مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

شمعة جعفري* في الموضع الذي محاه ثلاث مرات، صار الورق خفيفًا، يكاد يُرى ما وراءه، …

الدرس الأخير

منذ 8 ساعات

6

0

شمعة جعفري*

في الموضع الذي محاه ثلاث مرات، صار الورق خفيفًا، يكاد يُرى ما وراءه، حكى لي الصبيُّ ذلك بعد وفاة أمّه بوقت طويل، قال إنها أخذت الممحاة من يده، وضحكت: على مهلك شوي، بتخرّق الدفتر، ثم سوّت الصفحة بكفها، ووضعت إصبعها تحت أول السطر، اقرأ من البداية، على مهلك، كان يعرف بقية المشهد، لكنه كلما حكاه عاد إلى هنا؛ إلى يدها وهي تفرد الورقة، وإلى أنه كان يستطيع أن يرفع رأسه فيراها… قبل ذلك بقليل، كانت خديجة تكلمني، أذكر صوت ملعقة تضرب حافة قـدر، ونـداءهـا لأحـد الأولاد أن يـخفض الـتلفاز، قـالت لـي شيئًا فـضحكنا، حـاولتُ كثيرًا أن أتذكره؛ أعدتُ المكالمة في رأسي ألف مرّة، بما فيها سعالها الخفيف وابتعاد صوتها عن الهاتف، ولم أصل إلى ما أضحكنا، قالت في آخرها: خليني أشوف هالولد، من العصر وهو عند نفس السؤال، أكلمك بعدين، وحين رن الهاتف مرة أخرى، كنت لا أزال أبتسم، جاءني صوت ابنها الأكبر: خالتي، أمي طاحت، وقفت، طاحت كيف؟ نناديها وما ترد خرجت وعباءتي لم تستقر على كتفي، لحقت بي جارتي، تسأل، فأعطيتها الهاتف، عند الباب كان الصبي حافيًا، تنحّى لنا وبقي ممسكًا بالمقبض، كما لو يتشبث بالأمل، كانت خديجة مائلة على الأريكة، وفي أسفل ثوبها ثنية أعرف كيف كانت تسوّيها كلما قامت، ناديتُها وأنا أقترب، ثم جثوت عندها ووضعت يدي على خدها، فتحت عينيها، ما زلت، كلما تذكرتُ، أراها تفتحهما من جديد، نظرت إليّ، ثم تحرك بصرها نحو الأولاد، حاولت أن ترفع يدها، اقترب الصغير وهو يحمل دفترًا مبتلًا، التصقت زاويته بصدره، قال: ماما، خلاص بالله فهمت، فتحت فـمها قليلًا، ولـم يطاوعها اللسان، فأطبقت جفنيها، سألت عن الإسعاف، فقال الكبير إنه اتصل، أعدتُ السؤال، فأراني الهاتف، كانت العنود عند قدمَي الأريكة، تمسك دميتها من شعرها، تركتها وتشبثت بثوب أمها حتى وقفت، ثم مدّت كـفها إلى خـدها وربتت عليه، وضحكت. انتظرت قليلًا. عادت تربِّت، هذه المرة أقوى. من المطبخ جاءت رائحة البصل المحترق. دخلت جارتي فأطفأت النار. — في سيارة الإسعاف جلست حيث استطعتُ أن ألمس قدم خديجة من فوق الغطاء. كلما تحركت السيارة عدّلت يدي كي لا تنقطع عنها. كان المسعف يسألني، فأجيبه بما أعرف، وأقول: «لا أعرف» لأشياء كثيرة خجلتُ أنني لا أعرفها. خلف الزجاج، وقف رجل أمام بقالة يعد نقوده. انفرطت منه قطعة، فانحنى يبحث عنها. رأيته يختفي ونحن نعبر، وظللت أفكر في القطعة الصغيرة تحت قدمه؛ كيف يستطيع العثور عليها، ثم يدخل ويشتري ما خرج من أجله! أخذوا خديجة عند باب الطوارئ. بقي طرف الغطاء ظاهرًا لحظة، ثم انغلق الباب. حين وصل زوجها، أفسحتُ له مكانًا إلى جوار أخي. لم يجلس. سألني أين هي، فأشرتُ، وظل واقفًا ينظر إلى الباب، يحمل مفاتيحه في يده. وكان الصغير يشرح بحماس؛ يبدأ بالمسألة، ويذكر الممحاة وكوب الماء الذي أسقطه حين نهض. يصحّح ترتيب الأشياء إذا أخطأ، ثم يصل إلى إصبع أمه وقد توقف تحت السطر. كنت أقرأ، وهي ما عادت تمشي إصبعها. صمت قليلًا، وسألني: يمكن ما كانت تسمعني؟ ضممته. أحسست برطوبة الدفتر بيننا. — ثمانية عشر يومًا؛ في أولها كنا نقول: حين تصحو. أحضر زوجها حقيبتها، ووضعها على الكرسي المجاور. كلما احتاج أحد إلى الجلوس حملها إلى ركبتيه. كان طرف منديل يطل من جيبها، ولم يدسّه أحد إلى الداخل. في البيت غُسلت القدور. جفّت الملابس في الغسالة ثم ابتلت برائحة الركود، فأعادت جارتي غسلها. وكان الأولاد، إذا احتاجوا شيئًا، يبدأون بالنداء القديم ثم يتوقفون فجأة، ويصيرون يتامى. العنود وحدها أكملت النداء… تدخل غرفة أمها، ترفع غطاء السرير من ناحية القدمين، وتقول: ماما؟ وأحيانًا تأخذني من إصبعي وتقودني إلى الغرفة، كأن العيب في أنها بحثت وحدها. فرشتُ دفتر الصغير قرب النافذة حتى جف. تقوّست أوراقه، واتسعت دائرة الحبر التي رسمتها خديجة حول المسألة. كلما هممتُ بإغلاقه يضع كفه على الصفحة. خليه. فتركته، وظلّت حقيبتها على الكرسي. — لم يقدر أخي أن يذهب ليراها. ودَّعتها أمي، وحين رجعت قالت إن وجهها كان مرتاحًا. هززتُ رأسي. كنت أريد أن أسألها عن أشياء صغيرة لا يُسأل عنها أحد، عن شعرها عند جانب وجهها ، وعن الثنية بين حاجبيها. قالت أمي: كأنها نايمة. كنت قد بدأت أصدق أنها ماتت؛ فأوجعتني كلمة «نايمة» أكثر مما احتملت. — بعد العزاء، أعدنا الكراسي المستعارة. انكشفت مواضعها على السجاد، وبدا المجلس أوسع مما ينبغي. جلست العنود قرب الباب. ترفع رأسها لوقع الخطوات، ثم تعود إلى اللعب بشريط حذائها. جاء أخوها بالدفتر وجلس إلى جانبها. راقبته من آخر الممر وهو يقلب الأوراق المتيبسة حتى بلغ الصفحة. كتب قليلًا، وتوقف. مسح بطرف الممحاة مسحة حذرة، ثم وضعها بعيدًا وأكمل. رفع الدفتر. لم ينادِ أحدًا في البداية. بقي ممسكًا به، ينظر إلى المساحة الخالية أمام الأريكة، ثم قال: شوفِي، يا ماما. التفتت العنود إلى حيث ينظر. وانتظرا معًا. فوضعت يدي على فمي حتى لا يسمعا نشيجي. — بعد أشهر، رن هاتفي عند خروجي من المدرسة. كانت خديجة تتصل في تلك الساعة، تعرف أنني فرغت من الحصص وأن الطريق إلى البيت يتسع لكلامنا. ظللت زمنًا أخرج ممسكة بالهاتف، أبطئ تحت مظلة البوابة حتى ينصرف الجميع. هذه المرة كان الرقم غريبًا. خالتي؟ عرفته. قال إن نتيجته ظهرت. قرأ لي درجاته مادة مادة، وحين بلغ الحساب أعاد الدرجة، مع أنني سمعتها جيدًا. هنَّأته. سألته عن أبيه وإخوته، فأجاب مستعجلًا؛ كانت الصغيرة تنازعه الهاتف. ثم سمعت أنفاسها قريبة، وصوتًا يحتك بالسماعة. شمعة؟ عيون شمعة. قالت شيئًا عن حذائها. لم أفهم، فأعادته بغضب صغير، ثم ضحكت. باغتني شبه الضحكة، وتهيأت لسماع خديجة تأخذ منها الهاتف. لكن العنود واصلت الكلام. كانت تحكي عن حذاء جديد يضيء كلما مشت. قلت: ورّيني إذا جيتكم. سمعتها تبتعد قليلًا وتنادي أخاها، ثم تعود: وصلنا. جاءني صوت باب السيارة، وحركة الهاتف بين الأيدي. ناداها أخوها أن تنتبه للدرجة. انتظرت حتى سمعت خطواتهم تدخل البيت. ثم قالت: سكّري، خالتي. قلت: مع السلامة، يا حبيبتي. وبقيت لحظة أسمع البيت من الجهة الأخرى: مفتاحًا يوضع، وولدًا يطلب ماء، والعنود تدق بقدمها على الأرض، تريد لحذائها أن يضيء. أغلقت الهاتف، ومشيت مبتسمة.

 

*كاتبة من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود