مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

الحسن الگامَح* على سبيل البدء: إلى من يقف عند أول السطر، يرتقب الضوء وهو يشقّ عت …

قراءة الفنية: لوحة الفنان الفوتوغرافي عادل الشافعي

منذ 11 ساعة

9

0

الحسن الگامَح*

على سبيل البدء:

إلى من يقف عند أول السطر، يرتقب الضوء وهو يشقّ عتمة الطريق: البداية ليست لحظة حاسمة ننتظرها لتكتمل كافة الأسباب، بل هي تلك الخطوة الأولى التي نخطوها في قلب المجهول. في كل طريق معتم، ثمة نقطة نور تنتظر من يجرؤ على المسير نحوها، وثمة ظل ممتد يخبرنا أننا أصحاب حضور وثقل على هذه الأرض. أن تبدأ، يعني أن تمنح نفسك حق الاكتشاف، وأن تجعل من خطواتك حبراً يكتب حكايتك الخاصة. لا يهم كم تبدو المساحة المظلمة شاسعة، فالبؤرة المضيئة في المدى كافية لتوجيه البوصلة، والأسفلت المبتل تحت أقدامنا يعكس دائماً بريق أمل لا يمحوه الليل. فلنخطُ الخطوة الأولى، ولنجعل من البدء نشيداً للعبور.

قراءة فنية وبصرية:

تتجسد في هذه اللقطة البصرية للفنان الفوتوغرافي عادل الشافعي حالة درامية ومكثفة من العزلة والبحث الوجودي. تعتمدالصورة كلياً على التباين الحاد بين درجات العتمة الشديدة والضوء الباهر المنبعث من عمود الشارع؛ هذا التضاد الساطع يلغي التفاصيل المشتتة ويستبقي جوهر المشهد، مما يضفي عليه طابعاً سينمائياً خالداً.

يقف الشخص في منتصف الطريق متجهاً بعيداً عن الكاميرا نحو مصدر الضوء، وتجعله هيئته المظلمة رمزاً للإنسان العام الذي يخوض رحلته الخاصة دون ملامح محددة. يلقي الضوءُ المنبعثُ خلفه ظلاً طويلاً وممتداً نحو الأمام، مما يخلق خطاً ينبض بالثقل والإحساس بحجم الخطوة، بينما يضيف انكسار الضوء على الأسفلت المبتل ملمساً حياً يزيد من إيقاع الضوء المتسرب بين ظلال الليل.

يشكل الضوء خلف الشخص هالة ضبابية تمنح المشهد روحاً ينصهر فيها الواقع بالخيال، ليبدو مصدر الضوء المبهر كأنه نقطة وصول أو أمل يبدد ظلمات الطريق. تعبر اللقطة في عمقها عن رحلة الفرد وسط مجهول الليل، حيث يغدو الطريق المظلم رمزاً للوحدة ومكابدات الحياة، غير أن حركة السير المستمرة نحو البؤرة المضيئة تجعل الفعل مفعماً بالإصرار على اختراق الظلام.

على سبيل الرسالة الفنية:

إلى هذا العابر في سديم العتمة، كأنك تقيس الليل بخطوة وتسند الظل بجسدك المتعب؛ لا طريق يُمحى ما دام هناك ضوء ينبض في أقاصيه، ولا وحشة تطال روحاً تتجه بكليتها نحو البؤرة المضيئة. إنك في هذه اللقطة لست عابر طريق فحسب، بل أنت المعنى حين يتجلى بين حلكة الليل وسطوع الأمل. الشارع المبتل الذي يعكس وميض النور يشي بأن المطر كان هنا، يغسل أثر الخوف ويترك الأرض خصبة للعبور، والظل الممتد أمامك ليس سوى شاهدٍ على قوة الخطوة وثقل الحضور. امِضِ إلى ضوئك ولا تلتفت للظلال التي تحيط بالمكان؛ فالليل -مهما احتلكت ظلمته- يتراجع دائماً أمام إصرار خطوة واحدة تعرف طريقها.

على سبيل الرسالة الفوتوغرافية:

إلى القارئ بعين الكاميرا: الضوء ليس عنصراً تقنياً يضبط التعريض فقط، بل هو حبر المعنى وبطل الحكاية. في العتمة الشديدة، لا نبحث عن كثرة التفاصيل، بل عن الاختزال الذي يمنح اللقطة روحها ونبضها الوجودي. هذه الصورة تذكرنا بأن التباين الحاد هو لغة البساطة البليغة؛ حيث تتحول الهيئة المظلمة إلى رمزيّة جامعة تتسع لقصة كل عابر، وحيث يغدو الانعكاس على الأسفلت المبتل خطاً بائناً يربط الحركة بالزمان والمكان. الفنان الفوتوغرافيالحقيقي لا يلتقط ما تراه العين فحسب، بل يقتنص لحظة التوازن بين الضوء والظل؛ فتكون الكاميرا أداة لتسجيل الرحلة، وتحويل المشهد العابر إلى أثر بصري خالد يروي وحشة الطريق وإصرار الخطوة. 

على سبيل الختم:

وهكذا يكتمل المشهد، حين تلتقي أخيراً الخطوة بالضوء، ويتلاشى الظل في بؤرة الوصول. الختام ليس انتهاءً للرحلة بقدر ما هو استراحة العابر الذي أتمّ مساره بنجاح؛ هو اللحظة التي يلتفت فيها المرء نحو الطريق المظلم الذي قطعه، ليدرك أن كل عتمة مر بها كانت ضرورية ليتعرّف على قيمة النور. في نهاية كل طريق، يبقى الأثر شاهدًا على الحضور، وتغدو الحكاية كتاباً مفتوحاً لمن سيأتي بعدنا متلمساً أثر الخطى. لقد اكتملت الصورة، واستقرت الظلال، وآن للعين أن تستريح في حضرة الضوء.

لوحة الفنان الفوتوغرافي عادل الشافعي

* شاعر وباحث في الجماليات من المغرب

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود