس مطلوبًا من الرواية أن تُسقط نظامًا سياسيًا، ولا من القصيدة أن توقف حربًا، ولا من القصة القصيرة أن تحل مشكلة الفقر. هذه وظائف أكبر من النص الأدبي، لكن الأدب يستطيع أن يفعل شيئًا أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا: أن يغير الطريقة التي يرى بها الإنسان الأشياء.

قد تجعلنا رواية نتعاطف مع شخص كنا ندينه، وقد تمنحنا قصيدة القدرة على رؤية ألمٍ مررنا بجواره دون أن نلتفت إليه، وقد تكشف قصة قصيرة حياة إنسان يعيش في الهامش، فنكتشف فجأة أن الهامش كان يسكن داخلنا أيضًا.

وهنا تتجلى قوة الأدب؛ فهو لا يدخل العقل دائمًا من باب الأفكار، وإنما قد يدخل من باب التجربة.

إن القارئ لا يقرأ عن الآخر فقط، بل يعيش داخله للحظات.

ومن هنا يصبح الأدب فعلًا إنسانيًا قبل أن يكون فعلًا لغويًا.

بين الحرية والمسؤولية

من أكثر القضايا التباسًا في المشهد الأدبي المعاصر الحديث عن حرية الإبداع.

ولا خلاف على أن الأدب لا يمكن أن يعيش بلا حرية. فالكاتب الذي يخشى السؤال لن يستطيع أن ينتج نصًا حيًا، والمبدع الذي تُفرض عليه الإجابات مسبقًا يتحول تدريجيًا إلى ناسخ لما يريد الآخرون سماعه.

لكن الحرية لا تعني الفوضى.

فالكاتب حر في أن يكتب، والقارئ حر في أن يقبل أو يرفض، والمجتمع حر في أن يناقش النص وينقده؛ غير أن الحرية الأدبية لا تعفي صاحبها من المسؤولية الجمالية والفكرية والإنسانية.

وهنا يجب التمييز بين الأدب الذي يصدم لأنه يكشف حقيقة مسكوتًا عنها، والأدب الذي يبحث عن الصدمة لأنها أسهل طريق إلى الشهرة.

الأول يزعجنا كي يجعلنا نفكر، أما الثاني فيزعجنا كي يلفت الأنظار.

والفارق بينهما ليس قليلًا.

ليست الجرأة قيمة أدبية في ذاتها

أصبح من السهل في زمن المنصات الرقمية أن تتحول الجرأة إلى معيار للحكم على النص.
كلما تجاوز الكاتب مألوف اللغة أو الموضوع، عُدَّ ذلك تجديدًا، وكأن كسر المحظور وحده يكفي لصناعة الأدب.

لكن الأدب لا يقاس بعدد الأبواب التي يكسرها، وإنما بما يكتشفه خلف تلك الأبواب.

قد يكتب أديب عن موضوع شديد الحساسية، ويظل نصه عميقًا ومحترمًا للقارئ، وقد يكتب آخر عن موضوع بسيط جدًا، لكنه يفتح من خلاله أسئلة وجودية وفلسفية كبيرة.

ليست المسألة في الموضوع وحده، وإنما في كيفية معالجته.

فالفن لا يحول القبح إلى جمال بمجرد تسميته فنًا، ولا يجعل الضعف إبداعًا بمجرد وضعه في كتاب.

الإبداع الحقيقي يحتاج إلى رؤية، وإلى لغة، وإلى بناء، وإلى حس جمالي، وإلى قدرة على تجاوز المباشر والمألوف.

الأدب ليس خطبة أخلاقية

ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع في الطرف الآخر، فنطالب الأدب بأن يتحول إلى درس أخلاقي طويل.

الأدب ليس كتاب مواعظ، والشاعر ليس واعظًا، والروائي ليس قاضيًا، والشخصية الشريرة ليست مطالبة بأن تعترف بشرورها في نهاية الرواية.

إن وظيفة الأدب ليست أن يقول للقارئ: هذا خير وهذا شر، وإنما أن يضعه أمام تعقيد الإنسان.

فالإنسان ليس أبيض دائمًا أو أسود دائمًا؛ قد يكون كريمًا في موقف وأنانيًا في موقف آخر، وقد يرتكب الخطأ وهو يظن أنه يفعل الصواب، وقد يخون من يحب لأنه عاجز عن مواجهة خوفه.

وهنا يبدأ الأدب الحقيقي.

إنه لا يقدم لنا الإنسان كما ينبغي أن يكون فقط، وإنما يكشف الإنسان كما هو، بكل تناقضاته وضعفه ورغباته وأحلامه وسقوطه ومحاولاته المتكررة للنهوض.

حين تصبح اللغة أهم من الإنسان

ومن أخطر ما يمكن أن يحدث للنص الأدبي أن يتحول إلى استعراض لغوي.

فاللغة وسيلة الأدب الكبرى، لكنها ليست غايته الوحيدة. وقد يكون النص شديد البلاغة، غنيًا بالمجازات، متخمًا بالتشبيهات، لكنه يترك القارئ باردًا لأنه لم يقل شيئًا يمس وجوده.

الجملة الجميلة ليست بالضرورة جملة حية.

والصورة المدهشة لا تكفي وحدها لصناعة قصيدة.

والسرد المتأنق لا يستطيع إنقاذ رواية خالية من الروح.

الأدب الكبير هو الذي تتحد فيه اللغة والتجربة والرؤية. حين تصبح اللغة جسدًا للفكرة، ويصبح الأسلوب جزءًا من المعنى، ويتحول الجمال من زخرفة إلى ضرورة فنية.

لهذا بقيت نصوص عظيمة في الذاكرة، لأنها لم تكن تستعرض قدرتها على الكتابة، وإنما كانت تكتب لأنها تحمل شيئًا لا يمكن السكوت عنه.

القارئ شريك لا متلقٍ سلبي

لقد تغير القارئ أيضًا.

لم يعد القارئ المعاصر يستقبل النص كما كان يحدث في الماضي، بل أصبح يناقشه ويعارضه ويفككه ويعيد إنتاج معانيه عبر وسائل التواصل المختلفة.

وهذا التطور يمكن أن يكون فرصة عظيمة للأدب إذا تعاملنا معه بوعي.

فالنص الناجح ليس بالضرورة النص الذي يتفق معه الجميع، وإنما النص الذي يستفز وعي القارئ، ويدفعه إلى إعادة النظر فيما يعتقد أنه مسلم به.

قد يختلف قارئان حول رواية واحدة، ويكون كلاهما على حق من زاوية تجربته الخاصة.

وهذا ليس عيبًا في الأدب، بل إحدى علامات حيويته.

فالنص الذي يحتمل قراءة واحدة فقط قد يكون أكثر شبهًا بالبيان منه بالعمل الفني.

المشكلة ليست في الأدب وإنما في علاقتنا به

ربما لا يحتاج الأدب اليوم إلى المزيد من الضجيج بقدر حاجته إلى المزيد من القراءة.

نحتاج إلى قارئ يعرف الفرق بين الشهرة والقيمة، وبين الانتشار والإنجاز، وبين الجرأة والابتذال، وبين الغموض والعمق.

ونحتاج أيضًا إلى نقد لا يتحول إلى مجاملة، ولا إلى تصفية حسابات، ولا إلى إعلان مجاني عن الكتب والأصدقاء.

فالنقد الحقيقي شريك في صناعة الأدب، لأنه يمنح النص فرصة أن يرى نفسه من الخارج.

وكما أن الكاتب يحتاج إلى شجاعة الكتابة، يحتاج الناقد إلى شجاعة القول.

ليس من مهمة الناقد أن يصفق لكل نص، كما ليست مهمته أن يهدم كل تجربة. مهمته أن يقرأ، ويفهم، ويحلل، ويكشف مواطن القوة والخلل، وأن يترك الحكم النهائي للتاريخ والقارئ.

الأدب في زمن السرعة

نعيش الآن في زمن يريد كل شيء بسرعة: خبرًا سريعًا، صورة سريعة، رأيًا سريعًا، وكتابًا يمكن الانتهاء منه في ساعات.

لكن الأدب الحقيقي لا يخضع دائمًا لمنطق السرعة.

هناك نصوص تحتاج إلى أن تُقرأ ببطء، وأن تُترك قليلًا في الذاكرة، ثم نعود إليها بعد سنوات فنكتشف أنها قالت شيئًا لم ننتبه إليه في القراءة الأولى.

وهذه إحدى علامات الأدب الكبير: أنه لا ينتهي عندما نغلق الكتاب.

إنه يظل يعمل داخلنا.

ربما ننسى تفاصيل الحكاية، لكننا لا ننسى الشعور الذي تركته.

وربما لا نتذكر بيتًا شعريًا كاملًا، لكننا نتذكر اللحظة التي جعلتنا فيها القصيدة نرى أنفسنا بطريقة مختلفة.

ما الذي يبقى من الأدب؟

في النهاية، ليست قيمة الأدب في عدد النسخ المباعة، ولا في عدد الجوائز، ولا في حجم الحضور على منصات التواصل، ولا في عدد الصور التي تجمع الكاتب بالمسؤولين والمشاهير.

كل هذه الأشياء عابرة.

أما الذي يبقى فهو النص.

يبقى لأنه استطاع أن يمنح الإنسان شيئًا من نفسه.

قد يعيش الكاتب ويموت، وتتغير الأجيال، وتختفي المنصات التي صنعت الشهرة، لكن نصًا صادقًا يمكن أن يعبر قرنًا كاملًا ليجد قارئًا لم يولد يوم كتبه صاحبه.

وهنا تكمن معجزة الأدب.

إنه يحفظ الإنسان من النسيان.

وحين ينجح الكاتب في أن يجعلنا نرى الإنسان في الإنسان، لا يكون قد كتب نصًا جميلًا فحسب، وإنما شارك في حماية المعنى نفسه من الانقراض.

لذلك لا أظن أن مستقبل الأدب يتوقف على كثرة الكتب، وإنما على قدرتنا على إنتاج نصوص تمتلك ما هو أبقى من اللحظة: روحًا، ورؤية، وصدقًا فنيًا، وأسئلة لا تنتهي بانتهاء الصفحة الأخيرة.

فالأدب الذي يستحق البقاء ليس هو الذي يرفع صوته أكثر، وإنما الذي يترك في أعماقنا صدى أطول .

 *كاتب مصري

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود