الأكثر مشاهدة

كتبته: فاطمة الشريف          “a crushing crisis in the life of the monologi …

ولادة كتاب وقلق نشره

منذ 29 دقيقة

2

0

كتبته: فاطمة الشريف  

 

     “a crushing crisis in the life of the monologist, a bitter sense of embattlement”

  Musa Al-Halool, **The Politics of Monologist Representation

ــــــــــــــــــــــ

في قراءة لقصيدة “من المؤلفة إلى كتابها” للشاعرة الإمريكية آن برادستريت

The Author to Her Book by Anne Bradstreet

وبضياء حروف من بحث «سياسات التمثيل المونولوجي»
في ذكرى رحيل أستاذي، الأستاذ الدكتور موسى الحالول، رحمه الله رحمة واسعة، أستهل الجزء الثاني بعد أن انتهيت في الجزء الأول من تقديم لمحة تاريخية موجزة عن الأدب الإنجليزي، وحصر أشهر الكُتّاب والأدباء في كل حقبة زمنية، مستندةً إلى مقالات منشورة في الموسوعة البريطانية والمكتبة البريطانية وغيرهما من المصادر الموثوقة. وقد اعتبرتُ الجزء الأول ترجمةً وعرضًا لأبرز ملامح الأدب الإنجليزي في بريطانيا، وتمهيدًا جادًّا لقراءات ووقفات نقدية مختصرة في الأدب الأمريكي، ولا سيما أدب الولايات المتحدة.

تعود الجذور المبكرة للأدب الأمريكي المكتوب باللغة الإنجليزية إلى أدب المستعمرات البريطانية الثلاث عشرة، التي امتدت على الساحل الشرقي لما يُعرف اليوم بالولايات المتحدة الأمريكية، من نيوهامبشير شمالًا إلى جورجيا جنوبًا. وقد أعلنت هذه المستعمرات استقلالها سنة 1776، وشكّلت لاحقًا النواة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية. ولا يعني ذلك إغفال التراث الشفهي للشعوب الأصلية، أو الكتابات الإسبانية والفرنسية التي ظهرت في مناطق أخرى من أمريكا الشمالية.

متنقلةً بين بلدات مستعمرة خليج ماساتشوستس التاريخية، فيما يُعرف اليوم بولاية ماساتشوستس، وجدت الشاعرة الأمريكية آن برادستريت (Anne Bradstreet) في ملاذ الشعر سلوىً لها، وفي حروف القصيد تعبيرًا عن لواعج النفس المهاجرة وصدى خوالجها التي أثقلتها مشاق الهجرة والترحال، وعناء العيش في أرض المهجر، وانطلاقًا من تصور الحالول للأزمة بوصفها من دوافع إعادة تمثيل التجربة شعريًا، يمكن الاقتراب من تجربة برادستريت في قصيدة “من المؤلفة إلى كتابها”، حيث تتحول لديها مشاعر القلق والخجل إلى مادة شعرية تعيد من خلالها تمثيل تجربتها مع الكتابة والنشر، مجسدة معاناة شاعرة بروتستانتية تواجه تجربة نشر كتاباتها دون علم أو إذن مسبق منها، وما صاحب ذلك من قلق متزايد من النقد والحكم عليها. وليس ذلك فحسب، بل إنها تشعر أيضًا بالخجل من الأخطاء والعيوب الموجودة في كتابتها.

من خلال صورة الطفل ولغة شعرية قائمة على استعارات مرتبطة بالأمومة، تروي برادستريت قصة نشر كتابها دون إذنها أو مراجعته. وتأتي هذه الحادثة في مفارقة لافتة من مفارقات النشر في الأدب الأمريكي خلال القرن السابع عشر، إذ تؤكد في تلك القصيدة أن كتابها انتُزع منها على يد “صديق أقل حكمة لكنه مخلص”، ليخرج إلى العالم ويصبح متاحًا للجمهور، وتنطلق في قصيدتها مصورة العلاقة بينها وبين كتابتها على أنها رابطة أمومة. فالكتاب بالنسبة إليها هو طفل وُلد من عقلها، وهي الأم التي أنجبته وترعاه وتتحمل مسؤولية عيوبه؛ لتجد برادستريت عذرًا للأخطاء الموجودة في الكتاب، معتبرة إياه سيئ التشكيل (ill-form’d offspring) أنتجه دماغها الضعيف (feeble brain)، وتصفه أيضًا بأنه ذلك الطفل الشقي المتجول غير المنضبط (rambling brat)، في صورة تعكس عدم انتظام كتابتها وكثرة عيوبها.

لا تشعر برادستريت بإيجابية كاملة تجاه كتابها، لكنها في الوقت نفسه تشعر تجاهه بالمودة التي تدفعها إلى إصلاح عيوب ذلك الطفل: “affection would / Thy blemishes amend” وتصف عاطفتها وجهودها لجعل ذلك الطفل أكثر صحة وأجمل مظهرًا؛ فهي تغسل وجهه، وتمسح البقع الموجودة عليه، وتحاول تمديد مفاصله وتقويمها. ومع كل هذه الجهود، لا تزال تراه غير مكتمل ومعيبًا، موظفةً العديد من صور العيوب الجسدية لتؤكد أن كتابتها غير مكتملة وضعيفة في الشكل والبنية.

ومن خلال هذه الصور، لا تصف برادستريت عيوب الكتاب فحسب، بل تحوّل تجربة الكتابة والنشر إلى تجربة أمومة كاملة. فالكتاب يولد من عقلها، ويبقى إلى جانبها بعد ولادته، ثم يُنتزع منها ويُرسل إلى العالم، قبل أن يعود إليها لتعتني به، ثم تضطر في النهاية إلى إخراجه من البيت مرة أخرى. وهكذا تصبح دورة حياة الكتاب شبيهة بدورة حياة الطفل: الولادة، والبقاء مع الأم، والانفصال عنها، والرعاية، ثم الخروج إلى العالم.

وهذا يجعل نشر الكتاب أشبه بولادة ثانية. فقد ولد العمل أولًا من عقل الشاعرة، ثم وُلد مرة أخرى عندما أخذه صديقها ونشره دون إذنها. ومع هذه الولادة الثانية، تفقد برادستريت السيطرة على طفلها الأدبي؛ فلم يعد الكتاب في المجال الخاص الذي تستطيع فيه مراجعته وإصلاحه، وإنما أصبح في المجال العام، معروضًا لنظر القراء والنقاد. ولذلك فإن قلقها لا يرتبط فقط بجودة كتابها، وإنما أيضًا بفقدان السيطرة على الطريقة التي سيقرأ بها الآخرون عملها.

ويزداد ذلك القلق عندما لا تريد أن يرى الآخرون كتابها أو يحكموا عليه. وهذا يجعلها تشعر بالحرج الشديد، فتقول:

“At thy return my blushing was not small”

معتقدةً أن كتابها غير صالح للظهور إلى النور، وانتقاله من الخصوصية إلى العمومية. لقد أصبح الكتاب مكشوفًا أمام الآخرين قبل أن تكون الشاعرة مستعدة لذلك. وفي خضم هذا القلق فهي تأمل ألا يقع كتابها في أيدي النقاد:

“In Criticks hands, beware thou dost not come.”

يتضاعف شعور القلق عندما يصبح العمل الأدبي وسيلة للحكم عليها شخصيًا. فالكتاب يحمل عيوب “دماغها الضعيف”، ولذلك يمكن أن يُنظر إلى أخطائه بوصفها انعكاسًا لقدراتها. ومن هنا يصبح نقد الكتاب، بصورة غير مباشرة، نقدًا لمؤلفته، مما يكشف عن حالة شعورية أخرى تتمثل في الخجل والحرص على حماية كتابها، رغم أنها هي نفسها تدرك عيوبه.

وفي نهاية القصيدة، تقول برادستريت إن كتابها طفل بلا أب، وله أم فقيرة:

“If for thy Father askt, say, thou hadst none: / And for thy Mother, she alas is poor.”

إن غياب الأب مجازًا يؤكد أن الكتاب هو نتاجها أدبي خاص خالص منها، وأنها تتحمل وحدها مسؤولية هذا العمل. أما وصف الأم بأنها “فقيرة”، فيرتبط أيضًا بعدم قدرتها على أن تمنح ذلك الطفل ثوبًا فاخرًا؛ فهي لا تجد إلا قماشًا منزليَّ الصنع لتلبسه إياه، مما يعزز صورة الأم الفقيرة التي لا تملك ما يكفي لتجهيز طفلها قبل إرساله إلى العالم.

تصف القصيدة، بصورها الشعرية ورموز الأمومة المتدرجة من الخلق والولادة إلى الرعاية، وبإيقاعها خماسي التفعيل،  والقوافي المزدوجة، الذي تتخلله وقفات وتراكيب متعثرة، حالةً شعوريةً من التردد وعدم الارتياح، مما يجعل القلق في القصيدة تجربة شعرية تتشارك فيها الشاعرة مع القارئ ذلك الشعور بالتوتر والحيرة، بدءًا من عدم الرضا، مرورًا بـالخجل من العيوب، وصولًا إلى ذروة القلق المتمثلة في الخوف من مواجهة الحكم العام على إنتاجها بعد نشره، وخصوصًا من النقاد. وتوضح الشاعرة أن ذلك الإنتاج لم يعد ملكًا خاصًا لها، بل خرج إلى العلن دون علم منها، فتراكم قلقها من كونه إنتاجًا غير ناضج وبه من العيوب ما جعل ذلك القلق يتصاعد مع نظرة الآخرين ونقدهم، وفقدان السيطرة على صورتها بوصفها شاعرة.

وفي العمق، فإن استعارة الأمومة منحت القصيدة وسيلة صادقة للتعبير عن تلك التجربة الشعورية التي صنعتها منذ أكثر من ثلاثة قرون، بما ارتبط بها من مخاوف الكتابة والنشر، والخوف من مشاركة العمل مع الجمهور، والقلق المتزايد من النقد والحكم الاجتماعي، والتساؤل حول ملكية العمل والسيطرة عليه. وهو ما يجعل القارئ متحمسًا لتتبع تدرجات مثل هذه الحالات في التجربة الشعرية في الأدب الأمريكي، ويجعلنا نقف أمام تجربة شعورية ما زالت قابلة للتأمل والبحث والدراسة؛ فما استَعابته الشاعرة يومًا وقلّلت من شأنه، غدا بعد قرون جزءًا من إرثها الأدبي، وصفحةً مسجلة في تاريخ الأدب الأمريكي؛ وهكذا يستمر الإرث الإنساني، ويُعاد اكتشافه جيلًا بعد جيل.

المصادر

Al-Halool, Musa. “The Politics of Monologist Representation.” Bethlehem University Journal, vol. 38, 2021, pp. 127–149. JSTOR, https://doi.org/10.13169/bethunivj.38.2021.0127

Bradstreet, Anne. “The Author to Her Book.” The Complete Works of Anne Bradstreet, edited by Joseph R. McElrath, Jr. and Allan P. Robb, Twayne Publishers, 1981. Poetry Foundation, www.poetryfoundation.org/poems/43697/the-author-to-her-book. Accessed 22 Aug. 2026.

AI-generated Image

 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود